الْفَائِدَة الأُولَى: حِكْمةُ اللهِ - ﷿ - في كَونِ الوَحيِ النَّازلِ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - على وِفقِ لُغةِ القَومِ الَّذين أُرسِلَ إِلَيهم يُؤخَذُ مِن قَولِه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] إلخ؛ واللهُ تَعالَى جَعلَه قُرآنًا عَربيًّا.
[ ٢٦٤ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الحُجَّةَ لا تَقومُ حَتَّى يَفهمَ الإنسانُ مَعْنى هَذهِ الحُجَّةِ، وأَنَّ مُجرَّدَ البَلاغِ لا يُعَدُّ حُجَّةً قائمةً حتَّى يَفهَمَها مَن بلُغتِه؛ لِأنَّك لَو أَلقَيْتَ كَلامًا عَربيًّا بِأَفصحِ ما يَكونُ عَلى قَومٍ عَجَمٍ، وهُمْ لا يَعرفونَ مَقصودَكَ أَصلًا فَلا يَفهمونَ شَيئًا، وكَذَلكَ بِالعَكسِ لَو جاء رَجلٌ أَعجميٌّ وقامَ يَتكلَّمُ بِأَفصحِ ما يَكونُ من لُغةِ العَجمِ ونَحنُ لا نَعرفُ مُرادَه لَمْ نَفهمْ مِنه شيئًا؛ ولِهَذا قَالَ تَعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
فَإِنْ قَالَ قائلٌ: يَرِدُ عَلى قَولِكم هَذا - وَهو أَنَّه لا بُدَّ مِن فَهْمِ الحُجَّةِ بَعد بُلوغِها - قَولُه تَعالَى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ولَمْ يَقُلْ: ومَنْ بَلَّغ وفَهِمَ.
قُلنا: هَذا مُطلَقٌ، لكنَّ الآياتِ الأُخرَى تُقيِّدُه أَنَّه لا بدَّ مِن البيانِ والمَعرفةِ، وكَذَلكَ لَو قَالَ قائلٌ: يَرِدُ عَلى قَولِكم هَذا قَولُ النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلى آلِه وسلَّم -: "وَالَّذي نَفْسي بيَدِه لا يَسمَعُ بي أَحدٌ من هَذِهِ الأُمَّةِ؛ يَهوديٌّ ولا نَصرانيٌّ، ثُمَّ لا يُؤمنُ بِما جِئتُ بِه إِلَّا كانَ مِنْ أَصحابِ النَّارِ" (^١)، قال: "لا يَسمعُ بي"، فَيُقالُ: لأنَّه إِذا سَمِعَ به يَجِبُ عليهِ أَنْ يَبحثَ حتَّى وإِنْ كانَ لا يَفهمُ يَجِبُ عَليه أَنْ يَبحثَ، أَمَّا أَنْ يَترُكَ الأمرَ فَهو لا يُعذَرُ لِتَفريطِه وتَهاونِه، وعَلى هَذا فَلا بدَّ مِنْ بُلوغِ الحُجَّةِ وَلا بدَّ من فَهمِها.
وإِنْ قال قائِلٌ: فَكَيف الجَوابُ عَن قَولِ اللهِ - ﷿ -: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]؟
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم (٣٣٤٨)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب قوله: يقول الله لآدم أخرج بعث النار، رقم (٢٢٢)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ٢٦٥ ]
فالجَوابُ: خَتمَ عليها بَعد الفَهمِ؛ لِأنَّ الخَتمَ مَعناه قَدْ يَكونُ خَتْمٌ يَمنَعُ الفَهمَ، وقَدْ يَكونُ خَتْمٌ يَمنعُ الِانقيادَ كَقَولِه تَعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
ونَحنُ في الحَقيقةِ لا نَتهاونُ في تَكفيرِ مَن كَفَّره اللهُ، ولا نُبالي أَنْ نُكفِّرَ مَن كَفَّره اللهُ، لكنَّنا لا نَتجاسَرُ أَنْ نُكفِّرَ مَن لَمْ يُكفِّرْه اللهُ - ﷿ -، فَالحُكمُ بِالتَّكفيرِ وَعَدمِ التَّكفيرِ إِلَى اللهِ - ﷿ - لَيس إِلينا وَلا لِعَواطِفِنا، وإِلَّا لَوْ كانَ إِلَينا أَوْ إِلَى عَواطِفِنا لَكُنَّا نُكفِّرُ مَن كانَ فاسقًا، بَلْ قَد نُكفِّرُ مَن كان تاركًا لِلأَوْلَى؛ لأنَّ الإنسانَ لَا شكَّ أَنَّ مَعَه غَيرةً يَبغُضُ بِها مَن خالفَ الشَّرعَ، لكن كَونُنا نَحكُم عليه بالكُفرِ أَو بِعَدمِ الكُفرِ لَيسَ إِلَينا، بَل هو إِلى اللهِ - ﷿ -، والخَلقُ عَبيدُ اللهِ - ﷿ - لَيسوا عَبيدَنا حتَّى نَحكُمَ عَليهم بِما نَرى، بل نَحكُمُ عَليهم بِمُقتضى كَلامِ اللهِ ورَسولِهِ.
فإِذا دارَ الأَمرُ بَين أنْ نَقولَ: هَذا كافرٌ وهو يَنتسبُ إِلى الإِسلامِ، وبَين أنْ نَقولَ: لَيس بِكافرٍ، فَالأحوطُ أَنْ نَقولَ: لَيس بِكافرٍ لأنَّنا بِهذا سالمِونَ، لَكنْ لَو كَفَّرناه ثُمَّ بِناءً عَلى تَكفيرِه نَستَبيحُ دَمَه ومالَه ولا نُصَلِّي عليه وَلا نَدعو لَه بِالرَّحمةِ، فَالمَسألةُ لَيست بِسَهلةٍ، والمَسألةُ صَعبةٌ جِدًّا.
ولهِذا خَطأُ مَن يَتسرَّعون بِالتَّكفيرِ أَشدُّ مِن تَهاوُنِ مَن لا يُكفِّرونَ؛ لِما يَترتَّبُ عَلَى التَّكفيرِ مِن المَصائبِ وَالبَلاءِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ التَّناقُضَ بَين الرَّسولِ وَالوَحيِ مُستَحيلٌ، والدَّليلُ قَولُه تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] وَهَذا مُستحيلٌ أَنْ يَتناقَضَ الوحيُ ومَنْ أُوحِيَ إِليه.
[ ٢٦٦ ]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ القُرآنَ يَكونُ لِأَقوامٍ رَحْمةً ولِآخرينَ نِقمةً، ويَشهَدُ لهِذا قَولُه - ﵊ -: "القُرآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عليك" (^١). رَحمةٌ لِلمُؤمنينَ ونِقمةٌ عَلى الكَافرينَ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّه لا يُمكنُ أَنْ يُبتغَى الهُدَى مِن غَيرِ القُرآنِ لِقولِه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ [فصلت: ٤٤]، فَمَنِ ابْتَغى الهُدَى مِن غَيرِ القُرآنِ أَضَلَّه اللهُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ القُرآنَ شِفاءٌ مِن أَمراضِ القُلوبِ وَأَسقامِ الأَبدانِ لِقولِه: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقد فَهِمنا أَثناءَ التَّفسيرِ أَنَّ الفاتِحةَ رُقيةٌ، كَذلكَ أيضًا إِذا أَردتَ أَنْ تَرقيَ أحدًا فَانْظُر مَع الفاتحةِ الآياتِ المُناسِبةَ، فمَثلًا إِذَا كنتَ تُريدُ أَنْ تَرقِيَه مِنَ السِّحرِ فَاقرأْ إِضافةً لِلفاتحةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾؛ لِأنَّهمَا السُّورَتانِ اللَّتانِ رُقِيَ بِهما الرَّسولُ - ﷺ - (^٢).
كَذلكَ انظُرْ إِلَى آياتِ السِّحرِ الَّتي تُبطِلُ السِّحرَ مِثلَ قَولِه تَعالى عَنْ موسى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، وَأَمْثالِ ذَلكَ.
وَإِذَا كُنتَ تُريدُ أَنْ تَرقيَ مِن مَرَضٍ اقْرأِ الآياتِ المُناسبةَ مِثل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، رقم (٢٢٣)، من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل (٧/ ٩٢ - ٩٣)، من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٢٦٧ ]
فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، لِأَنَّ التَّناسبَ بَين الآياتِ الَّتي هي الدَّواءُ وبَين المَرضِ الَّذي هو الدَّاءُ لا بُدَّ أَن يَكونَ أَمرًا مُهمًّا يُراعيه الإِنسانُ.
كَما يُراعي ذلكَ في الأَدويةِ الحِسِّيَّةِ، فَالحارُّ يُعالَجُ بِالباردِ، ولهِذا قال النَّبيُّ - ﵊ - في الحُمَّى: "الحُمَّى مِن فَيحِ جَهنَّمَ فَأَبرِدوها بِالمَاءِ" (^١)، وقَدْ شَهِدَ الأطبَّاءُ الآنَ أنَّ البُرودةَ لِمَنْ أُصيبَ بِالحُمَّى مِنْ أَكبرِ العِلاجِ حتَّى كانوا يَجعَلونَ المَريضَ أَحيانًا إِلَى جَنبِ المُكيِّفِ مِنْ أَجْل البُرودةِ، ويَضَعون أَحيانًا عَلى المَريضِ بِالحُمَّى ثَوبًا مَبْلولًا بِالماءِ مِن أَجْلِ تَبريدِه.
فَإِن قال قائلٌ: سَبقَ أَنَّ الأَصلَ إِبقاءُ المُطلَقِ عَلى ما جاء، وَهُنا بَعضُ أَهلِ العِلمِ يُقيِّدونَ بَعضَ الأَمراضِ بِآياتٍ مُعيَّنةٍ، يَقولُ: تَقرأُ آيةَ كَذا وكَذا وهَكَذا، فَهَلْ هَذا يُخالِفُ القاعدَةَ أَمْ لا؟
فالجَوابُ: هَذا لا يُخالفُ القاعدةَ فَهَذه مُوافِقةٌ لِلحِكمةِ، كَما ذَكرنا أَنَّ المَرضَ يُعالَجُ بِما يُناسبُه.
فَإِنْ قيلَ: مِنْ أَين عَرَفوا هَذا؟
فالجَوابُ: مِن حِكْمةِ اللهِ - ﷿ - فَيُعرَفُ هَذا مِنَ الحِكْمةِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الإِنسانَ كُلَّما كانَ أَقوى إِيمانًا كانَ أَهدى وَأَشفى مِن قَولِه تَعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وهُنا قاعِدةٌ مُفيدةٌ مُهمَّةٌ: أنَّ كلَّ حُكمٍ مُعلَّقٍ بِوَصفٍ أَوْ مُرَتَّبٍ على وَصْفٍ، فَإنَّه يَقوى بِقُوِّةِ ذَلك الوَصْفِ ويَضْعُفُ بِضَعفِ ذَلك الوَصْفِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، رقم (٣٢٦٣)، ومسلم: كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، رقم (٢٢١٠)، من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٢٦٨ ]
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: بَلاغةُ القُرآنِ بِتَصويرِ المَعقولِ بِصورَةِ المَحسوسِ، فَهَؤلاءِ الَّذين لا يُؤمنونَ لَوْ أَنَّك نَظَرتَ إِلَيهم نَظرةً حِسِّيَّةً لم تَجِدْ: ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾؛ لِأنَّهم يَسمَعونَ، وَقَدْ يَكونونَ أَقوى سَمْعًا مِن المُؤمنِينَ، ولَمْ تَجِدْ أَيضًا أَنَّهمْ إِذَا قُرِئَ عليهمُ القُرآنُ عَميَتْ أَعينُهم كَما قَالَ: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، ولَمْ تَجِدْ أَنَّهمْ يُنادَون مِن مَكانٍ بَعيدٍ، بَل تُعْرَضُ عَليهم الدَّعوةُ إِلَى جَنْبِ الدَّاعي، لَكنَّ هَذا مِن بَلاغةِ القُرآنِ أَنْ يُصَوِّرَ الشَّيءَ المَعقولَ بِصورَةِ المَحسوسِ حتَّى يَكونَ أَقربَ إِلى الفَهمِ، فَهُنا صَوَّر اللهُ حالَ هَؤلاءِ بأَنَّهمْ صُمٌّ وبأنَّهم عُمْيٌ وبِأنَّهمْ بَعيدونَ مِن الدَّاعي.
* * *
[ ٢٦٩ ]