الْفَائِدَة الأُولَى: إِثباتُ حَقيقَةِ النَّارِ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثباتُ أعداءٍ لله كما أنَّ له أَولياءَ، وعَدُوُّ اللهِ ﷿ مَن كان كافِرًا فاجِرًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ أهلَ النَّارِ والعياذُ باللهِ يُساقونَ إلى النَّارِ أَوْزاعًا؛ أي مُتَفَرِّقينَ أُممًا؛ لقولِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثباتُ حَقيقَةِ النَّارِ وأنَّ هؤلاءِ يَصِلونَ إليها حَقيقَةً؛ لقولِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: دُخولُ التَّوكيدِ في كَلامِ اللهِ ﷿؛ لقولِه: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ لأَنَّنا قلنا: (ما) زائدَةٌ لكنَّها للتَّوكيدِ، فإن قال قائِلٌ: كَلامُ اللهِ ﷿ مُؤكَّدٌ بدونِ أداةِ
[ ١٢٨ ]
تَوكيدٍ، فما الفائدَةُ مِن أنَّ اللهَ تعالَى يأتي كَثيرًا في كلامِه بأدواتِ التَّوكيدِ؟
فالجَوابُ: القُرآنُ لا شكَّ أنَّه مؤكَّدٌ، وأنَّ أخبارَه لا تحتاجُ إلى توكيدٍ، لكنَّ القُرآنَ نَزَلَ بلسانٍ عَربيٍّ مُبينٍ واللِّسانُ العَربيُّ يَقتضي أن يَكونَ الكَلامُ الهامُّ مُؤكَّدًا بأنواعٍ مِنَ التَّأكيداتِ؛ إذن تَأكيدُ ما يُؤَكَّدُ في القُرآنِ دَليلٌ على بُلوغِ القُرآنِ الفَصاحَةُ في أَعلى مَعانيها؛ لأنَّه مُتَمشٍّ على قواعِدَ اللُّغةِ العَربيَّةِ الفُصحى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إِثباتُ النُّطقِ للسَّمعِ والبَصَرِ والجُلودِ؛ لقولِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾ والشَّهادَةُ تَكونُ بالنُّطقِ، وقد تَكونُ بغَيْرِ النُّطقِ، ولكنَّها في الأَصْلِ بالنُّطقِ، ولذلك قالوا لجُلودِهِمْ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ أعضاءَ الْإِنسانِ تَكونُ يومَ القيامَةِ خُصومًا لَهُ، وَجهُ ذلك أنَّ هؤلاءِ أَنكَروا على سَمْعِهم وأَبصارِهم وجُلودِهم أن شَهِدوا عليهم.
وما ظنُّك بأعضاءٍ تَكونُ يومَ القيامَةِ خُصومًا لك؛ فيَتَفَرَّعُ على هذه الفائدَةِ أنَّ الواجِبَ على الإنسانِ أنْ يَرعى هذه الأعضاءَ حَقَّ رِعايتِها، وأَلَّا يُورِّطَها فيما تَكونُ خَصمًا له به يَومَ القيامَةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأعضاءَ مُنْفرِدةٌ تَعرِفُ رَبَّها ﷿؛ لقولهِا: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عُمومُ قُدرَةِ اللهِ تعالى؛ لقَولهِا: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ ابتِداءَ الخَلْقِ مِنَ اللهِ لم يُشْرِكْ أحدٌ رَبَّ العالمَينَ في الخَلْقِ لا أُمٌّ ولا أَبٌ ولا سُلطانٌ ولا رَئيسٌ ولا وَزيرٌ، المُنْفَرِدُ بالخَلْقِ هو اللهُ ﷿.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جَوازُ استعمالِ الأدِلَّةِ العَقليَّةِ، يُؤخَذُ مِن استِدلالِ اللهِ
[ ١٢٩ ]
تَعالى بالمَبْدَأِ على المَعادِ، فَإنَّ هذا دَليلٌ عَقليٌّ.
فإن قال قائلٌ: وهل تُقدَّمُ الأدِلَّةُ العَقليَّةُ على الأدِلَّةِ السَّمعيَّةِ؟
فالجَوابُ: لا؛ لأنَّ العَقلَ قد يُخطِئ، فيَظنُّ الإنسانُ أنَّ هذا عَقلٌ وليس بعَقْلٍ، وأمَّا الأدِلَّةُ السَّمعيَّةُ الثَّابتَةُ عن اللهِ ورَسولِه فهذه لا تُخطِئُ، ولهذا أَخْطَأَ مَن استَعْمَلَ العَقلَ، بل قَدَّمَه على السَّمعِ والنَّقلِ فيما يَتَعلَّقُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وحَكَموا بعُقولِهم القاصِرَةِ على أُمورِ الغَيبِ استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأَعْرَضوا عن نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ومن هؤلاء جَميعُ المُتكلِّمينَ مِنَ الأشاعِرَةِ والمُعتزِلَةِ والجهمِيَّةِ وغيرِهم؛ حيثُ جَعَلوا التَّلَقِّي فيما يَتَعلَّقُ بأسماءِ اللهِ وصِفاتِه على الاعتِمادِ على العَقْلِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ الرُّجوعِ إلى اللهِ ﷿، فاستَعِدَّ لهذا الرُّجوعِ واعْلَمْ أنَّك مُلاقٍ ربَّك، ولكن أَبْشِرْ إن كنتَ مُؤمنًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] يعني لا يَخافُ المُؤمنُ من هذه المُلاقاةِ، بل له البِشارَةُ في الدُّنيا قَبْلَ الآخِرَةِ، لكنَّ حَقيقَةَ هذه البِشارَةِ لِلْمُؤمنِ خَاصَّةٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ هؤلاءِ المُجرِمينَ لا يُؤمنونَ بالبَعثِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تمَامُ قُدرَةِ اللهِ ﷿ وأنَّه قادرٌ على إنطاقِ كُلِّ شيءٍ حيثُ أَنطَقَ السَّمعَ والأبصارَ والجُلودَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ هؤلاءِ المُجرِمينَ يَظنُّون أنَّ الله لا يَعلَمُ كَثيرًا مِمَّا يَعمَلونَ، وهو الَّذي يُخفونَه، فلهذا كانوا يُخفونَ عن اللهِ ﷿ ما يَقَعونَ فيه مِنَ الكُفْرِ.
[ ١٣٠ ]
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مثلَ هذا الظَّنِّ سببٌ لهَلاكِ المَرْءِ -أن يَظُنَّ أنَّه لن يُبْعَثَ- بل هو هَلاكُه حَقيقَةً؛ لأنَّ الَّذي يُنكِرُ البَعثَ كافِرٌ، والكافِرُ لا حظَّ له لا في الدُّنيا ولا في الآخِرَةِ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَر: ١٥].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ هؤلاءِ المُجرِمينَ يظُنُّونَ أنَّهم رَبِحوا المَعرَكَةَ بِاستِخفائِهم، وهذا يَنْطَبِقُ تمامًا على المُنافِقينَ، ولكنَّ حَقيقَةَ الأَمْرِ أنَّهم خَسِروا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أنَّ أهلَ النَّارِ لن يَخرُجوا منها سَواءٌ صَبَروا أم لم يَصْبِروا؛ لقولِه: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وُيبَيِّنُه قولُه تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وقولُه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الإشارَةُ إلى أنَّ النَّار لا تَفنى؛ لقولِهِ: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وهذا -أعني أنَّ النَّار لا تَفنى- هو قَولُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ كما أنَّ الجَنّةَ أيضًا لا تفنى.
وقد زَعَمَ بعضُ العُلماءِ أنَّ النَّارَ تفنى في آخِرِ النِّهايَةِ، لكنَّ هذا الزَّعْمَ باطلٌ، يعني لا يَستَحِقُّ مَنزلَةً أن نَقولَ: إِنَّه ضعيفٌ، بل نَقوُل إنَّه باطلٌ لا يَنْبَغي أن تُسوَّدَ به الصَّحائفُ، وذلك لأنَّ كَلامَ اللهِ ﷿ الَّذي خَلَقَ النَّارَ، وهو عالمٌ بها وبمَصيرِها فيه التَّصريحُ بالتَّأبيدِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ من كتابِ اللهِ ﷿:
المَوضِعُ الأَوَّلُ في سورَةِ النِّساءِ قوُله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧].
[ ١٣١ ]
والمَوضِعُ الثَّاني في سورَةِ الأحزابِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥].
والمَوضِعُ الثَّالثُ في سورَةِ الجِنِّ قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
ولهذا الإنسان يَعجَبُ أن يَقَعَ من بعضِ العُلماءِ القَولُ بأنَّ النَّارَ تفنى مع وُجودِ الآياتِ الثَّلاثِ.
وقولُه: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ قد يَكونُ فيها إشارَةٌ إلى أنَّها ستَبقى أَبَدَ الآبِدينَ لأنَّه لو كان لها مُنتَهى فسوف يَعْتَبون في النِّهايَةِ.
فإِنْ قال قائلٌ: هل يَثبُتُ عن ابنِ القَيِّمِ القَولُ بفَناءِ النَّارِ؟
فالجَوابُ: ابنُ القَيِّمِ ﵀ تَجِدُ كَلامَه في (مِفتاحِ دارِ السَّعادَةِ) وفي (شِفاءُ العَليلِ) (^١) تَشَمُّ منه رائحَةَ أنَّه يُرَجِّحُ ذلك بأنَّه ذَكَرَ القَولَينِ وذَكَرَ الأَدِلَّةَ، وهو ﵀ إذا تَكلَّمَ يشفي ويُطيلُ النَّفَسَ، فكَلامُه في هذين الكِتابَينِ تَشَمُّ منه رائحَةَ أنَّه يَميلُ إلى ذلك، لكن له كَلامٌ آخَرُ في (الوابلُ الصَّيِّبُ) (^٢) يدُلُّ على أنَّه يَرى أنَّ النَّارَ نارانِ؛ نارُ الكُفَّارِ هذه لا تفنى لأنَّهم خالدين فيها أبدًا، ونارُ العُصاةِ الَّذينَ يُعذَّبونَ بقَدْرِ ذُنوبِهم ثُمَّ يُخرَجون تفنى؛ لأنَّ أهلَها خَرَجوا منها، فإذا خَرَجوا منها ما بَقِيَ لبَقائِها فائدَةٌ.
وهذا التَّقسيمُ مِن النَّاحيَةِ العَقليَّةِ تَقسيمٌ قَوِيٌّ -أن يَميلَ إليه الإنسانُ من النَّاحيةِ العَقليَّةِ-، لكن قد يبقى النَّظَرُ بأَنْ يَقولَ القائِلُ ما الدَّليلُ على أنَّ هناك نارين؟
_________________
(١) شفاءالعليل (ص: ٢٦٤).
(٢) الوابل الصيب (ص: ٢٠).
[ ١٣٢ ]
الجواب: هذا يَحتاجُ إلى دَليلٍ، والَّذي يَظهَرُ مِنَ الأدِلَّةِ أنَّ النَّارَ واحدةٌ، وأنَّ العُصاةَ يُعذَّبونَ بِالنَّارِ الَّتي يُعذَّبُ بها الكُفَّارُ، لكن عقلًا كَلامُه ﵀ هذا التَّفصيليُّ كَلامٌ جَيِّدٌ، حتَّى لو قال قائِلٌ أيضًا: العَقْلُ يَدُلُّ على أنَّه لا بُدَّ أن تَكونَ النَّارُ نارين؛ لأنَّه لا يُمكنُ أن يُعَذَّبَ المُؤمنُ الفاسِقُ بنارٍ شَديدةِ الحَرارَةِ كُلَّما نَضَجَ جِلدُه بُدِّلَ جلدًا آخَرَ كما تَكونُ نارُ الكُفَّارِ مِنَ النَّاحيَةِ العَقليَّةِ يُوافِقُ العَقْلَ تمامًا، فإن كان صوابًا فمِنَ اللهِ وإن كان خطأً فاللهُ يَعفو عنه.
ولا يَجوزُ أبدًا أن نَعرِفَ الحَقَّ بالرِّجالِ، يَجِبُ أن نَعرِفَ الحَقَّ بالدَّليلِ، فما دام بين أيدينا كَلامُ اللهِ ﷿ كيف نُفَكِّرُ أن نُرَجِّحَ أو أن نَقولَ: قال فُلانٌ أو قال فُلانٌ، لو قال اَكْبَرُ النَّاسِ ما عدا الرَّسولَ ﵊ قلنا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ ولا تَصديقَ ولا إيمانَ، بين أيدينا كَلامُ اللهِ ﷿ وهو الخالِقُ ﷿ والعالِمُ بكُلِّ شيءٍ.
الْفَائِدَةُ العِشْرُونَ: إِثباتُ النَّارِ؛ لقولِه: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، وأنَّها هي المَثْوى وليس كما يَزْعُمُ بعضُ الكُتَّابِ اليومَ يَقولون: إنَّ المَيِّتَ إذا مات صار إلى مَثْواه الأخيرِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ هذه الكَلِمَةَ كَلِمَةُ كُفْرٍ لو اعتَقَدَ الإنسانُ مَدلولَها، يعني لو اعتَقَدَ أنَّ القَبْرَ هو المَثْوى ولا قِيامَ بَعدَه لكان كافِرًا، فيُقالُ: إنَّ القَبْرَ ليس المَثْوى الأخِيرَ.
* * *
[ ١٣٣ ]