* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ [فصلت: ٥٢].
* * *
ثم قالَ اللهُ ﵎: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [كَما قالَ النَّبيُّ - صلَّى الله عَليه وعلى آله وسلَّم-]: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢].
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمَعنَي أَخبِروني، وقَولُه: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يَعني: القُرآنَ: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ﴾ وأَنكرتُم أن يَكونَ من عند اللهِ: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أَصلُ الجُملةِ مَن أَضَلُّ مِنكُم أَرأيتُم إِن كانَ مِن عندِ اللهِ وتَبَيَّن لَكُم أَنَّه مِن عندِ اللهِ: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الأصلُ لا أَحَدَ أَضَلُّ مِنكُم ولَكنَّه أُظهِرُ في مَوضعِ الإضمارِ، وذَكَرنا أَنَّ لِلإظهارِ في موضِعِ الإضمارِ فَوائدَ مِنها:
أولًا: تَنبيهُ المُخاطَبِ.
ثانيًا: بَيانُ الصِّفةِ الَّتي استحقَّ بِها صاحبُ الضَّميرِ هذا الوَصفَ.
ثالثًا: بَيانُ العُمومِ.
رابعًا: مُراعاةُ فَواصلِ الآياتِ.
[ ٣٢٤ ]
وقَولُه: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: القرآن] وتَبَيَّن لَكم ذَلكَ واتَّضحَ، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أَتَي بـ "ثُمَّ" الدَّالَّةِ علَي التَّرتيبِ والتَّراخي إِشارةً إلي أَنَّ هَؤلاءِ أَنكروا وكَفَروا بَعدَ التَّروِّي وبَعدَ المُدَّة الَّتي يُؤمنُ بِها مَن أَرادَ الإيمانَ.
وقَولُه: ﴿بِهِ﴾ الضَّميرُ يَعودُ عَلى القُرآنِ ويَجوزُ أَن يَكونَ عائدًا إلي الرَّسولِ - صَلَّى اللهُ عليه وعَلى آلِه وسَلَّم-؛ لِأنَّه هو الَّذي نَزَلَ عليه القُرآنُ.
﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: لا أحد ﴿أَضَلُّ﴾]، إِشارةٌ إلي أنَّ الِاستفهامَ هُنا بمَعنَي النَّفيِ، واعلَم أَنَّ الِاستفهامَ يَأتي بِمعنَي النَّفيِ كَثيرًا وَإِتيانُه في مَوضعِ النَّفيِ أَعظمُ مِنَ النَّفيِ؛ لِأنَّه إذا أَتَي الِاستفهامُ في مَوضعِ النَّفيِ صارَ مُشربًا مَعنَي التَّحدِّي كَأنَّه قالَ: أَروني أحدًا أَضَلَّ، وهذا لا شكَّ أَنَّه مُشتَمِلٌ علي النَّفيِ وعلى التَّحدِّي.
وقال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿مَنْ﴾ مُبتدأٌ اسمُ استِفهامٌ وَ﴿أَضَلُّ﴾ خَبرُهُ، ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ أي: مَنِ الَّذي هو في ﴿شِقَاقٍ﴾، يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [خلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾] بَل شِقاقٍ أَخَصُّ مِنَ الخِلافِ؛ لِأنَّه قَد يُخالِفُك ولا يُشاقُّك ولَكِنَّ هَؤلاءِ خالَفوا وشاقُّوا.
وقولُه: ﴿بَعِيدٍ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحقِّ أَوقعَ هَذا مَوقِعَ منكم بَيانًا لحِالهِم]، يُريدُ أَوقعَ: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوقِعَ مِنكُم؛ أي: مَوقِعَ الضَّميرِ، فَهو إِظهارٌ في مَوضعِ الإِضمارِ لِبيانِ حالهِم؛ أَي: بَيانُ أَنَّهم هُم أَضلُّ من كُلِّ أَحدٍ وأنَّ حالَهم الشِّقاقُ البَعيدُ فَفيهِ إِظهارٌ في مَوضِعِ الإِضمارِ.
[ ٣٢٥ ]