* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩].
* * *
ثمَّ قال تَعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ قُل: أيْ يا محُمَّدُ لهِؤُلاءِ المُكذَّبين: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ * * *
﴾.
وقولُه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ الجُملَةُ هذِه استِفْهامٌ، بِمعنَى التَّقريرِ، يَعني: إنَّكم لتكفُرون، و"إنَّ" للتَّوكِيدِ، و﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ للتَّوكِيدِ أيضًا؛ وذلِك لأنَّ اللَّامَ الواقِعَةَ في خبَرِ "إنَّ" أو اسْمَها المُؤخَّرَ تَكُون للتَّوكِيدِ؛ ف "إنَّ" تنْصِبُ المُبتَدأَ وتَرْفَعُ الْخَبرَ، والكافُ اسْمُها، وجُملَةُ ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ خبَرُها.
أمَّا مِن حَيثُ الْقِراءاتِ فتقولُ المُفَسِّر: [بتَحقِيقِ الهَمْزةِ الثَّانيَةِ وتسهِيلِها] تَحقِيقُها أنْ تقولَ: "أإِنَّكُمْ"، وتَسهيلُها أنْ تقُولَ: "أاِنَّكم" فتمُرَّ بها بسُرعَةٍ، [وإدْخال ألِف بينَهما بوَجهَيها وبيْن الأُولى]، والوجْهان هُما التَّحقِيق والتَّسهِيل، فأدْخَل أَلِفَيْنِ بينَهُما على القِراءتَين، فتكونُ القِراءاتُ أرْبَعًا: إدْخال الألِفِ تَقُول: "آإنَّكم" هذا في التَّحقيقِ، "آاِنكم" هذا بالتسهيل.
إذَن: تَحقيقٌ وتَسهِيلٌ بألِف، وبدُونِها: اثْنتان في اثنَتيْن: بأرْبَعِ قِراءاتٍ.
[ ٥٥ ]
مَسْألةٌ: قِيلَ في قَولِه تَعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾: إنَّهم يَقرَؤُونها: "أهِنَّكُم"؛ فَإذا ثَبتتِ القِراءةُ بالهاءِ، فَهذا يُعتَبرُ إبْدالًا ولَيس بِتَسهِيل، إبْدال الهَمزَةِ هاءً.
فإنْ قِيلَ: بعضُ النَّاسِ يَنطِقون التَّسْهيلَ كأنَّه هاءٌ!
فالجَوابُ: بعضُ النَّاسِ يتَشدَّدُ في التَّسهيلِ حتَّى تَكونَ هاءً، وربَّما يتَشدَّدُ آخَرُ حتَّى تَكونَ حاءً حقِيقةً؛ لأنَّ بعضَ النَّاس -الله يهدِينا وإيَّاهم- يَفعَلُ هذا عِندَ القِراءَةِ وقَد أنكَر هَذا شَيخُ الإسْلامِ ﵀ في (فتاواه) (^١) وغيْرِها هَذا التَّشدُّدَ في تَحقِيقِ بعْضِ القِراءاتِ، فبَعْضُ النَّاسِ -مثَلًا في القَلقَلةِ-: يُقلْقِلُ كأَنَّه يُقلْقِلُ حصاةً أو حَجرًا؛ يَعني يُؤكِّدُ على الحَرفِ كَثيرًا.
والحَقيقَةُ: أنَّ التَّنطُّعَ ليسَ بحَسَنٍ، والإهْمال ليس بحَسَنٍ، وخَيرُ الأمُورِ الوَسَطُ.
وقولُه تَعالى: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ تَكْفُرون به؛ أي: تَجحَدونَه وتَستكبِرون عن عِبادَتِه؛ لأنَّ الكُفرَ كلَّه يدُورُ على شَيئَينِ: إمَّا جَحدٌ، وإمَّا استِكبارٌ، فمَثلًا الشَّيطانُ إنَّما كفَرَ بالاستِكبارِ، وإلَّا فهُو مُقِرٌّ باللهِ وبعِزَّةِ الله وبقُدرَةِ اللهِ، لكِنه استكبَرَ، وآلُ فِرعَونَ ومَن شابَهَهم كَفروا بالجُحودِ، فمَدارُ الكُفرِ كلِّه على هَذين الأمْرَين: الجَحدِ أو الاسْتِكبارِ، فقَوله: ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ يَشمَلُ المعنيَيْن؛ لأنَّهم جَحدوا تَوحِيدَ اللهِ ﷿ واستكبَروا عَن عِبادَتِه.
وقال تَعالى: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ولم يَقُلْ: بالله، بلْ أَتَى بفِعلٍ مِن أفعالِه جَلَّ وَعَلَا بفِعْل لا تَقدِرُ علَيه هَذه الأصْنامُ، والإتْيانُ بالفِعلِ الَّذي لا تَقدِرُ علَيه الأصْنامُ،
_________________
(١) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، والآداب الشرعية (٢/ ٣١١، ٣١٥).
[ ٥٦ ]
هُو إقامةٌ للحُجَّةِ في نفْسِ الوَقتِ؛ أي: تَكفُرون بِهذا مَع أنَّ أصْنامَكم لا تَفْعَلُه.
وقولُه: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المُفسِّرُ: [الأحَد والاثنين]؛ لأنَّ أوَّلَ يومٍ ابتَدأ فيه اللهُ الخَلْقَ الأحَدُ.
وقولُه: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الواوُ حرْفُ عطْفٍ، و"تَجعَلُون" مَعطُوفةٌ على "تَكفُرون"، لا على الصِّلةِ يَعني: لا على "خَلَقَ".
وقولُه: [﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ شركاء]، أنْدادًا جَمْع نِدٍّ، والنِدُّ في الأصْلِ هُو المُساوي والمُماثِلُ، يُقالُ: هَذا نِدُّ هَذا؛ أيْ: مُماثِلٌ له ونَظِيرٌ له، والمُرادُ بِهم هُنا: الشُّركاءُ الَّذِين يعبُدُونهم كما يَعبُدون اللهَ، والعَجَبُ أنَّ هؤُلاء المُشرِكين مِن سَفَهِهم يَقولون: إنَّما نعْبُدُهم لِيُقرِّبونا إلَى اللهِ، تَعْبدُونهم مَع اللهِ وتَقُولون: يُقرِّبونا إلَى الله؟ ! إنَّ الله غنِيٌّ عنْ هذا، وهَذا لا يَزيدُكم مِن الله إلَّا بُعدًا.
وقولُه تَعالَى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ذلِك، أَتَى باسِم الإشارة دُون الضَّمِير، ثمَّ جعَلَها إشارةَ بُعدٍ للتَّعْظيمِ والتَّفخيمِ والتَّعلِيةِ، لأنَّ البُعدَ هُنا إشارةٌ إلَى المَكانِ العالي ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ولَو قال: "هُو ربُّ العالمَين" استَقام الكَلامُ، لكِن لمْ يَحصُل ما تدلُّ علَيْه الإشارةُ مِنَ التَّعظيمِ، ثمَّ ما يدُلُّ علَيْه صِيغَةُ البُعدِ منَ العُلُوِّ. ونظِيرُ ذلِك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ولمْ يَقُلْ: "هوَ الكِتابُ"، ولا: "هَذا الكِتابُ"، إشارةً إلَى ما ذكَرنا.
قولُه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال المُفسِّرُ: [مالِك] وفِي هَذا التَّفسير قُصورٌ، بلْ نقُولُ: خالِقٌ ومالِكٌ ومدبِّر؛ لأنَّ الرُّبوبيَّةَ هِي الجلْقُ والمُلكُ والتَّدبِيرُ، فإذا قُلنا: مالِكٌ، صار في هذا قُصُورٌ، فقَولُه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالِقُهم ومالِكُهم ومدبِّرُ أمُورِهم.
[ ٥٧ ]
وقولُه: [﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ جمع عالَم وهُو ما سِوى اللهِ] ﷿ فكلُّ ما سِوى اللهِ فهُو عالَم، وسمِّي عالمًا، لأنَّه عَلَم على خالِقِه جَلَّ وَعَلَا، فإنَّ كلَّ شيْء فِيه آيَةٌ تدلُّ على وَحْدانيَّة الله وقُدرَتِه وحِكمَتِه وعِزَّتِه، وغيرِ ذلِك.
قال ﵀: [وجمَعَ لاختِلافِ أنْواعِه] يَعنِي: لمْ يَقُلْ: العالَم، بلِ أَتَى بالعالمَين [بالياءِ والنُّونِ تغْلِيبًا لِلعُقلاءِ]، فإنْ قال قائِلٌ: هلِ العُقَلاءُ أكثَرُ أو غيرُ العُقلاءِ؟
فالجَوابُ: إنْ قِيلَ: إنَّ العُقَلاءَ أكثَر، فيُحتاجُ إلَى دلِيلٍ، ورُبَّما يَكونُ دلِيلُه أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما مِن مَوضِعِ أربَع أصابِعَ مِنها إلَّا وفِيه مَلَكٌ قائِمٌ للهِ أو راكعٌ أو ساجِدٌ" (^١)، والسَّماءُ واسِعةٌ عظِيمةٌ، كلّ سماءٍ أوسَعُ ممَّا تحْتَها، فمَن يُحصي هؤُلاء! هَذا شيْءٌ عظِيم، والبَيْت المَعمُور في السَّماء السَّابِعةِ يدْخُلُه كلُّ يومٍ منَ المَلائِكةِ سبعُون ألْف مَلكٍ لا يعُودُون إلَيه، فمَن يُحصِي الأَيَّامَ، كُلُّ يَومٍ يُضرَبُ في سَبعِين ألفِ مَلَكٍ! فإذا رأَينا هَذا قُلْنا: العُقلاءُ أكثَرُ.
وإنْ نظَرْنا إلى ما في الأرْضِ قُلنا: غيرُ العُقَلاءِ أكثر، فعلى هَذا التَّقدِيرِ - أنَّ المرادَ مثلًا من في الأرضِ - نقولُ: إنه غلَّبَ العُقلاءَ لشرَفِهم، والحاصِلُ: أنَّ تغلِيبَ العُقلاءِ إنْ كانَ العُقلاءُ أكثَرُ فغُلِّبوا لِكَثرَتِهم، وإنْ قُلنا: غيرُ العُقلاءِ أكثرُ، فغُلِّبَ العُقلاءُ، يُغلَّبُ مَن لَيْس بمُمَيِّزٍ لِشرَفِهم.