الْفَائِدَة الأُولَى: عَدْلُ اللهِ ﷿ يُؤخَذُ من قولِه: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فيها إِثباتُ العَدْلِ لله ﷿ والعَدْلُ مَعناه عَدَمُ الجَوْرِ وعَدَمُ الظُّلمِ، ووَجهُ الدَّلالَةِ في الآيَةِ والَّتي قَبلَها إِثباتُ النَّجاةِ لِلمُؤمِنينَ والعَذابُ لِلمُعرضينَ هذا دَليلٌ على الْعَدْلِ؛ لأنَّه أَعْطى ﷾ كلَّ إنسانٍ ما يَستحِقُّ، ولا شكَّ أنَّ اللهَ ﷾ أحكمُ الحاكِمينَ، ومن كونِه أَحكم الحَاكمينَ لازِمٌ أنْ يكونَ أَعْدلَهم؛ لأنَّه كُلَّما كان الحُكْمُ أَعدلَ كان أَحْكمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإيمانَ والتَّقْوى سببٌ للنَّجاةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ومثلُه قولُه تَعالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزُمَر: ٦١].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإيمانَ وَحدَه لا يَكفي بَلْ لا بدَّ من إيمانٍ وتَقْوى؛ لقولِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وووَجْهُ المُقارَنَةِ بَيْنَ هذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قولِه تَعالى:
[ ١١٤ ]
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] أنَّ الَّذين آمَنوا وكانوا يَتَّقونَ والَّذينَ يُنَجِّيهُمُ اللهُ هم أولياءُ اللهِ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يُطابقُ تمامًا هذِهِ الآيَةَ حتَّى في اللَّفظِ هُناكَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهذه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَوازُ حَذْفِ ما يُعلمُ، يُؤخَذُ مِن قولِهِ: ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ والمَحذوفُ مَفعولٌ ﴿يَتَّقُونَ﴾؛ أي: وكانوا يَتَّقون اللهَ، وإن شِئتَ فقُلْ: وكانوا يَتَّقونَ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى أحيانًا يَقولُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وأحيانًا يَقولُ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨]، ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فإذا قُلنا: وكانوا يتَّقون ما أُمِروا باتِّقائِه صار ذلك أَعَمَّ، وقد أَمَرنا بتَقْوى اللهِ، وتَقْوى النَّار وتَقْوَى يَومِ القيامَةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضيلَةُ الإيمانِ والتَّقوَى وأنَّه سَببٌ للنَّجاةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فإذا قال قائلٌ: ألَيْسَ اللهُ تعالَى يُنزِلُ عُقوبَةً أحيانًا في أَقْوامٍ فيهم المُتَّقي وفيهم غَيْرُ المُتَّقي؟
فالجَوابُ: أنَّ اللهَ تعالى يَأخُذُ المُتَّقيَ بذَنْبِ غير المُتَّقي في الدُّنيا، ففي الدُّنيا يُعذَّبون جَميعًا ويُبْعَثون في الآخِرَةِ على نِيَّاتهم وأعمالِهمْ، دَليلُ هذا قوُله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] يعني: احْذَروا هذه الفِتْنَةَ، وهذا يَعني أَنَّنا نَأْمُرُ بالمَعروفِ ونَنْهى عن المُنْكَرِ لنتَّقِيَ بها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
* * *
[ ١١٥ ]