* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فُصِّلَت: ١٩ - ٢٤].
* * *
قوله تعالى: ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قِراءتانِ: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعَلَى هذه القِراءةِ يَكونُ الفِعلُ مَبنيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، ﴿يُحْشَرُ﴾ يَكونُ مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وكلَّما رَأَيتَ فِعلًا مُضارعًا مَضمومَ الأَوَّل مَفتوحَ ما قَبْلَ الآخِرِ فهو مَبنيٌ لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، فإنْ رأيتَه مَضمومَ الأوَّل فقط فلا يَكونُ مبنيًّا لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ؛ لأنَّ المُضارعَ من الرُّباعيِّ يَكونُ مَضمومَ الأوَّل مثل: يُقْدِمُ الرَّجلُ، يُكرِمُ الرَّجلَ وما أَشْبَهَ ذلك.
إذن هذا اللَّفظُ إِحْدى القِراءتَينِ ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيَكونُ ﴿يُحْشَرُ﴾ فِعلًا مُضارعًا مبنيًّا لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، ولاحِظْ أنَّ قولَنا لما لَمْ يُسمَّ فاعلُه أولى من قولنا مبنيٌّ للمَجهولِ؛ لأنَّه قد يَكونُ الفاعِلُ معلومًا كقولِه تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ الخالقُ اللهُ، مَعلومٌ مع أنَّ الفِعلَ مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، ولهذا
[ ١١٦ ]
فالتَّعبيرُ بقولِكَ: (خُلِقَ) فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، أَولَى مِن قولِكَ: (خَلَقَ) فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمَجهولِ، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فِعلٌ مُضارعٌ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وقولُهُ: ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائبُ فاعلٍ.
وفيها قِراءةٌ أُخْرى: "ويَومَ نَحشُرُ أَعداءَ اللهِ" أشار إليه المفسِّر ما حاجَةٌ للتَّعليقِ، ويومَ نَحشُرُ أَعداءَ اللهِ، وعلى هذه القِراءةِ تَكونُ (نَحشُرُ) فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعلِ، والفاعلُ هنا مُستتِرٌ وُجوبًا، و(أعداءَ) مَفعولٌ به مَنصوبٌ.
والفاعلُ إذا كان تَقديرُه أنا أو أنت أو نحن فهو مُستتِرٌ وجوبًا؛ وإذا كان تَقديرُه هو أو هي فهو مستتِرٌ جوازًا. مَثَلًا: (أَقُومُ) مُستتِرٌ وجوبًا تَقديرُه: أنا، (تَقُومُ) تُخاطِبُ رجلًا تَقولُ أنت تَقومُ وجوبًا؛ لأنَّ تَقديرَه أنت، (نَقومُ) وجوبًا؛ لأنَّ تَقديرَه: نحن، (قام) جوازًا؛ لأنَّ تَقديرَه: هو، (قامت) جوازًا؛ لأنَّ تَقديرَه هي، (تقوم) إذا كان تَتَحدَّث عن امرأةٍ فقلت: هندُ تَقومُ فهو مستتِرٌ جوازًا؛ لأنَّ التَّقديرَ: هي، وإذا كنت تُخاطِبُ رجلًا فهو مُستتِرٌ وجوبًا؛ لأنَّ التَّقديرَ: أنت، إذن هذا الضَّابطُ ما كان تَقديرُه هو أو نحن أو أنت فهو مستتِرٌ وجوبًا، وما كان تَقديرُه هو أو هي فهو مستتِرٌ جوازًا.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ (يوم) ظرفٌ، وكُلُّ ظرفٍ لا بدَّ له من مُتعلِّقٍ؛ لأنَّ الظَّرفَ اسمُ مفعولٍ فيه، فلا بدَّ من فِعلٍ، ولهذا قال ناظمُ الجُمَلِ:
لابدَّ للجارِ مِن التَّعلُّق بفِعلٍ أو معناه نحو مُرتَقي
والعامِلُ في (يوم) مَحذوفٌ، التَّقديرُ كما قال المفسِّر: [واذكر يومَ يُحشَرُ] ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجمَعُ ويُساقُ، وفيها قِراءتانِ: بالياءِ والنُّون المَفتوحَةِ، يَعني يُحشَرُ بالياءِ والنُّونِ المَفتوحَةِ وضَمِّ الشِّينِ. يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [بِالياءِ والنُّون المَفتوحَةِ وضَمِّ الشِّينِ وفَتحِ الهَمْزَةِ].
[ ١١٧ ]
لم يُكمِلِ المفسِّر في الواقِعِ القِراءةَ الثَّانيةَ، ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قِراءتانِ: الأُولَى ضَمُّ الياءِ وفتحِ الشِّينِ، وعلى هذه القِراءَةِ يَجِبُ أن تَكونَ ﴿أَعْدَاءُ﴾ مَرفوعَةً على أَنَّها نائبُ فاعِلٍ.
القِراءَةُ الثَّانيةُ: بفَتحِ النُّون (نَحشُرُ) وضَمِّ الشِّين وعلى هذِهِ القراءِةِ فيَجِبُ أن تَكونَ (أعداءَ) مَنصوبَةً على أَنَّها مَفعولٌ به، "ويَومَ نَحشُرُ أعداءَ اللهِ".
والقِراءتانِ اللَّتانِ تَكونانِ في القُرآنِ الَّذي بَيْنَ أَيدينا ليس هما الحُروفَ السَّبعةَ، فالحُروفُ السَّبعَةُ الآنَ غَيرُ مَعلومَةٍ؛ لأنَّه قُضِيَ عليها بتَوحيدِ المُصحفِ في عَهدِ عُثمانَ - ﵁ -، لكنَّ القِراءاتِ السَّبعَ المَوجودَةَ في حَرفٍ واحدٍ وهو حَرفُ قُريشٍ الَّذي تَوحَّدت المَصاحِفُ عليه في عَهْدِ عُثمانَ - ﵁ -، ولهذا لا حاجَةَ إلى التَّفتيشِ والتَّنقيبِ عن الحُروفِ السَّبعَةِ في وقتنا هذا؛ لأنَّها انتهت وقُضِيَ عليها.
قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ يُمكنُ أن نَعرفَهم بمَعرِفَةِ أولياءِ اللهِ، وأَوْلياءُ اللهِ تعالَى قال اللهُ في بَيانِهِمْ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، ضِدُّ الإيمانِ الكُفْرُ، وضِدُّ التَّقوى المَعاصي والفُسوقُ، فأعداءُ اللهِ إذن هُمُ الكُفَّارُ والفَسَقَةُ يُحشَرونَ ﴿إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: يُساقونَ إليها ويُجمَعون إليها.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُساقونَ] ولها معنًى آخَرَ أيضًا: يُساقونَ بالتَّوزيعِ، يَعني أنَّهم طَوائِفُ وأُمَمٌ كُلَّما دَخَلت أُمَّهٌ لعنت أُخْتَها، فهم يُوزَعونَ بالسِّياقِ أي يُساقونَ، ويُوزَعونَ أيضًا بالتَّفريقِ، كُلُّ أُمَّةٍ وَحْدَها فهُمْ يُوزَعونَ.
قال اللهُ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلخ [فُصِّلَت: ٢٠].
[ ١١٨ ]
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ زائدَةٌ] يَعني: كَلِمَةَ ﴿مَا﴾ زائدَةٌ؛ لأنَّها وقعت بَعْدَ ﴿إِذَا﴾، وكُلَّما وقعت (ما) بعدَ (إذا) فهي زائدَةٌ، وعليك بحِفْظِ البيتِ:
يا طالبًا خُذْ فائدَه (ما) بَعدَ (إذا) زائدَه
قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ ﴿جَاءُوهَا﴾ أي وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَبْلَ أن يَدخُلوها تَستَشْهِدُ عليهم هذه الجوارحُ حتَّى يَدخُلوا وهم موقِنونَ أنَّهم عومِلوا بالعَدْلِ والإنصافِ.
ويَشْهَدُ عليهم سَمْعُهم، فهل يَشْهَدُ بما سَمِعوا مِن اللَّغوِ والكَلامِ المُحرَّمِ، أو يَشهدُ السَّمْعُ بجَميعِ الأعمالِ؟ يَحتَمِلُ وَجْهَينِ: إمَّا أن يَكونَ المَعنَى: شَهِدَ عليهم سَمْعُهم بما سَمِعوا مِنَ الباطِلِ، وأَبصارُهُم بما شاهَدوه مِن الباطلِ، وجُلودُهم بما لمَسوا مِنَ الباطلِ، أو أنَّ هذه الأعضاءَ تَشْهَدُ على كُلِّ عَمَلٍ عَمِلوه، يَحتَمِلُ هذا وهذا، والثَّاني أَعظَمُ، أن يَكونَ السَّمعُ يَشهَدُ بما حَصَلَ عن طَريقِهِ، وبما حَصَلَ عن طَريقِ البَصَرِ، وبما حَصَلَ عن طَريقِ اللَّمْسِ، هذا أعظَمُ مِمَّا لو شَهِدَ بما حَصَلَ منه فقط.
وهَلْ هذا الإِشْهادُ بعد إِنكارٍ أو لِلتَّحقيقِ والتَّوكيدِ؟
الجواب: ليس في الآيَةِ ما يَدُلُّ على ذلك، لكن قيلَ -كما في آيَةٍ أُخْرَى- أنَّ هذا إِنَّما يَكونُ بعدَ إنكارِهِم أن يَكونوا أَشْركوا كما قال تَعالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقولُهُ: ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ بما مَسَّت، وهي أَعَمُّ من شَهادَةِ السَّمعِ والبَصَرِ؛ لأنَّه يَدْخُلُ في ذلكَ اليدُ والرِّجلُ والشَّمُّ وغيرُ ذلك، كُلُّ هذا عَن طَريقِ المُلامَسَةِ.
[ ١١٩ ]
قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ ولم يَقُلْ: لأبصارِهِم؛ لأنَّ شَهادَةَ الجُلودِ أَعْظَمُ وأعَمُّ، ﴿وَقَالُوا﴾ أي: أَعداءَ اللهِ، ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ وهذا الاسْتِفهامُ اسْتِفهامُ إِنكارٍ، كأنَّهم يَقولونَ: نَحنُ نُجادِلُ عنكم فكيفَ تَشهدونَ عَلينا.
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعني أنْ شَهِدْنا؛ لأنَّ اللهَ أَنطَقَنا واللهُ ﷿ بيدِه مَلكوتُ السَّمَواتِ والأَرْضِ يُنْطِقُ كُلَّ شيءٍ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: أراد نُطقَهُ] ولا حاجَةَ إلى هذا القَيدِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى لا يَكرهُه أحدٌ حتَّى نَقولَ إِنَّ هذا الفِعْلَ مُقَيَّدٌ بالإرادَةِ، ونَقولُ: أَنْطقَ كُلَّ شيءٍ ولا نَقولُ أراد نُطْقَه لأنَّه لا يُمكِنُ أن يَنطِقَ الشَّيءُ إلَّا بعدَ إرادَةِ اللهِ، ومثل هذا القَيْدِ غَيرُ مُناسبٍ؛ لأنَّنا لو اعتَبَرناه لقلنا: كُلُّ فِعلٍ ذَكَرَه اللهُ عن نَفْسِه يَجِبُ أن نُقيِّدَه بالإرادَةِ، وهذا أَمْرٌ مُستَكرَهٌ إذ إنَّنا نَعلَمُ أنَّ كلَّ فِعلٍ فَعَلَه اللهُ فإنَّما هو عن إرادةٍ، كما قال تَعالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
فاللهُ تعالى أَنْطَقَ كلَّ شيءٍ، أنطَقَ الحَجَرَ والشَّجَرَ، وسُمِعَ تَسبيحُ الحَصا والطَّعامِ بين يَدَيِ النَّبيِّ (^١) - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم-، بل قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] كُلُّ شيءٍ يُسبِّحُ اللهَ بلِسانِ المَقالِ إلَّا الكافِرَ فإنَّه لا يُسَبِّحُ اللهَ بلسانِ المَقالِ؛ لأنَّه كافِرٌ يَصِفُ اللهَ تعالى بكُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، وكُلُّ شيءٍ يُسَبِّحُ اللهَ بلِسانِ الحالِ حتَّى الكافِرُ يُسبِّحُ اللهَ بلسانِ الحالِ، بما أودَعَ اللهُ فيه مِنَ الآياتِ في الخِلقَةِ والخَلْقِ وما أَشبَهَ
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده رقم (٤٠٤٠)، والطبراني في الأوسط رقم (١٢٤٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٦٤)، من حديث أبي ذر الغفاري - ﵁ -.
[ ١٢٠ ]
ذلكَ، كُلُّه يُسبِّحُ اللهَ ﷿؛ أي: يُستَدَلُّ به على تَنزيهِ اللهِ عن كُلِّ نقصٍ وعَيبٍ. فإِنْ قال قائلٌ: هل عُمومُ قولِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يسبح بين أيديهم ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ بأن يَكونَ سَبَّحَ ولكن لم يَفْقَهوا تَسبيحَه إلَّا بإخبارِ النَّبيِّ - ﷺ -، أو أَنَّه سَبَّحَ حَقيقةً يَفهمُه أيُّ أحدٍ.
فالجَوابُ: ظاهرُ النُّصوصِ أنَّه يُسبِّحُ حَقيقَةً، لكنَّ التَّسبيحَ ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتِبارِ المَجموعِ لا بِاعتِبارِ كُلِّ فردٍ، فإنَّ مِنَ الأشياءِ ما نَسمَعُ تَسبيحَه يُسبّحُ تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] فالظَّاهرُ أنَّها تُردِّدُ كما قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠].
فإن قيلَ: هل التَّسبيحُ كما نقولُ نَحنُ أو خاصٌّ بها؟
فالجَوابُ: أنَّه تَقولُ سبحانَ اللهِ.
وإن قيل: هل صوتُ غَديرِ الماءِ هو تَسبيحُهُ؟
فالجَوابُ: لَا، هذا خطأٌ، فخَريرُ الماءِ ليس صوتَ تَسبيحٍ، بل هذا طَبيعيٌّ، فهل نَقولُ حركةُ الإنسانِ بالأرضِ إذا وَطِئت أقَدامُه الأرضَ وسَمِعَ لها الصَّوتَ هذا تَسبيحٌ؟ !
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قيل: هو مِن كلامِ الجلودِ، وقيل هو مِن كَلامِ اللهِ تَعالَى كالَّذي بَعدَهُ، وموقِعُه قَريبٌ مِمَّا قَبلَه، بأنَّ القادِرَ على إِنشائِكم ابتداءً وإِعادَتِكم بعدَ الموتِ أَحياءً قادرٌ على إِنطاقِ جُلودِكم وأَعضائِكم].
[ ١٢١ ]
وقولُهُ: ﴿خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَحتَمِلُ أنَّه مِن كَلامِ اللهِ يُخاطِبُ به هَؤلاءِ المكذِّبينَ والأعداءَ، ويَحتَمِلُ أنَّه تَتِمَّةُ كَلامِ الجلودِ، يعني أنَّ الجلودَ تَستدِلُّ على قُدرةِ الله تعالَى على إنطاقِها بأنَّه خَلَقَهم أَوَّل مَرَّة.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀ في بيان ذلك: [قيل: هو مِن كَلامِ الجُلودِ، وقيل: هو مِن كَلامِ اللهِ]، وإذا قال المُؤَلِّفونَ: قيل كذا وقيل كذا، فالخِلافُ هنا مُطلَقٌ لا تَقديمَ فيه ولا تَأخيرَ، وإذا قيل: هو مِن كَلامِ الجُلودِ، وقيل: مِن كَلامِ الله هنا يَكونُ قَدَّمَ الأَوَّلَ، أمَّا إذا قال المُؤَلِّفون: قيل وقيل، فهذا لَيسَ فيه تَقديمٌ، بل هو نَقْلُ خِلافٍ على وَجهِ الإطْلاقِ.
وعلى هذا فالقَولانِ لَدى المفسِّر مُتساويانِ؛ وأَن نَجعلَه من كَلامِ الجُلودِ حتَّى يَتَّصِلَ الكَلامُ بَعضُه ببَعضٍ: أَقْرَبُ من حيثُ اللَّفظِ، أَقْربُ أنَّ الجُلودَ تَقولُ: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتَقولُ لِهؤلاءِ: هو الَّذي خَلَقَكم أَوَّل مَرَّةٍ وإليه تُرجَعونَ.
لكنَّ القَولَ الثَّاني أَقوَمُ للمَعْنى، يَعني: أنَّ اللهَ لمَّا بَيَّنَ أنَّ هؤلاءِ يُعادونَ يومَ القيامَةِ ويُحاسَبونَ وتَشهَدُ عليهمُ السَّمعُ والأبَصارُ والجُلودُ بَيَّنَ ﷿ أنَّه قادرٌ على الإعادَةِ؛ لأنَّ هؤلاءِ الَّذينَ كَذَّبوا يُنكِرونَ البَعْثَ فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادِرُ على الخَلْقِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قادرٌ على إِعادتِهِ، دَليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فهو يَقولُ: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادِرُ على ذلك قادِرٌ على الإِعادَةِ.
وقولُهُ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إِشارَةٌ إلى الحِكْمةِ مِن خَلْقِ الخَلْقِ أنَّهم يُبتَلونَ فيُؤمَرونَ ويُنْهَونَ، ومَآلُهُم إلى اللهِ ﷿، يُجازيهم بِحَسَبِ أعمالهِم الَّتي كَلَّفهم بها.
[ ١٢٢ ]
فإِنْ قال قائلٌ: هَلِ العَذابُ الواقعُ على الأعضاءِ تَأثيرُه في نَفْسِ الأعضاءِ؟
فالجَوابُ: لا، الواقِعُ أنَّ العذابَ على أَهْلِ النَّارِ واقعٌ على كُلِّ البَدَنِ، ولهذا قال اللهُ تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] لكن هم يتَعَجَّبون، ويُوَبِّخون السَّمعَ والأبصارَ والجُلودَ، لِمَ شَهِدْتُم علينا ونحن نُجادِلُ عنكم.
ثُمَّ قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ .. إلى آخرِهِ، هذا هو معنى قولِ المفَسِّر: [كالَّذي بعده]، وهذا لا شكَّ أنَّه من كَلامِ الله ولَيْسَ من كَلامِ الجُلودِ، وقولُ المفسِّرِ ﵀: [ومَوقعُه قَريبٌ مِمَّا قَبْلَه] يعني: مَوقعُ هذا الكَلامِ ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قَريبٌ مِما قَبلَهُ، يعني: يُبَيِّنُ مُناسَبَةَ هذه الجُملَةِ لِما قَبلَها، وهو أنَّ القادِرَ على إِنشائِكُم ابتداءً وإِعادَتِكم بَعدَ المَوتِ أحياءً قادرٌ على إِنْطاقِ جُلودِكم وأَعْضائِكم.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عنِ ارتِكابِكم الفَواحِشَ من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾]، يعني: ما كُنتُم تَستَخفونَ في مَعاصيكُم وكُفْرِكم، وغَيرُ ذلك مِمَّا يَستَترونَ به خوفًا من: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾، يعني: أنَّ الكُفَّارَ يَستتِرونَ أحيانًا بِالمَعاصي لكن لا يَستَتِرونَ خوفًا مِن أن تَشهَدَ عليهم سَمْعُهم وأبصارُهُم وجُلودُهُم، لأنَّ هذه الأشياءَ لا استِتارَ عنها إطلاقًا إذ إنَّها هي الإنسانُ، ولا يُمكِنُ الاستِتارُ عنها، وأيضًا هُم لا يُؤمنونَ بأنَّها سوف تَشهَدُ عليهم يومًا من الأيَّامِ، فصاروا لا يَستَتِرونَ عن هذه الأشياءِ لوَجهينِ:
الأوَّلُ: أنه لا انفكاكَ عنها، وَجهُه أنَّها هي مُكوِّناتُهم.
الوَجهُ الثَّاني: أنَّه ما كان يَطرأُ على بالهِم يومًا مِن الأيَّام أنَّ هذه سوف تَشهدُ عليهم؛ لأنَّهم يُنكِرونَ البعثَ، وإَنكارُ البَعثْ يَستلزِمُ ألَّا يُؤمنوا بأنَّها تَشهَدُ عليهم.
[ ١٢٣ ]
قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾: تستخفون، وقولُهُ: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تَقديرِ محَذوفٍ، التَّقديرُ: خَوفَ أن يَشهَدَ عليكُمْ سَمْعُكم وأَبصارُكم .. إلى آخِرِه.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [لأنَّكم لم توقِنوا بالبَعثِ]، هذا التَّعليلُ أضفنا إليه تعليلًا آخَرَ، وهو عَدَمُ انْفِكاكِ جُلودِهِمْ وسَمْعِهم وأبصارِهِم.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استِتارِكم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾] هذا الَّذي ظَنُّوه باللهِ فظَنُّوا باللهِ تَعالَى ظَنَّ السَّوءِ، وأنَّهم إذا استَتروا عَنِ الخَلْقِ استَتَروا عن اللهِ، ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ والكَثيرُ الثَّاني: ما يَفعَلونه عَلانيَةً ولا يَهتمُّون به.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأٌ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بَدَلٌ منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نَعتٌ والخَبَرُ ﴿أَرْدَاكُمْ﴾] المفسِّر أعرَبَ الآيَةَ على وَجْهِ التَّفصيلِ.
﴿وَذَلِكُمْ﴾: (ذا) اسْمُ إشارَةٍ و(اللَّام) للبُعْدِ و(الكافُ) حَرفُ خِطابٍ وجاءت بالجمْعِ؛ لأنَّ المُخاطَبَ جَماعَةٌ.
وهنا يَجِبُ أن نَعرِفَ أنَّ اسمَ الإشارَةِ يَعودُ إلى المُشارِ إليه، و(الكافُ) تَعودُ إلى المُخاطَبِ، فإذا خاطبت ذَكرًا تُشيرُ إلى شيءٍ مُذكَّرٍ تَقولُ: ذلك، وإذا أشرت إلى اثنين مخُاطبًا ذَكَرًا تَقولُ: ذانِكَ، وإذا أشرت إلى واحدٍ تُخاطِبُ اثنين تَقولُ: ذلكما، وإذا أشرت إلى واحدٍ تُخاطِبُ جماعَةَ نساءٍ تَقولُ: ذلكن، وإذا أشرت إلى واحدةٍ تُخاطِبُ جماعةَ إناثٍ، تَقولُ: تِلْكُنَّ، وإذا أشرت إلى جَماعَةٍ مخُاطِبًا جماعَةَ ذُكورٍ، تَقولُ: أولئكم، ففي القُرآنِ: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وإذا أَشَرت إلى مُؤَنَّثتينِ تُخاطِبُ اثنتَينِ، تَقولُ: تَانِكُما، والأمثِلَةُ كَثيرةٌ، لكنَّ المُهِمَّ ألَّا يَلتَبِسَ المُشارُ
[ ١٢٤ ]
إليه بالمُخاطَبِ، فاسْمُ الإشارَةِ يَكونُ بِحَسَبِ المُشارِ إليه، والكافُ بِحَسَبِ المُخاطَبِ.
وفي (كافِ المُخاطَبِ) في الإشارَةِ أَقوالُ ثَلاثَةٌ وكُلُّها لُغاتٌ:
١ - نُلزِمُها طَريقةً واحدَةً بالإفرادِ والفَتْحِ، فنقول: ذلكَ تانكَ ذانكَ.
٢ - أو نُلزِمُها الإفرادَ مع الفَتْحِ للمُذكَّر والكَسرِ للمُؤَنَّث، هذانِ وَجهانِ.
٣ - أو نَقولُ: هي حَسَبُ المُخاطَبِ المُفرَدِ المُذكَّر له كافٌ مفتوحةٌ والمُفردَةُ المُؤنَّثةُ كافٌ مكسورةٌ، والمُثنَّى كافٌ مَقرونَةٌ بعَلَم التَّثنيَةِ، وجماعَةُ النِّساءِ كافٌ مقرونَةٌ بنونِ النِّسوَةِ، وجماعَةُ الذُّكورِ كافٌ مقرونَةٌ بميمِ الجَمْعِ، الأخيرِ هو الأفصَحُ، لكن يَجوزُ الوَجهانِ الآخَرانِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأٌ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلٌ منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعتٌ، والخَبَرُ ﴿أَرْدَاكُمْ﴾]، يعني مَعناه أنَّ قولَه: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ وما عُطِفَ عليها أو صار صِفَةً لها في مقامِ المبتَدَأِ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقامِ الخَبَرِ.
ويُمكِنُ احتِمالَ وَجْهٍ آخَرَ أن نَجعلَ (ذا) مُبتدأٌ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خَبرُهُ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وهذا الوَجهُ أَقْوَى في المعنَى، يعني: ذلكم ظنُّكُم الَّذي ظَنَنتم برَبِّكم -ولم تَظنُّوا به سواه- أنَّه لن يُعيدَكم، ثُمَّ أخَبَرَ عن هذا الظَّنِّ خَبرًا آخَرَ فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أَقْوى من قَولِ المفسِّر رَحِمَه اللهُ تَعالَى.
قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو اللهُ ﷿ وأَضافَ الرُّبوبيَّة إليهم؛ لأنَّهم يُقِرُّون برُبوبيَّة اللهِ لا يُنكِرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] وفي قِراءةٍ أُخْرَى سَبعيَّةٍ: "سيقولون الله".
[ ١٢٥ ]
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي [أَهْلَكَكُمْ].
وقولُه تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: صِرتُمْ مِن الخاسِرينَ، وهُنا (أَصْبَحَ) لو نَظَرنا إلى مجُرَّدِ لَفْظِها لكانت دَالَّةً على الإِصْباحِ، لكنَّها تُستَعْمَلُ في اللُّغة العربيَّة بمعنى الصَّيرورَةِ، تَقولُ: أصبَحَ لا يَعلَمُ شيئًا أي صار لا يَعلَمُ شيئًا، وهُنا أصبحتم مِنَ الخاسِرينَ ليس المَعْنى دَخَلْتم في الصَّباح خاسِرينَ، ولكنَّ المَعْنَى: صِرتُمْ مِن الخاسِرينَ، والخاسِرُ ضِدُّ الرَّابحِ، وإنَّما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأنَّ هؤلاءِ الَّذين أَنْكَروا البَعثَ خَسِروا الدُّنيا والآخِرَةَ في الواقِعِ، فدُنياهُمْ لم تَنفَعْهم وهُمْ في الآخِرَةِ في النَّار، وهذا غَايةُ الخُسْرانِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العَذابِ ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يَطلُبوا العُتْبَى؛ أَي: الرِّضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ المَرضِيِّين].
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (الفاءُ) رابطَةٌ لجوابِ الشَّرطِ، (ما) نافِيةٌ تَعمَلُ عَمَلَ (ليس)، واسم (ما): (هم) مَبنيٌّ على السُّكونِ، ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ جارٌّ ومجَرورٌ مُتعلِّقٌ بالمَحذوفِ خبرُ (ما).
وهنا تَتَّفقُ اللُّغتانِ الحِجازِيَّةُ والتَّميمِيَّةُ من حيثُ اللَّفظِ، وتختلفان من حيثُ الإعرابُ، أمَّا في قولِه تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] فلا تَتَّفِقُ اللُّغتانِ، فلُغةُ تميمٍ أن يُقالَ: (ما هذا بَشَرٌ)، لأنَّ (ما) مُهمَلَةٌ عند التَّميميِّينَ، وعامِلَةٌ عَمَلَ (ليس) عند الحِجازيِّينَ، فتَقولُ مَثلًا: (ما زَيدٌ قائمًا)، وإذا كُنْتَ خاطبت إنسانًا وقلت: (ما زَيْدٌ قائمًا) عرفنا أنَّك حِجازِيٌّ، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: (ما زَيْدٌ قائمٌ) عرفنا أنَّكَ تمَيميٌّ؛ ولهذا قال الشَّاعِرُ (^١):
_________________
(١) غير منسوب، وانظر: نفح الطيب للمقري التلمساني (٥/ ٢٢٧).
[ ١٢٦ ]
ومُهفهَف الأعطافِ قلت له انتسب فأجابَ ما قَتْلُ المُحِبِّ حرامٌ
قوله: "انتسب" يعني: مِنْ أين أنت؟؛ فأخبَرَه بنَسَبِه أنَّه تَميميٌّ إذ لو كان غَيرَ تمَيميٍّ لقال: (ما قَتْلُ المُحِبِّ حَرامًا).
والاستِعتابُ طَلَبُ العُتْبَى، والعُتْبَى مَعناها قَبولُ العُذْرِ والرِّضا، فالمفسِّر فَسَّرها في النِّهايَةِ بالغايَةِ الَّتي هي الرِّضا؛ لأنَّ الإنسانَ إذا استُعْتِبَ وقُبِلَ عُذْرُه رَضِيَ عنه المُستَعتِبُ.
وهُنا وَعيدٌ شَديدٌ، إن يَصْبِروا فَالنَّارُ مَثوًى لهم، لم يَقُلْ إن يَصْبِروا فلْيَنْتَظِروا الفَرَجَ، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، أي: لَيْسَ لهم إلَّا النَّارُ، وهذا كقولِه تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] فَالعَذابُ سِوَى عَذابِ الآخِرَةِ يُنتَظَرُ الفَرَجُ له؛ لأنَّ دوامَ الحالِ مِنَ المُحالِ، فإذا صَبَرَ الإنسانُ على البَلاءِ فَالنِّهايَةُ الزَّوالُ، لكن في الآخِرَةِ إن يَصبِروا فلن يَسلَموا مِنَ العذابِ ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، وهي مَثوًى لهم قَبْلَ الصَّبرِ وبعد الصَّبرِ، لكنَّ هذا من بابِ التَّيئيسِ لهم، وأنَّ صَبرَهم لا يُفيدُهم شيئًا.
ومُناسَبَةُ جَوابِ الشَّرطِ لفعل الشَّرطِ هنا تَيئيسُ هؤلاءِ مِنَ الفَرَجِ، وقد تخفى مُناسبَتُه إذ إنَّ الإنسانُ يَتوقَّعُ أن يَكونَ الجَوابُ خِلافَ ذلك؛ لأنَّ ظاهِرَ الحالِ أن يَقولَ: فإن يَصبِروا فَالفَرَجُ قَريبٌ مَثلًا، لكنَّه قال: فالنَّارُ مثوًى لهم، أي: فلن يَتخلَّصوا منها.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يَطلُبوا العُتْبى أي: الرِّضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾] لأنَّهم يَسألونَ الله تعالى فيَقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، والجَوابُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، في الدُّنيا لو طالَبوا
[ ١٢٧ ]
العُتْبى وتابوا إلى اللهِ لحَصَلَ لهم ذلك، لكن في الآخِرَةِ قد فات الأَوانُ، وقولُهُ: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكُلُّ إنسانٍ مأواه النَّارُ فلا حَظَّ له في الجَنَّةِ.
مسألة: إِخبارُ الله ﷿ عن نفسِه في القُرآنِ بصيغَةِ الغائِبِ يَقولُ: قال اللهُ قال اللهُ ..، أليسَ الأَفْضَلُ في اللُّغةِ الِإخْبارَ بصيغَةِ المُخاطَبِ؟
الجَوابُ: لا هذا له أَحْوالٌ، لكن يَقولُ العُلَماءُ إِنَّ المُتكلِّمَ إذا عَبَّر عن نفسِه بصيغَةِ الغائِبِ، فهذا دَليلٌ على العَظَمَةِ والتَّعظيمِ، ففَرْقٌ بَينَ أن يَقولَ المَلِكُ مَلِكُ الدُّنيا: إنَّ المَلِكَ يَأمُرُكم أن تَفعَلوا كذا، أو يَقولَ: إنِّي آمُرُكم، الأوَّلُ أَعْظَمُ في التَّفخيمِ، وهذا من قَواعِدِ البَلاغَةِ تَعبيرُ المُخاطِبِ عن نفسِه بصيغَةِ الغائِبِ يدُلُّ على التَّعظيمِ لا سِيَّما إذا كان بوَصْفٍ يَقتَضي ذلك.