الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القُرآنَ فيه البِشارَةُ والنّذارَةُ؛ لكنْ هلْ هذا مُوزَّع، أم يُمكِنُ أنْ يَكونَ بَشيرًا ونَذيرًا في آنٍ واحدٍ؟
الجَوابُ: يُمكِن هذا وهذا، أمَّا عنِ الأوَّل - ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ - فنجِدُ مِن آياتِه ما هو بِشارةٌ للمُؤمِنين، ونجِدُ مِن آياتِه ما هو إنْذارٌ. وأمَّا على الثَّاني -أنَّ الآيةَ الواحِدةَ قد ينتَفِعُ بها أقوامٌ ويتضرَّرُ بها آخرون- قال تَعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
ولا تَستَغربْ أنْ يكونَ الشَّيءُ الواحِدُ ضارًّا بوجهٍ ونافعًا من وجْهٍ آخرَ، فالقُرآنُ نافعٌ للمُؤمنين ضارٌّ لغيرِ المؤمِنين، ولا تستَغرِبْ هذا.
وأضرِب لَك مثلًا حِسّيًّا بالتَّمرِ؛ حُلوُ المذاقِ: فاكِهةٌ، وغِذاءٌ، وقوتٌ يأكلُه واحدٌ فيتضرَّر به، ويأكله آخرُ فينْمو به، مَع أنه شيءٌ واحدٌ! .. هكذا القُرآنُ.
[ ٢٨ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه مَع وصْفِ القُرآنِ بهذا الوصْفِ الجلِيلِ بتفصِيلِ الآياتِ، وأنه بلسانٍ عربيٍّ، وأنَّه بشيرٌ ونذِيرٌ، لم يَسلَمْ مِنَ المُعارَضةِ والإعْراضِ؛ لِقولِه: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَوازُ نفيِ السَّمعِ لمَن لا ينتَفِعُ به؛ لِقولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، وكذَلِك يُقالُ في بَقِيَّة الحواسِّ، لمَن لمْ ينتَفِعْ بها، نقول: إنَّ وجودَها كالعدَم؛ فمَن لمْ ينتفِع بما رَأى نَقول: هذا لا يُبصرُ ولو كان لهُ عيْنانِ.
[ ٢٩ ]