* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾ [فصلت: ٤٩].
* * *
﴿لَا يَسْأَمُ﴾ يَعني: لا يَمَلُّ فَهو دائمًا يَسألُ الخيرَ مِنَ المالِ والغِنى وَالجاهِ وغَيْرِ ذَلكَ.
و﴿الْإِنْسَانُ﴾ هُنا يَحتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الكافرَ ويَحتملُ أَنْ يُرادَ بِه الجِنسُ أَيْ: جِنسُ الإِنسانِ سَواءً كان مُؤمنًا أم كافرًا، ثُمَّ تَنْزلُ الأحوالُ على ما يَليقُ بِها.
﴿دُعَاءِ﴾ مُضافٌ وَ﴿الْخَيْرِ﴾ مُضافٌ إِليهِ مِن بابِ إِضافةِ المَصدرِ إِلَى مَفعولِهِ، وهو أيضًا -أَعنِي الخَيرَ- مَفعولٌ لِدُعاء، وَالمَدعوُّ هو اللهُ ﷿ فعِندنا داعٍ ومَدعوٌّ ومَدعوٌّ به أي: مَطْلوبٌ، فالدَّاعي الإِنسانُ، والمدعوُّ اللهُ، والمَدعوُّ بِه الخيرُ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [أَيْ: لَا يَزالُ يَسألُ رَبَّه المالَ وَالصِّحَّةَ وغَيرَهما] مِنَ البَنينَ وَالزَّوجاتِ وَالجاهِ وَالشَّرَفِ، وغَيرِ ذَلكَ مِمَّا يَدعوه الإِنسانُ رَغبةً به.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الفقرُ وَالشِّدَّةُ]، وتَخصيصُ الشَّرِّ بِالفَقرِ وَالشِّدَّة ليس على سَبيلِ الحَصْرِ، بَلْ هو على سبيلِ المِثالِ؛ لِأنَّه يَشمَلُ الفَقْرَ والشِّدَّةَ وفَقْدَ الأولادِ، وفَقْدَ الجاهِ، وَالإيذاءَ مِنَ الخَلْقِ وأَشياءَ كَثيرَةً، فتَخصيصُ المفسِّر ذَلكَ بِالفَقْرِ وَالشِّدَّةِ مِن بابِ التَّمثيلِ.
[ ٣٠٣ ]
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ الفاءُ رابطةٌ لجِوابٍ وَهو (إن) و﴿فَيَئُوسٌ﴾ خَبرٌ لِمُبتدإٍ مَحذوفٍ، أي: فَهو يَؤوسٌ قَنوطٌ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [مِنْ رَحمةِ اللهِ وهَذا وما بَعدَه في الكافرينَ].
﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ هُناكَ فَرقٌ بين اليَأسِ والقُنوطِ، اليَأْسُ هو زَوالُ الرَّجاءِ بِحَيْثُ يَنقطعُ رجاءُ الإنسانِ، وَالقُنوطُ أَشَدُّ اليأسِ، وعَلَى هَذا فَيكونُ قَولُه: ﴿فَيَئُوسٌ﴾ هَذا ابْتداءُ القُنوطِ، وَ﴿قَنُوطٌ﴾ هَذا نِهايتُه.
وَقولُه: ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ أَعْرَبْنا ﴿فَيَئُوسٌ﴾ خَبرُ مبتدأٍ محَذوفٍ، وأَمَّا ﴿قَنُوطٌ﴾ فَنُعربُه عَلى أَنَّه خَبرٌ ثانٍ، وتَعدُّد الأخبارِ جائزٌ، واقعٌ في اللُّغةِ العربيَّةِ وَواقعٌ في القُرآنِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] كُلُّ هذه أَخبارٌ مُتعدِّدةٌ وَلا يَصِحُّ أَنْ يَكونَ الثَّاني وَصفًا لِلْأوَّل لأنَّها كُلَّها تَعودُ عَلى مَوصوفٍ واحدٍ. وَعليه فَنَقولُ: ﴿قَنُوطٌ﴾ خَبرٌ ثانٍ لِلمُبتدإِ المحذوفِ، وَلا يَصحُّ أَن يَكونَ نَعتًا لِيَؤوسٍ؛ لأنَّ يَؤوسًا نَفْسَها نَعتٌ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [وَهذا وَما بَعده في الكافرينَ] هَذا المُشارُ إِليه اليأسُ وَالقُنوطُ، وما بَعدَه سَيُذكَرُ في الكافرينَ، وإنَّما قالَ المفسِّر ذَلكَ؛ لأنَّ المُؤمنَ لا يَيأَسُ ولا يَقنَطُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، وَقال تَعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦]، فَلا يُمكنُ لِلمُؤمنِ أَنْ يَيأسَ، وعَلى هَذا فَيكونُ هَذا الوصفُ لِلكافرينَ.