* * *
قالَ اللهُ ﷿: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].
* * *
قولُه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ يقول المُفسِّرُ ﵀: [الضَّميرُ يَرجِعُ إلَى السَّماءِ؛ لأنَّها في معنَى الجمعِ الآيلَةِ إلَيْه؛ أي صيَّرَها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾]؛ قولُه: [﴿فَقَضَاهُنَّ﴾، الضَّمير يَرجِع إلَى السَّماءِ، حِينَئذٍ يرِدُ إشْكالٌ، فإِنَّ السَّماءَ مُفرَدٌ و"قَضاهُنَّ"، الضَّميرُ جمْعٌ، فكيْف كان الأمْرُ كذَلِك؟
يَقولُ ﵀: [يَرجِعُ إلَى السَّماءِ؛ لأنَّها في معنَى الجمْعِ الآيلِةِ إلَيه]؛ لأنَّ هَذه السَّماءَ المُفرَدَ يَؤُولُ إلَى جمْعٍ، ومِقدارُه: سبْعُ سَمواتٍ، فكأنَّه عبَّرَ عَنِ السَّماءِ بِاعْتِبارِ مَآلِها أنَّها سَتكونُ سبع سَمواتِ.
وقوْلُه: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ أيْ صيَّرهُنَّ، وعلَى هَذا فيَكونُ الضَّمِيرُ في "قَضاهُنَّ" المَفْعُولُ الأوَّلُ، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ المَفْعُولُ الثَّاني، ويَحتَمِلُ أنْ تَكونَ "قَضاهُنَّ" بمَعنَى: فَرَغَ مِنْهُنَّ، وعلَى هَذا فيَكونُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ مَفعُولًا بِه و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتِ﴾ حالًا؛ أيْ: حالَ كَونِها سبع سَمواتٍ.
وعلَى كلٍّ: فَإنَّ السَّمواتِ كانتْ سَبْعًا.
وقَولُه: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المُفسِّرُ: [الخميسُ والجُمُعةُ فُرغَ مِنها في آخِرِ ساعةٍ
[ ٧٨ ]
مِنه، وفِيها خُلِقَ آدَمُ؛ ولذلِك لمْ يَقُلْ هُنا: "سَواءٌ"، ووافَقَ ما هُنا آياتُ خَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ في سِتَّةِ أَيَّامٍ]؛ أيْ: قَضاهُنَّ سَبْع سَمواتٍ في يَومَيْنِ، و"فِي" للظَّرفِيَّةِ، والظَّرْفُ يَكونُ أوْسَعَ مِنَ المَظْرُوفِ، فيَحتَملُ أَنَّه قضاهُنَّ في يَومَيْن مِن أوَّلِ اليَومَيْنِ إلَى آخِرِهُما، ويَحتَمِلُ أَنَّه قَضاهُنَّ في يَومَيْن؛ أي: في هَذا الظَّرْفِ، وإنْ كانَ القَضاءُ لَم يَستوعبْ هَذا الظَّرْفَ، وهَذا هُو الَّذي مَشى علَيه المُفسِّرُ، وسيَتبيَن ما فِيه إنْ شاءَ اللهُ.
وقَولُه ﵀: [فُرِغَ مِنها في آخِر ساعَةٍ مِنه، وفِيها - أيْ في آخِرِ ساعَةٍ خُلِق آدَمُ - ولذلِك لمْ يَقُلْ سَواءً"، بَينَما قال في خَلْقِ الأرْضِ: ﴿فِىَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾، وهُنا لمْ يَقُلْ: "في يَومَيْن سَواءً"؛ لِأنَّ بَعْضَ اليَومَيْنِ خُلِقَ فِيه آدَمُ، هَذا ما ذَهَب إلَيْه المُفسِّرُ، وفِيه نَظَر ظاهِر؛ لِأنَّ هَذا يَقتَضِي أنَّ آدَمَ خُلِقَ حِينَ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ، يَعنِي في الأيَّام السَّتَّة الَّتي خُلِقتْ فِيها السَّمواتُ والأرْضُ، وهَذا لا شكَّ أَنَّه خَطَأٌ، بلْ إنَّه خُلِقَ بَعد ذلِك، لا أقُول: بمَلايِينَ، بَلْ بِمِئاتِ السِّنِين؛ لأنَّ آدَمَ ﵇ - كَما هُو مَعلُومٌ - جَعلَه اللهُ تَعالَى خَلِيفَةً لأُناسٍ قَبْلَه أَو لِلجِنِّ الَّذِين سَكَنُوا الأرْضَ قَبْلَه، ولِهَذا لَمَّا قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قالَتِ المَلائِكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] إلَى آخِرِه.
فدَعْوَى المُفسِّرِ ﵀ أنَّ آدَمَ خُلِقَ في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعةِ الَّتي تمَّ فِيها خَلْقُ السَّمواتِ والأرْضِ غيْرُ صَحِيحٍ.
نَعم؛ خُلِقَ آدَمُ يوْمَ الجُمُعةِ لا شكَّ في هَذا، كَما ثبُتَ عَنِ النَّبيِّ (^١) ﵊ لكِنَّها ليْسَتِ الجُمُعة الَّتي تمَّ بها خلْقُ السَّمواتِ والأرْضِ؛ إذَنْ: خلَقَهنَّ في يومَيْن؛ يقُولُ المُفسِّرُ: [وَوافَقَ هُنا آياتُ خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ في ستَّةِ أَيَّامٍ] لأنَّ أرْبَعةَ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، رقم (٨٥٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٧٩ ]
أَيَّامٍ كانَتْ لخِلْقِ الأرْضِ، ويَومَيْن كانَتْ لخَلْقِ السَّماء، فيَكونُ المَجمُوعُ ستَّة أيَّامٍ، وهَذا أمْرٌ مُتَّفقٌ علَيه بيْن المُسلِمين أنَّ خلْقَ السَّمواتِ والأرْضِ في ستَّةِ أيَّامٍ.
وفِي بعْضِ الآياتِ يَقولُ: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ لِأنَّ بيْن السَّمواتِ والأرْضِ مِنَ الآياتِ العَظِيمةِ ما اسْتَحقَّ أنْ يَكونَ قَسِيما لِخَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ، قال تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ وقَد كُنَّا نَقولُ: كَيْف يَكونُ خَلْقُ ما بيْن السَّماءِ والأرْضِ قَسِيمًا لخَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ مَع أَنَّه في نَظَرِنا لا يُساوي شَيئًا بالنِّسبَةِ إلَى خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ، إذْ كُنَّا لا نَعْلَمُ إلَّا أنَّ الَّذي بيْن السَّماءِ والأرْضِ هُو الغُيُومُ والهَواءُ فقَطْ، وكُنَّا نَقولُ: إنَّ القَمَرَ والنُّجُومَ والشَّمسَ كانَت في السَّماءِ. وكُنَّا نَقولُ: القَمَرُ في السَّماءِ الدَّنيا، والشَّمْسُ في السَّماءِ الرَّابعةِ وزُحَلُ في السَّماءِ السَّابعةِ، وكُنَّا نُنْشِدُ قوْلَ الشَّاعِرِ (^١):
زُحلُ شَرَى مِرِّيخَه مِن شَمْسِه فَتَزاهَرَت بِعُطارِد الأقْمارُ
هَذه الكَواكِبُ السَّبْعةُ؛ والمَعنَى: مِن أعْلى إلَى أسْفَل، فـ "زُحَل" هَذا أعْلاها، "شَرى" المُشْتَرى، "مِرِّيخَه" المِرِّيخ، "مِن شَمسِه" الشَّمسُ، "فتَزاهَرت" الزّهرة، "بِعُطارد" عُطارد، "الأقْمار" القَمَر هُو الأخِيرُ، وعَلى هذا فتكونُ الشَّمْسُ في السَّماءِ الرَّابعةِ، وكُنَّا نَظُنُّ أنَّ هَذه مُرَصَّعةً بالسَّماءِ كَما يُرصَّعُ المِسْمارُ على الخَشَبةِ!
لكِن تَبيَّنَ الآنَ أنَّ هَذه في أجْواءٍ بيْن السَّماءِ والأرْضِ ولَيْست مُرَصَّعةً في السَّمواتِ والأرْضِ، وأنَّ السَّماءَ مِن فَوقِها بأمَدٍ بَعِيدٍ، وحِينَئِذٍ تَبِين الحِكْمَةُ مِن كَوْنِ اللهِ ﷿ يَجْعَلُ خَلْقَ ما بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَدِيلًا لِخَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ.
_________________
(١) غير منسوب، وانظره في: الفروق للقرافي (٢/ ١٨٣)، المواعظ والاعتبار للمقريزي (١/ ١٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩).
[ ٨٠ ]
ثمَّ قال ﵀: [﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الَّذي أمَر به مَن فِيها مِن الطَّاعةِ والعِبادةِ] "أوْحَى في كلِّ سَماءٍ أمْرَها"، يَعنِي: قدَّرَ بِما أوحاه في كلِّ سماءٍ أمْرَها، فكُلُّ سَماء لَها مَلائِكةٌ خاصَّةٌ، وعِباداتٌ خاصَّةٌ، وأجْواءٌ خاصَّةٌ، وكُلُّ سَماءٍ تَختَلِفُ عَنِ السَّماءِ الأُخْرَى، حتَّى إنَّ بَعْضَهم يَقولُ - وَهُو مِن الإسْرائِيلِيَّاتِ الَّتي لا تُصَدَّقُ وَلا تُكَّذَّبُ -: إنَّ جِرْمَ السَّماءِ الدَّنيا يَخْتَلِفُ عَن جِرْمِ السَّماءِ الثَّانيَةِ، والثَّانيةُ عَنِ الثَّالِثةِ، كُلُّ واحِدةٍ مِن مادَّةٍ أُخرَى غَيرِ مادَّةِ السَّماءِ الأُخْرَى، والله أعْلَمُ.
وقَولُه: ﴿أَمْرَهَا﴾ مُفْرَدٌ مُضافٌ فيَعُمُّ جَمِيعَ الأُمُورِ، فجمِيعُ ما يَتعلَّق بكُلِّ سماءٍ قَد أوْحاه اللهُ بِها.
وَقَولُه ﵀ [﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الَّذي أَمَرَ بِه مَن فِيها مِنَ الطَّاعَةِ والعِبادَةِ، صَرَفَ المُفسِّرُ ﵀ الأمْرَ هُنا إلَى الأمْرِ الشَّرْعيِّ لا الأمْرَ الكَوْنيَّ؛ ولذلِكَ قال: [﴿أَمْرَهَا﴾ الَّذي أمَرَ بِه مَن فِيها مِنَ الطَّاعَةِ والعِبادَةِ] ويَحتَملُ أنْ يَكونَ المُرادُ بِالأمْرِ هُنا الشَّأنُ، أيْ أوْحَى في كُلِّ سماءٍ شَأنَها، فيَشْمَلُ أحْوالَ السَّماءِ وأحْوالَ مَن فِيها، وهَذا أعَمُّ مِمَّا ذَكَرَه المُفسِّر ﵀ وإنَّنا نُقرِّرُ قاعِدة في التَّفسِيرِ: إذا ورَدَ تَفْسِيرانِ في الآيَةِ أحَدُهما أعمُّ أخَذْنا بالأعمِّ، لأنَّ الأعمَّ يدْخُلُ فِيه الأخصُّ ولَا عَكْسَ، فَإذا قُلْنا: "شَأنُها" صارَ أعمَّ مِن أنْ نَقُولَ: "إنَّه أمْرُها الشَّرْعيُّ"، لأنَّ هَذا أخصُّ، فالحَمْلُ على الأعمِّ أوْلَى.
وقَولُه: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ انْظُرْ إلَى خَصائِصِ السَّماءِ الدَّنْيا ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [بنُجُوم﴾ ﴿وَحِفْظًا﴾ أمَنْصُوبٌ بِفِعلِه المُقدَّرِ، أي: حَفِظْناها مِنِ استِراقِ الشَّياطِين السَّمْعَ بالشُّهُبِ، "زيَّنَّا السَّماءَ الدَّنيا"، "الدُّنيا" يَعنِي: القُربَى، وسُمِّيَتْ دُنيا لأنَّها قَريبَةٌ مِنَ الأرْضِ، فهِي أقْرَبُ السَّمواتِ، زَّينَها بمَصابِيحَ،
[ ٨١ ]
والمَصابِيحُ هِي النَّجُومُ، وسُمِّيتْ مَصابِيحَ؛ لأنَّها بمَنزِلةِ القَنادِيلِ المُعلَّقةِ بالسَّقْفِ، فإنْ قال قائِلٌ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذه المَصابِيحَ مُرصَّعةٌ بالسَّماءِ!
قُلْنا: إنْ كان هَذا ظاهِرُها فالواقِعُ خِلافُ ذلِك؛ ولا مانِعَ مِن أنْ تُزيَّنَ بمَصابِيحَ وإنْ لمْ تَكُنْ مُلتَصِقةً بها، أرَأيْتَ لَو أَنَّك دَلَّيْتَ مَصابِيحَ مِن سَقْفٍ عالٍ، ثُمَّ كُنْت تَحْت هَذه المَصابِيحِ، أفَلا تَكونُ هَذه المَصابِيحُ زِينَةً لِلسَّقْفِ، وإنْ كانتْ غيْرَ لاصِقَةٍ به، بَل جِهتَها - أي جِهةَ هَذا السَّقف - مُزيَّنةً بِهَذه المَصابِيحِ، فلا يَلزَمُ مِن قوْلِه: "زَّينَّا السَّماءَ الدَّنْيا بمَصابِيحَ" أنْ تكونَ مُرصَّعةً بالسَّماءِ، بلْ نَقولُ: هِي مُزيَّنةٌ بِها وإنْ كان بَينَها وبيْن السَّماءِ مَسافةٌ.
وقَولُه: ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حَفِظْناها حِفْظًا، فالسَّماءُ مَحفُوظَةٌ، كما قال تَعالَى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، ولِهَذا لمْ يَستَطِعْ جِبريلُ أنْ يَدْخُلَ مِن السَّمواتِ مَع أَنَّه نِازِلٌ مِنها حِين كان مَعه محُمَّدٌ - ﷺ - حتَّى استَأذَن له، ففي حدِيثِ المِعْراج (^١): "إنَّ جِبرِيلَ لمَّا وصَل بالنَّبيِّ - ﷺ - إلَى السَّماءِ الدُّنيا اسْتَفتَح؛ فقِيل: مَن هذا؟ قال: جِبرِيلُ، قِيل ومَن مَعَك؟ قال: مُحمَّد، فقِيل لَه: هَل أُوحِي إلَيْه؟ قال: نَعَم، ففُتِح لَه"؛ لِأنَّ السَّماءَ محَفُوظةٌ، لا يُمكِن أنْ يَدخُل أحَدٌ فيها إلَّا بِإذْنٍ الله؛ فإنَّ جِبْريلَ قال: "مَعِي مُحمَّدٌ، فقِيلَ: له: وقَد أُرسِلَ إلَيه؟ قال: نعَم، قالوا: مَرْحبًا بِه؛ فنِعْم المَجِيءُ جاء"، ثمَّ فتحوا لَه، فدَخَل السَّماءَ الدَّنيا ثمَّ الثَّانيَةَ والثَّالِثةَ ، وهكَذا، ممَّا يدُلُّ على إتْقانِ حِفْظِ اللهِ ﷾ للسَّمواتِ، وأنَّها مُتقَنةٌ، علَيْها مَلائِكةٌ لا يُمكِنُ أنْ يَتَجاوَزها أحَدٌ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم (٣٢٠٧)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، رقم (١٦٤)، من حديث مالك بن صعصعة - ﵁ -.
[ ٨٢ ]
وقَولُه ﵀: ﴿وَحِفْظًا﴾ مَنْصُوبٌ بفِعلِه المُقدَّرِ؛ أي: حَفِظناها حِفْظًا مِنِ اسْتِراقِ الشَّياطِين السَّمْعَ بالشُّهُبِ ] إلَى آخِرِه؛ فقَوْله: ﴿وَحِفْظًا﴾ مَصْدرٌ عامِلُه محَذُوفٌ، والتَّقدِيرُ: حَفِظْناها حِفْظًا؛ ومن أيِّ شَيْءٍ حَفِظْناها؛ قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٦، ١٧]، فَيَكونُ المُرادُ بالحِفْظِ حَفِظُها مِنَ الشَّياطِين؛ لِأنَّ القُرْآنَ يُفسِّرُ بَعضُه بَعضًا.
وأمَّا شَأنُ الشَّياطِين بالنِّسْبةِ للسَّمْعِ فإنَّها تَصْعَدُ فيَرْكَبُ بعضُها بعْضًا، إلَى أنْ تَصِلَ إلَى السَّماءِ، فتَستَمِعُ إلَى أخْبارِ السَّماءِ، وما تَتحدَّثُ به المَلائِكةُ، ثمَّ تنْزِلُ بِه إلَى الأرْضِ، وتُلقِيه إلَى الكُهَّانِ الَّذين لكُلِّ واحِدٌ مِنهُم رُئِيَّ مِن الجِنِّ، والكاهِنُ يأخُذُ هَذا الجبرَ ويُضِيفُ إلَيهِ أخْبارًا أُخرَى، ثمَّ يحدِّثُ النَّاسَ بذلِك؛ ومن المَعلُومِ أنَّ ما سُمِعَ في السَّماءِ لا بُدَّ أنْ يَكونَ، فتكونُ هَذه الكَلِمةُ الواحِدة - التي هي صدق - مَثارًا لإعْجابِ النَّاسِ بالكُهَّانِ والرُّجوعِ إليهم؛ ولهِذا كانُوا بالجاهلِيَّةِ يَتَحاكَمُون إلَى الكُهَّان؛ فهَذه هِي قَضِيَّةُ استِراقِ السَّمْعِ.
ثمَّ إنَّ اللهَ تَعالَى حَفِظ السَّماءَ وقْتَ بَعثَةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - وصارَتِ الشَّياطِينُ إذا حاولَت الاستِماعَ أرْسَلَ اللهُ تعالى عليها شهابًا يحرقُها وتهلِكُ.
وهَل بَقِي هَذا الحِفْظُ بعْد موْتِ الرَّسُولِ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أو لا؟
الجَوابُ أنْ يُقالَ: اللهُ أعْلَمُ، وَلا نَدرِي، لكِنَّها حُفِظتْ في عَهْدِ النُّبوَّةِ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، أمَّا الآنَ فاللهُ أعْلَمُ فقَدْ يَكونُ ذلِك وقَد لا يَكونُ؛ لأنَّه ليْس هُناك نبِيٌّ حتَّى يَختَلِطَ المَسمُوعُ المُستَرَقُ بالوَحْيِ الصَّحِيحِ.
[ ٨٣ ]
وقَولُه تَعالَى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المُشارُ إلَيْه ما سَبَق مِن قَولِه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ إلى آخره؛ قَولُه: ﴿تَقْدِيرُ﴾ أيْ مُقدَّرٌ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، أو ﴿تَقْدِيرُ﴾ مَصدَرٌ على بابِه، وَيكونُ المُشارُ إلَيْه فِعْلُ اللهِ لهَذا الشَّيْءِ، فعِندَنا الآن كَلِمةُ ﴿تَقْدِيرُ﴾ مَصْدَرٌ، يَجُوزُ أنْ تَكونَ بمَعنَى اسْمِ المَفعُولِ، ويَكونُ المَعنَى: ذلِك مُقدَّرُ العَزِيزِ، ويجوزُ أنْ تَكونَ مَصْدرًا وهُو فِعْلُ اللهِ ﷿ ويَكونُ هَذا أيْضًّا مَعنًى صَحيحًا وكِلاهما مُتلازِمان؛ لِأنَّه إذا كان هَذا الشَّيْءَ مُقدَّرُ اللهِ فَهُو مِن تَقدِيرِه يَعنِي ناتِجٌ عَن تَقدِيرِه.
فقَولُه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الَّذي قَدَّره ﴿الْعَزِيزِ﴾ ﷿ ﴿الْعَلِيمِ﴾، و﴿الْعَزِيزِ﴾ هُنا مُناسَبَتُها، أنَّ المَسْأَلةَ تَحتاجُ إلَى عِزَّةٍ وقُوَّةٍ.
والعِزَّةُ؛ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه] يَعنِي الَّذي لَه العِزَّةُ التَّامَّةُ في مُلْكه، وفِيه شَيْء مِن القُصُورِ، فلَم يُبيِّن لنا ما هِي العِزَّةُ، والعِزَّةُ قال العُلَماءُ ﵏: إنَّها تَنْقسِمُ إلَى ثَلاثَةٍ أقْسامٍ: عِزَّةُ القَدْرِ، وعِزَّةُ القَهْرِ، وعِزَّة الِامْتِناعِ؛ ثَلاثَة مَعانٍ.
١ - أمَّا عِزَّةُ القَدْرِ فمَعناها الشَّرفُ، يَعنِي: أَنَّه ذُو قَدْرٍ عَظيمٍ بالِغِ العِظَمِ.
٢ - وعِزّةُ القَهْرِ يَعنِي: أَنَّه قاهِرٌ ولا يُغلَبُ.
٣ - وعِزَّةُ الِامْتِناعِ؛ أيْ يَمتَنِعَ أنْ ينالَه سُوءٌ جَلَّ وَعَلَا بأيّ حالٍ مِن الأحْوالِ.
ولِمُلاحَظةِ هَذا المَعنَى الثَّالِثِ نَقولُ: إنَّه مُشتَقٌّ مِن قَولِه: أرْضٌ عَزازٌ، عَزازٌ يَعنِي: قَوِيَّةٌ صُلْبَةٌ، ونَحْن نُسمِّيها باللُّغَةِ العامِّيَّةِ: "الأرْض عزا"، يَعنِي: صُلْبَةٌ لَيْسَت لَيِّنةً كالرَّمْلِ والرَّوْضِ، ولكِنَّها صُلْبةٌ.
أمَّا ﴿الْعَلِيمِ﴾ فهِي صِفَةٌ مُشَبَّهةٌ، ويجوزُ أنْ تَكونَ مِن بابِ المُبالَغةِ؛ لِأنَّ فَعِيلٌ
[ ٨٤ ]
يَصِحُّ أنْ تَكونَ صِفَةً مُشبَّهةً، ويَصِحُّ أنْ تَكونَ صِيغَةَ مُبالَغةٍ، ومَعناها ذُو العِلْمِ، فهُو ذُو العِلمِ، وعِلْمُ اللهِ ﵎ واسِعٌ؛ قال اللهُ تَعالَى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، فعِلْمُه تَعالَى واسِعٌ شامِلٌ لكُلِّ شَيْءٍ، يَعلَمُ ما كان فَلا يَنْساهُ، وَيعلَمُ ما يَكون فَلا يَجْهلُه، وَيعْلم مَا لم يَكُن لو كانَ كيفَ كانَ يكُونُ، يَعنِي لَيس يَعلَمُ أنَّ هَذا الشَّيءَ يَقَعُ فقَطْ، بلْ يَعلَمُ أَنَّه يَقَعُ ومَتَى يَقَعُ وكَيف يَقَعُ وأينَ يَقَعُ، مِن كلِّ جِهَةٍ.
وقَد فصَّل اللهُ تَعالَى دَقائِقَ العِلْمِ في قَولِه تَعالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وعِلْمُنا بأنَّه عَلِيمٌ يَستَوجِبُ مِنَ النَّاحِيةِ المَسلَكِيَّةِ بالنِّسبَةِ للْعَبدِ: أَنَّه إذا علِم أنَّ اللهَ بكُلِّ شَيْءٍ علِيم: أنْ يَخافَ اللهَ - ﷿ - وأنْ يَقومَ بِطاعَتِه وأنْ يَدَعَ مَعصِيَتَه؛ لأنَّه يعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالَى عالِمٌ بِه، حتَّى وإنْ خَفِيتَ على النَّاسِ؛ فإنَّك لَن تَخفَى على اللهِ، بَلْ إنَّ اللهَ يَعلَمُ مِنْ نَفْسِك ما لا تَعْلمُه أنْت، فأَنْت تَعْلَم مِن نَفسِك ما يُمكِنُ أنْ تُحِيطَ به، لكِنَّ اللهَ يَعلَمُ مِن نَفسِك ما لا تُحِيط بِه، فيَعلَم مُستَقبَلَك ومَآلَك وحالَك وأنْت لا تَعلَمُ، وهَذا يُوجِبُ لِلعَبدِ المُؤمِنِ بذلِك: أنْ يَخافَ ربَّه في السِّرِّ والعَلَنِ، حتَّى لَو كُنْت بِحُجرَةٍ مُظلِمةٍ لَيس عِندَك أحَدٌ، وأرَدْتَ أنْ تُغضِبَ اللهَ، فاعلَم أنَّ اللهَ تَعالَى يَراك.