* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
* * *
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عِندَ قِراءَةِ النَّبيِّ - ﷺ -، يعني: للقُرآنِ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ يعني: أنَّ بَعضَهم يوصي بَعضًا يَقولُ: لا تَسْمَعوا لهذا القُرآنِ، أي: لا تُنْصِتوا له ولا تَستَمِعوا إليه، وابتَعِدوا عنه؛ وذلك لأنَّ القُرآنَ يُؤثِّرُ في قَلبِ مَنْ يَسمعُه، حتَّى إنَّ بَعضَ المُشرِكينَ مِن كُبَرائِهم يَأتونَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - يَستَمِعون قِراءَتَه اختِفاءً في اللَّيلِ لئلَّا يَطَّلِع عليهم؛ لأنَّهم يَسمَعون قَولًا يَسلُبُ العُقولَ ويَأخُذُ بالنُّفوسِ، فهُم يوصي بَعضُهم بعضًا يَقولُ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾.
و﴿الْقُرْآنِ﴾ هو كَلامُ اللهِ وهو على وَزنِ فَعلانَ، وفَعْلانُ مَصدَرٌ كالغُفْرانِ والشُّكرانِ.
وهل هو مِنْ قَرَأَ أو مِن قَرَى أو منهما جَميعًا؟ نَقولُ: هو صالِحٌ للجَميعِ، فإنْ كان مِن (قَرَأَ) فهو مِنَ القِراءةِ وهي التِّلاوَةُ، وإن كان مِنْ (قَرَى) يَقري بمعنى جَمَعَ، ومنه القَرْيَةُ لأنَّها تَجمَعُ أقوامًا، فالقُرآنُ جامِعٌ.
ثُمَّ هل هو فاعِلٌ أو مَفعولٌ؟ نَقولُ: إذا كان مِنْ (قَرَأَ) فهو مَفعولٌ؛ لأنَّه قُرآنٌ مَقروءٌ، فهو مَصدرٌ بمعنى مَفعولٍ، وإن كان مِن (قَرَى) فهو بمَعنى فاعِلٍ وبمعنى
[ ١٤٤ ]
مَفعولٍ؛ أي: إِنَّه مُشتَرِكٌ بين فاعِلٍ ومَفعولٍ، فهو جامِعٌ وهو مَجموعٌ؛ لأنَّه يُكتَبُ وتُجمَعُ حُروفُه بَعضُها إلى بَعضٍ، والمُرادُ به ما نَزَلَ على محُمَّدٍ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم-.
﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ﴿لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، المُرادُ بالإِشارَةِ هنا التَّحقيرُ يعني: هذا لا يُساوي شيئًا لا تَسمَعوا إليه، ويُشْبِهُ هذا مِن بَعضِ الوُجوهِ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] احتِقارٌ، يعني: أهذا الَّذي يَسُبُّها مَنْ هو، ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، وهذا للاحتِقارِ لكنَّه مُستَفادٌ مِنْ الاستِفهامِ. أمَّا هُنا فهو مُستَفادٌ مِنَ الإِشارَةِ الدَّالَّةِ على التَّحقيرِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ائتوا باللَّغَطِ ونَحْوِه وصيحوا في زَمَنِ قِراءتِه].
﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ يعني: عِندَما تَسمَعون رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَقرأُ صَوِّتوا وتَصايَحوا؛ لأَجْلِ أن تَخْلِطوا عليه قِراءَتَه وتَحولوا بينَهُ وبين السَّماعِ.
يَعني: فَهُمْ يَفْعَلون ذلك لأَمْرينِ:
الأَوَّلُ: التَّخليطُ على النَّبيِّ - ﷺ - في قِراءتِهِ.
والثَّاني: ألَّا يَسمَعَ أحدٌ قِراءتَه من أَجْلِ الضَّوضاءِ واللَّغَطِ.
﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٢٦] (لعلَّ) للتَّعليلِ، وتَأتي لِلإشفاقِ، وللتَّرَجِّي، وللتَّمَنِّي. كُلُّ هذه المَعانِي تَختَلِفُ بِحَسَبِ السِّياقِ؛ لأنَّ السِّياقَ هو الَّذي يُعَيِّنُ مَعاني الكَلِماتِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فيَسكُتُ عنِ القِراءةِ]؛ لأنَّه إذا سَمِعَ
[ ١٤٥ ]
الأصواتَ والضَّجَّةَ والضَّوضاءَ واختَلَطَت عليه قِراءَتُهُ، فإنَّه لا يَرى فائدَةً مِنَ القِراءَةِ، وحينَئذٍ يَسكُتُ هذا ما يَفعَلُه هَؤلاءِ المُشركونَ.
فإِنْ قال قائلٌ: إنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ يَشغَلونَ القُرآنَ في المَنازِلِ والمَتاجِرِ، ولم يَعتادوا اللَّغَطَ والسَّبَّ والشَّتمَ، لكن رُبَّما حَدَّثوا أَحاديثَ جانِبيَّةً كأن يَكونَ في المَطبَخِ مثلًا أو ما أشبه ذلك.
ثُمَّ إنَّ القُرآنَ على إِذاعَةِ القُرآنِ الَّتي يَأتي مَرَّةً حَديثٌ ومرةً قرآنٌ، وهم يُحبُّون القُرآنَ وَيأنَسونَ به ويَستفيدونَ فوائِدَ كَثيرةً، وَيقولون: إذا لم نُشَغِّلِ القُرآنَ تَأتي هَواجِسُ؟
فالجَوابُ: المَحظورُ اللَّغو فقط، أمَّا إن كانوا لا يَنْتَبِهون أحيانًا فإنَّ الإنسانَ الَّذي يَقرأُ والمُصحَفُ بين يديه أحيانًا يَقْرَأُ بفَمِه وقَلْبِه ليس بِقارِئٍ، فالمَحظورُ مثلًا أنَّ ناسًا مَشغُولونَ بدُنياهم والقُرآنُ يُقْرَأُ، أمَّا مثلًا امْرأةٌ تطْبُخُ أو تَغسِلُ ثِيابَها وتَستَمِعُ لِلقُرآنِ، فهذا لا يوجِبُ التَّلَهِّي عنه.
فإِنْ قال قائِلٌ: ما حُكْمُ مَن يُشَغِّلُ القُرآنَ في المُسَجِّلِ ويُرَدِّدُ معه للتَّحَفُّظِ وتَحسينِ النُّطْقِ؟
فالجَوابُ: لا بَأسَ به، ليس هناك مانِعٌ.
فإِنْ قال قائِلٌ: بالنِّسبَةِ لمَنْ يَقرأُ القُرآنَ في غَيرِ الصَّلاةِ، هل يَجِبُ الاستِماعُ إليه أم لا؟
فالجَوابُ: لا، الصَّحيحُ لا يَجِبُ الاستِماعُ، لكن لا يَجوزُ اللَّغَطُ، ولهذا قال الإِمامُ أَحْمَدُ في قولِهِ تَعالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[ ١٤٦ ]
[الأعراف: ٢٠٤] قال: أَجْمَعوا على أنَّ هذه في الصَّلاةِ، أمَّا غَيرُ الصَّلاةِ فلا يَجِبُ أن نَستَمِعَ، لأنَّنا لو قُلنا بِوجوبِ الِاستِماعِ لقُلنا: إذا شَرَعَ قَارئٌ يَقرَأُ وأنت إلى جَنْبِه حَرُمَ عليك أن تَقومَ؛ لِوجوبِ الِاستِماعِ، وهذا ما أَظُنُّ أحدًا مِنَ العُلماءِ يَقولُ به، المَمنوعُ اللَّغو واللَّغَطُ.