الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مُدَّةَ خَلْقِ السَّمواتِ أقلُّ مِن مُدَّةِ خلْقِ الأرْضِ مَع أنَّ السَّمواتِ أعظَمُ، لكِن لمَّا كانَت الأرْضُ مَوضُوعةً لِلأنامِ - كَما قال تَعالَى: ﴿وَالْأَرْضَ
[ ٨٥ ]
وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ [الرحمن: ١٠]- كان خَلْقُها أَكثَرَ مُدَّةً؛ لبَيانِ عِنايَةِ اللهِ تَعالَى بِهَذه الأرْضِ الَّتي وضَعَها لِلأنامِ، وليعلَمَ الأنامُ الَّذِين على الأرْضِ أنَّ العِبرَةَ بالإِتْقانِ لا بِالسُّرْعةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ اللهَ أتمَّ خَلْقَ السَّمواتِ حِين أوْحَى في كلِّ سَماءٍ أمْرَها، ورتَّبَها التَّرتِيبَ المُحكَمَ المُتقَنَ.
الْفَائِدَةُ الثالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعالَى خَلَقَ هَذه النُّجومَ لثَلاثِ فوائدَ:
الفائِدةُ الأُولَى: زِينَةُ السَّماءِ.
والفائِدةُ الثَّانيَةِ: حِفْظُ السَّمواتِ مِنَ الشَّياطِينِ.
والفائِدةُ الثالِثة: ذَكَرَها اللهُ تَعالَى في سُورَةِ النَّحْلِ في قَولِه تَعالَى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]؛ ولهَذا قال قَتادةُ - وهُو مِن أئِمَّةِ التَّابِعِين ﵏: خَلَق الله هَذه النُجُومَ لِثَلاثٍ؛ زِينَةً لِلسَّماءِ، ورُجوما لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٍ يُهتَدى بِها (^١).
الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: كَمالُ إتْقانِ اللهِ ﷿ لمِخْلُوقاتِه؛ لِقَولِه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وَهَذا التًّقْدِيرُ لا شكَّ أَنَّه تَقْدِير محُكَم مُتْقَن مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثْباتُ اسمَيْن مِن أسْماءِ اللهِ وهُما "العَزِيزُ، العَلِيمُ"، وهَذان الاسْمَان يَتَضمَّنان صِفتَيْن، هُما العِزَّةُ والعِلْمُ.
وهَلْ في "العَزِيزِ" ما يُسمَّى بالحُكْمِ أوْ بِالأَثَرِ؟
الجَوابُ: نَعَم، بِناءً على أنَّ مِن مَعناه عِزَّةِ القَهْرِ، والقاهِرُ لا بُدَّ مِن شَيْءٍ مَقْهُورٍ
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٩٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩١٣)، وعبد بن حميد كما في فتح الباري (٦/ ٢٩٥)، وعلقه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب في النجوم.
[ ٨٦ ]
حتَّى يتِمَّ بِه القَهْرُ، فعلى هَذا يَكونُ الإيمانُ بهَذَين الِاسْمَيْن يَتَضَمَّنُ ثلاثَةَ أُمُورٍ:
الأوَّلُ: الإيْمانُ بِالِاسْمِ اسْمًا للهِ.
والثَّاني: الإيمَانُ بِالصِّفَةِ.
والثَّالِثُ: الإيمانُ بِالأثَرِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: بِالحُكْمِ.
* * *
[ ٨٧ ]