الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ السَّماءَ كانَتْ قبْلَ أنْ تُخلَقَ دُخانًا، ثمَّ حَوَّل اللهُ هَذا الدُّخانَ إلَى سَمواتٍ، لِقَوْلِه تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثْباتُ علُوِّ اللهِ ﷿ على أحَدِ القَوْلَين في تَفسِيرِ "اسْتَوى"، وهُما قصَدَ أو ارتَفَعَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ قابِلٌ لمُخاطَبةِ اللهِ ﷿ أيْ: قابِلٌ أنَّ اللهَ يُخاطِبُه، لأنَّ اللهَ خاطَبَ السَّماءَ والأرْضَ - وهِي جَماد - فقالَ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، لكِنَّنا لَو خاطَبْنا الجَمادَ لَعُدَّ ذلِك سَفَها ونَوعًا مِن الجُنونِ؛ أمَّا الرَّبُّ ﷿ فإنَّه يُخاطِبُ ما شاءَ مِن عِبادِه مِن عاقِل وغَيره وجَمادٍ وغَيرِه، لأنَّ كلَّ مَن خاطَبه اللهُ فإنَّه يَفْهمُ خِطابَ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ خاضِعٌ للهِ ﷿ سَواءٌ كَرِهَ أمْ رَضِيَ، لِقَولِه تَعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: كَمالُ خُضُوعِ الأرْضِ والسَّمواتِ للهِ ﷿ حَيثُ قالَتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يصِحُّ أنْ يُعبِّرَ عَن غيْرِ العاقِلِ بما يُعبَّرُ به عَن العاقِلِ،
[ ٧٦ ]
إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلةَ العاقِلِ لِقَولِه: ﴿طَائِعِينَ﴾، فإنَّ هَذا الجَمْعَ جمْعُ المُذكَّرِ السَّالِمِ لا يَصْدُرُ إلَّا مِنَ العاقِلِ وغيْرِه، يُقالُ: "طائِعاتٍ"، وما أشْبَهَ هَذا، لَكِنْ إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلتَه بالخِطابِ صحَّ أنْ يُعامَلَ مُعامَلةَ العاقِلِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثْباتُ الطَّواعِيةِ والكراهيَةِ لغيْرِ العاقِلِ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهَلْ هَذا يَعنِي أنَّ لغَيْرِ العاقِلِ إرادَةٌ؟ الجوابُ: نعَمْ؛ لأنَّ الطَّائِعَ لَه إرادَةٌ، ومَنْ يُتَصوَّرُ إكْراهُه فلَه إرادَةٌ أيْضًا، وإرادَةُ كلِّ شيْءٍ بحَسَبِه، وقَد ورَدَ أنَّ الحَصىَ تَسبِّحُ بيْنَ يدَيِ الرَّسُولِ ﵊ ولا تسْبِيحَ إلَّا بَعْدَ إرادَةِ، وثبُتَ عَنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أَنَّه قالَ في أُحُدٍ: "يُحِبُّنا ونُحِبُّه" (^١)، والمَحبَّةُ أخَصُّ مِنَ الإرِادَةِ؛ وعلَى هذا: فهَذه الجَماداتُ الَّتي نحْن لا نفْقَه تسْبِيحَها لها إرادَة، وتسَبِّحُ اللهَ ﷿.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب فضل الخدمة في الغزو، رقم (٢٨٨٩)، ومسلم: كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، رقم (١٣٩٣)، من حديث أنس - ﵁ -
[ ٧٧ ]