الْفَائِدَة الأُولَى: الحثُّ عَلى العَملِ الصَّالحِ لِقولِه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّك مَتَى عَلِمتَ أَنَّ عَمَلَك لنَفسِك فسوفَ تَجتهدُ في هذا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لا إِخلاصَ فيه فهو ضررٌ على صاحبِه ولَيس لَه، لِأنَّنا فَسَّرنا العَمَلَ الصَّالحَ بأنَّه ما جَمَعَ بَين شَرطينِ؛ الإِخلاصِ والمُتابَعةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ مَنْ عَمِلَ عملًا بِدْعيًّا فعَمَلُه عليه لا له؛ لأنَّه لا يَدخُلُ في
[ ٢٨٢ ]
العَملِ الصَّالِحِ، وكَثيرٌ مِن إِخوانِنا الَّذين يَعمَلون بهَذه البِدَعِ تَجِدُهم يَبكون ويَخشَعون وتَلينُ قُلوبُهم، ولَهم مِنَ البُكاءِ ما لا يَكونُ عِندَ المُخلِصينَ المُتَّبِعينَ، فَهؤلاءِ نَقولُ لَهمْ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]، فَلا يَخدعنَّكَ هذا الشَّيءُ الَّذي يَقَعُ مِنهم؛ لأنَّ هَذا مِنْ إِغْواءِ الشَّيطانِ لَهمْ وغُرورِه إِيَّاهمْ.
فإِنْ قال قائلٌ: قولُه تَعالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هل يُقصَدُ به قَولُه بَعدَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾؟
فالجَوابُ: أنَّ كلَّ مَنْ عَمِلَ عَملًا سَيِّئًا وهو يَظنُّ أَنَّه مُحسنٌ داخلٌ في الآيةِ وإِنْ كانَ بَعدَها قَولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾، لَكنَّها تَشملُ حتَّى غَيرَهُمْ.
فإِنْ قَالَ قائلٌ: هَل نتَّبعُ مثلَ هَذا السَّبيلِ الَّذي ذُكِرَ في الآيةِ؟
فالجَوابُ: نَعَمْ نَتَّبعُ هَذا فَنَحكُمُ عَلى ما ثَبَتَ قُبحُه بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يُشارِكَه ما وافقَه في العِلَّةِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّهُ لا يُمكنُ أَنْ يَصِلَ ثَوابُ العَمَلِ الصَّالِحِ إِلَى الغَيرِ لِقولِه: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾، وبهَذا أَخَذَ أَكثرُ العُلماءِ وَقالوا: إِنَّ الميِّتَ لا يَنتفعُ إِلَّا بِعَمَلِ وَلَدِه فَقَطْ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلا، يَعْني: لَو أنَّك اعْتمرْتَ لِصَديقٍ لَك مَيِّتٍ أو حَيٍّ لا يَستطيعُ العُمرةَ، فإِنَّ ذلكَ لَا يَنفَعُه؛ لأنَّ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ لا يَتعدَّى غَيرَه، وما جاءتْ به السُّنَّةُ مِن صيامِ المَرأةِ نَذْرَ شَهرٍ على أُمِّها (^١) أو حَجِّها عَن أَبيها الَّذي لا يَثبتُ على
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٣٣٨)، والنسائيُّ: كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر أن يصوم ثمَّ مات قبل أن يصوم، رقم (٣٨١٦)، من حديث ابن عباس - ﵄ -، وفيه: عن أختها.
[ ٢٨٣ ]
الرَّاحلةِ (^١)، فهَذا إِنَّما وَقَعَ مِن الوَلَدِ، وقَدْ قال النَّبيُّ - ﷺ -: "إِنَّ أَطيبَ ما أَكَلتم مِن كَسبِكم وإنَّ أَولادَكُمْ مِنْ كَسبِكم" (^٢).
فالعملُ مِن كَسبِ الأبِ وَالأُمِّ، وهو جُزءٌ مِنْ أَبيه كَما قال النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم -: "فاطمَةُ بِضعةٌ منِّي يَريبُها ما رابَني" (^٣)، قال ذَلكَ عَلى المِنبرِ، وأَشارَ - ﵊ - في هَذا الحديثِ - وَهو حَديثٌ طَويلٌ - إِلى التَّنديدِ بِعليِّ بنِ أَبي طالبٍ - ﵁ -، وأَثنى على أَبي العاصِ بْنِ الرَّبيعِ زَوْجِ ابْنتِهِ زَيْنبَ فَقال: "حَدَّثَني فَصَدَقَني ووَعَدَني فوَفَّاني"، وانْتَقدَ عَليًّا؛ لأنَّه قيلَ: إِنَّه أَراد أَنْ يَتزوَّجَ بِنتَ أَبي جَهلٍ، فَقامَ الرَّسولُ وخَطَبَ النَّاسَ وَقال: "فاطمةُ بِضعةٌ مِنِّي يَريبُها ما رابَني"، وتَكلَّم بِكلامٍ غليظٍ، لكن عَليَّ بنَ أَبي طالبٍ - ﵁ - عَدَلَ عَنْ هَذا الأمرِ لمَّا رَأَى النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَليه وعَلى آله وسلَّم - مُتأثِّرًا هَذا التَّأثُّرَ، وأنَّه لا يُمكنُ أَنْ يَجمعَ بَينَ بِنتِ نَبيِّ اللهِ وبَين بِنتِ عَدوِّ اللهِ، يَعني: هَذا يَكونُ مُتحدَّثَ النَّاسِ.
ونَحنُ نَقولُ: إِنَّ بَعضَ أَهلِ العِلمِ أَخَذَ بما يُفيدُه ظاهرُ هذه الآيةِ، وَقال: لَا يَنفعُ العمَلُ لِأيِّ إِنسانٍ نَويْتَه إِلَّا مِنَ الوَلَدِ، ولَكِنَّ كثيرًا مِنَ العُلماءِ قَالَ: بَل إِنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، رقم (١٥١٣)، ومسلم: كتاب الحج، باب الحج عن العاجز رقم (١٣٣٤)، من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ١٦٢)، وأبو داود: كتاب البيوع، باب في الرجل يأكل من مال ولده، رقم (٣٥٢٨)، والترمذي: كتاب الأحكام، باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده، رقم (١٣٥٨)، والنسائيُّ: كتاب البيوع، باب الحث على الكسب، رقم (٤٤٤٩)، وابن ماجه: كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، رقم (٢٢٩٠)، من حديث عائشة - ﵂ -.
(٣) أخرجه البخاري: كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب ذكر أصهار النبي - ﷺ -، رقم (٣٧٢٩)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي -﵍ -، رقم (٢٤٤٩)، من حديث المسور بن مخرمة - ﵁ -.
[ ٢٨٤ ]
الَّذي يَنتفعُ بِهِ الميِّتُ مِنْ وَلَدِه لا مانعَ مِن أَنْ يَنتفعَ به مِن غَيرِه، ورُبَّما يُستدلُّ لِذلكَ بِحديثِ ابنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَمِعَ رَجلًا يَقولُ: لَبَّيكَ عَنْ شُبرُمَةَ، قال: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قال: أَخٌ لِي، أو قَريبٌ لِي (^١)، فقال: أَخٌ أَو قَريبٌ وَهو مُحْرِمٌ عنه، قالوا: فَهذا يَدُلُّ على أنَّه يَجوزُ للإنسانِ أَنْ يَنوبَ عن غَيرِه فيُقالُ: هَذه نِيابةٌ عَن الغيرِ، والحجُّ أَيضًا يَسلَمُ له.
ولكنَّ الَّذي يَظهرُ لي أنَّه لا فَرْقَ بين الولَدِ وغَيرِه وبَين الحجِّ وغَيرِه، لكنَّ الَّذي نَنتقِدُه إِسرافُ النَّاسِ الآنَ بالأعمالِ لِلأمواتِ تَجِدُه يَخْتُمُ القُرآنَ في رَمضانَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ ويَقولُ: المرَّةُ الأُولَى لِأُمِّي والثَّانيَةُ لِأَبَوَيَّ والثَّالثةُ لِجَدَّتي وَالرَّابعةُ لِجَدِّي والخامسةُ لِأخي، وَالسَّادسةُ لِأُختي وَالسَّابعةُ لِعَمِّي وَالثَّامنةُ لعَمَّتي، ويَمضي رَمضانُ ولَيس لَه ثَوابٌ كُلُّه أَعطاه لِلنَّاسِ، هَذا غَلطٌ وإِفراطٌ ولَيس مِن هَدي السَّلفِ الصَّالحِ.
كَذلكَ أَيضًا بَعضُ النَّاسِ يُسرفُ ويُخالفُ السُّنَّةَ فِي إِسرافِه تَجدُه يَذهبُ يَعتمرُ أَوَّلَ عُمرةٍ لَه، وَفي نَفس الوقتِ وَهو في مَكَّةَ ثَاني عُمرةٍ لِأُمِّه، وثَالثُ عُمْرةٍ لِأبيه كُلَّ يومٍ عُمْرةٌ، وَإِذا قَدَّرنا أَنَّه بَقِي عَشَرةُ أَيَّامٍ ولَهُ عَشَرَةُ أَقاربَ عَشْرَ عُمْراتٍ، هَذا غَلَطٌ ولَيس مِن هَدي السَّلفِ، والشَّرعُ لَيس حَسَبَ الذَّوقِ أو مَيلِ النَّفسِ أَوِ الهَوى، بل الشَّرْعُ مُحدَّدٌ، فهَلْ وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهمْ يُكرِّرونَ العُمرةَ لا لأنفسهم ولا لِغيرهِم، لَمْ يَرِدْ إِطْلاقًا، فَأصلُ تَكرارِ العُمرةِ في سَفَرٍ واحدٍ غَيرُ مَشروعٍ؛ ولِهَذا قال عَطاءُ بنُ أَبي رَباحٍ وهو عَالمُ مَكَّة في زَمنِه: لا أَدْري هَؤلاءِ الَّذين يَخرُجونَ إِلى التَّنْعيمِ أَيَأْثمونَ أَمْ يَسلمونَ؟
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، رقم (١٨١١)، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الحج عن الميت، رقم (٢٩٠٣)، من حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٢٨٥ ]
يَعْني: مَعناهُ أَنَّه لَيس لهم أَجرٌ؛ لأنَّه لَمْ يَرِدْ عن الرَّسولِ - ﵊ -، فَلذلكَ يَجبُ على طَلَبَةِ العلمِ أَن يُبيِّنوا لِلنَّاس حتَّى وإِنِ انتقدوهم، فَنحنُ دائمًا نُحذِّرُ مِن هَذا في الحَرَمِ، ونَقولُ: هَذا غَلطٌ ولَيس بمَشروعٍ، ثُمَّ يَذهبونَ إِلَى ناسٍ مِنَ النَّاسِ فَيقولُ لَهم: لا بأس، أَوَّلُ يَومٍ لكَ وثَاني يومٍ لِأُمِّك وثَالثُ يَومٍ لِأبيك، أَعطِها العالَمَ كُلَّ واحدٍ عُمرةً، وإِنْ كَثُرَ أَقاربُكَ وقَلَّتْ أَيَّامُكَ في مكَّةَ فَلا بَأسَ أَنْ تأخُذَ عُمرتَينِ في يَومٍ لا مانِعَ فيه، وإِنْ كَثُروا أَكثِرْ، وقَلَّتِ الأيَّامُ أَقِلَّ، اجْعلْ عُمرتَينِ في اليومِ وعُمرتَينِ في اللَّيلَةِ! فلا إِلَهَ إلَّا اللهُ! ومَنْ قَالَ بِهَذا!
لكنَّ المُشكلَةَ أَنَّ بَعضَ العُلماءِ يَتهاونونَ في هَذه الأُمورِ ولا يُريحونَ عِبادَ اللهِ، فتَجِدُه مِسكينًا في أَيَّامِ مَوسمِ الحجَّ يَتكلَّفُ كُلفةً عَظيمةً في الزِّحامِ وَالمشقَّةِ، ومع ذَلك يُصِرُّ على أَنْ يَأتيَ بِعُمرةٍ لِأبيه وأُمِّه مع أَنَّ هَذا ليس مِنْ هَدي السَّلفِ، ويُضيِّقُ عَلى النَّاسِ، يُضيِّقُ بَعضُهم على بَعضٍ، فنَسألُ اللهَ الهِدايةَ.
فإِنْ قال قائلٌ: هَلْ يُفْهمُ أَنَّه لا فَرْقَ بين الولَدِ وَغيْرِه، وبين الحَجِّ وغَيرِه كرَجلٍ صلَّى رَكعتَينِ للهِ ويَقولُ: هُما لِأبي؟
فالجوابُ: هُنا صيغتانِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَعمَلَ لِغيرِهِ:
الصِّيغةُ الأُولَى: أَنْ يَنويَ النِّيَّةَ لِلغيرِ مِن ابتداءِ العَملِ مِن الأَصلِ مِنْ حين ما أَرادَ أَنْ يُكبِّرَ نَوى أَنَّها لِأبيِه أو لِأُمِّه، فَهذَا يَصِلُ ولا إِشكالَ فيه؛ لأنَّه كالَّذي يَحُجُّ ناويًا الحَجَّ عن أَبيهِ أو أُمِّه مِن الأَصلِ.
الثَّانيةُ: أَنْ يَعمَلَ العملَ ثُمَّ بَعد الفَراغِ مِنه يَنويهِ لِأبيه أو أُمِّه هَذه اخْتَلفَ فيها العُلماءُ حتَّى الَّذين يَقولونَ بِجَوازِ إِهْداءِ القُربِ اختلفوا، هَل يَصِحُّ هَذا أَمْ لا؟
[ ٢٨٦ ]
ووَجْهُ الفَرقِ بَينَ هَذه وَالَّتي قَبْلَها أَنَّ الَّتي قَبلَها ابْتدَأَ النِّيَّةَ مِن أَوَّل الفِعلِ، فَهو يَفعلُ ويَتحرَّكُ ويَتكلَّمُ فَيَشعُرُ أَنَّه قائمٌ به عَن الغيرِ، أَمَّا هَذا فَقدْ صلَّى وَانتهى مِنْ صَلاتِه على أَنَّها لَهُ فَثَبَتَ الأَجْرُ لَه، وَإِذا ثَبتَ الأَجرُ لَه فَليسَ من حقِّه أَنْ يَتصرَّفَ في الثَّوابِ هُو يَتصرَّفُ فِي العملِ، أَمَّا الثَّوابُ فَلا، فَيَقولُ هَؤلاءِ: إِنَّه إِذا أَهدى العَملَ بَعْدَ فِعلِه لا يَصِلُ إِلَى المُهدَى إِلَيه؛ لِأنَّ العملَ ثَبَتَ لِنفسِه وَانتهى العمَلُ وَالنِّيَّةُ لِنفسِه، وَإِذا أَهداه لِغيرِه فَقدْ تَصرَّف في الثَّوابِ والتَّصرُّفِ في الثَّوابِ لَيس إِليه، وإنَّما هو إِلى اللهِ - ﷿ -، ولَيس هَذا أَمْرًا ماليًّا تَقولُ: واللهِ أَبي أَعطَى فُلانًا عَشَرةَ دراهمَ أو مِئةَ دِرهمٍ، هَذا ثَوابٌ عِندَ اللهِ - ﷿ - وكُتبَ لَكَ وانتهى الأَمرُ.
وهَذا التَّفريقُ تَفريقٌ جَيِّد ولَه مَعنًى لَطيفٌ، ولا شَكَّ أنَّه معنًى جيِّدٌ التَّفْريقُ بَين أَنْ تَعملَ العَملَ من أَوَّلِه لصاحبِك، وبَين أَنْ تَعمَلَه لِنفسِك، ثُمَّ بَعدَ ذَلكَ تُهدي ثَوابَه لِصاحبِك، فَهُنا العملُ كُتِبَ لَكَ والثَّوابُ كُتِبَ لَكَ، فَلَا يُمكنُكَ أنْ تَتصرَّفَ فيه التَّصرُّفَ في الثَّوابِ للهِ - ﷿ - واللهُ أَعلمُ.
إِذنْ قَولُه تعالى: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ اسْتدلَّ بِها بَعضُ العُلماءِ على أَنَّ العَمَلَ الصَّالحَ لا يَتعدَّى الغيرَ؛ أَيْ: لا يَتعدَّى فَاعلَه ونَحنُ نَقولُ: ما جاءت به السُّنَّةُ فَهو مُخصَّصٌ لِهَذا، والسُّنَّةُ تُفسِّرُ القُرآنَ وتُبَيِّنُه، ولكن هل يُقاسُ عَليهِ؟ هَذا مَحلُّ نَظرٍ، وعِندي أنَّهُ لا بَأسَ أَنْ يُقاسَ عَليهِ؛ لِأنَّ الَّذي وَرَدَ إِنَّما هو قَضايا أَعيانٍ، فَإذا كَانتْ قَضايا أَعيانٍ، فَرُبَّما نَقيسُ على هَذه العَينِ ما شابَهَها، لكنَّ الَّذي يُنكَرُ هو الإِسرافُ وَالإفراطُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ مَن أَساءَ فَعَلى نَفسِه أَساءَ لا يَضُرُّ اللهَ شيئًا.
ولكن لَو قال قائلٌ: أَليس النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم - أَخبَرَ بأنَّ مَن
[ ٢٨٧ ]
سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً فَعليهِ وزرُهَا ووِزرُ مَنْ عَمِلَ بِها إلى يَومِ القيامةِ (^١)، إذن هَذا الإنسانُ صارتْ إِساءَةُ غَيرِه عليهِ وَاللهُ يَقولُ: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ على نَفسِه فَقَطْ؟
فيُقالُ: إِنَّ كَونَه سَنَّ هَذه السَّيِّئَةَ هو عَمَلُه الَّذي تَبِعَه النَّاسُ عَليه، ولَولا أَنَّه فَعَلَه ما فَعَلَه النَّاسُ، فَالنَّاسُ إِنَّما فَعلوا اتِّباعًا لَه فَيكونُ هَذا في الحَقيقَةِ منْ فِعلِه؛ لِأنَّه هو الَّذي سَنَّ هَذه السُّنَّةَ السَّيِّئةَ؛ ولِهذا ما مِنْ إِنسانٍ يَقتُلُ نفسًا عَمدًا بِغيرِ حَقٍّ إلَّا كان على ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِنها، يَعني: قابيلَ حَيث قَتَلَ هابيلَ حَسَدًا بِدونِ إِساءةٍ إِليه، قَرَّبا قُربانًا فتَقَبَّل اللهُ مِن هابيلَ ولَمْ يَتقبَّلْ من قابيلَ. فَقالَ لَهُ: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ حَسَدًا؛ لِأنَّ اللهَ قَبِلَ مِن صاحبِه ولَمْ يَقبَلْ منه، فأَرشدَه صاحبُه إِلى ما يَكونُ بِه القَبولُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ومَعنى الآيةِ حَثُّه على أَنْ يَتَّقيَ، ولَيس المعنى أَنَّه كان مُتَّقيًا فَقُبِلَ، وإنَّمَا يَحثُّه على التَّقوى كأنَّه يَقولُ: اتَّقِ اللهَ يَتقبَّلْ منك. ثُم قال لَه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].
ولَعَلَّ هَذا لَم يَكُنْ مَشروعًا في عَهدِهمْ أَنْ يُدافعَ الإنسانُ عَن نَفسِه؛ لأنَّ في شَريعتِنا مَنْ أَرادَ قَتلَك يَجِبُ عَليكَ أَنْ تُدافِعَه حتَّى لو قَتَلْتَه فهو في النَّارِ، ولو قَتَلَكَ فأنت شَهيدٌ، لكن لَعلَّه في عَهدِهم لَم يَكُنْ ذَلكَ مَشروعًا، وهو مِنَ الآثارِ الَّتي كَتبَها اللهُ على مَنْ قَبلَنا ونَجَّانا اللهُ منها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: انتفاءُ الظُّلمِ عَن اللهِ - ﷿ - لِقولِه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، رقم (١٠١٧)، من حديث جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ -.
[ ٢٨٨ ]
وهَذه مِن صِفاتِ النَّفيِ، وصِفاتُ اللهِ تعالى نَوعانِ: صِفاتُ إِثباتٍ، وصِفاتُ نَفيٍ، فصِفاتُ الإِثباتِ كَثيرَةٌ جدًّا وصِفاتُ النَّفيِ أَقلُّ، ولكن مَعَ ذَلكَ صِفاتُ النَّفيِ هي في الحقيقةِ صِفاتُ إِثباتٍ؛ لأنَّ المُرادَ بِالنَّفيِ إِثباتُ ضِدِّ ذَلكَ فَمثلًا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ المُرادُ إِثباتُ كَمالِ عَدلِه وأَنَّ عَدْلَه لا ظُلمَ فيه بِوَجهٍ مِنَ الوجوهِ.
إِذن خُذْ قاعدةً عَريضةً: لا يوجدُ النَّفيُ المحضُ فِي صِفاتِ اللهِ أَبدًا، كُلُّ نَفيٍ في صِفاتِ اللهِ فَهو إِثْباتٌ لِضدِّ النَّفيِ، فَكأنَّه يَقولُ - ﷿ -: هو أَعدلُ الحاكمينَ وَلا ظُلمَ في حُكمهِ إِطلاقًا.
وقولُه تَعالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] مِن صِفاتِ النَّفيِ لكن لِإثباتِ كَمالِ عِلمِه، وَأنَّه لِكمالِ عِلْمِه لا يَرِدُ عليه النِّسيانُ إِطلاقًا، وأَمَّا عِلمُنا نَحنُ فَيَرِدُ عليه النِّسيانُ، وَهو أيضًا حاصلٌ بعدَ جهلٍ سابقٍ يَقولُ اللهُ تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فعِلمُنا في الواقعِ مَعيبٌ مِن وجوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّه مَسبوقٌ بِجهلٍ.
الثَّاني: أنَّه مَلحوقٌ بِنِسيانٍ.
الثَّالثُ: أَنَّه لَيس شاملًا عامًّا.
ونَقولُ: هَذا النَّفيُ في صِفةِ الله لا يُرادُ به النَّفيَ المَحضَ، بَل هُو إِثباتٌ في الواقعِ، إِذ إِنَّ المُرادَ به إِثباتُ كَمالِ ضِدِّه؛ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ أي: أنَّه عَدلٌ لا ظُلمَ في عَدلِه إِطلاقًا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إِثباتُ العدْلِ في أَعلى مَقاماتِه، حَيثُ قال: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾؛ أَيْ: لِعبيدِه، وهَذا أَبْلغُ لو قُلتُ لَك: أَنتَ لا تَظلِمُ عَبيدَك، فَهو أَبلغُ مِمَّا لَو قُلتُ: أَنت
[ ٢٨٩ ]
لا تَظلِمُ النَّاسَ؛ لأنَّ عَدمَ ظُلمِك النَّاسَ؛ لِأنَّه لا سَيطرةَ لك عليهم لكن إِذا كُنت لا تَظلِمُ عَبيدَك كان هَذا أَبلغَ في إِثباتِ العدلِ، إِذا كُنتَ لا تَظلمُ مَن لكَ سُلطةٌ عليهِ، فلِئلَّا تَظلِمَ مَن لا سُلطةَ لَك عليه مِن بابِ أَوْلَى.
إِذَنْ فَقابِلْ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بقَولِ القائلِ: فُلانٌ لا يَظلِمُ النَّاسَ، أَيُّهما أَبلغُ؟ الأوَّلُ؛ لِأنَّه إِذا كانَ لا يَظلِمُ عَبيدَه مع أَنَّهم عَبيدُه يَفعلُ بِهمْ ما يشاءُ، فَلِئلَّا يَظلِمَ غَيرَهم، ولَكنَّ هَذا على سَبيلِ الفرضِ وإلَّا فَكلُّ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ آتي الرَّحمنَ عبدًا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الرَّدُّ على الجبريَّة في قَولهِم: إِنَّ الظُّلمَ في حَقِّ اللهِ مُحالٌ، وانتفاءُ المُحالِ ليس مَدْحًا؛ لأنَّ المُحالَ لا يُمكنُ وُجودُه لِذاتِه ولو أَرادَه الإنسانُ لَم يُوجَدْ؛ لأنَّه مُحالٌ، لكنَّ انتفاءَ المُمكنِ إِذا كان الانتفاءُ مَدْحًا فهو مَدْحٌ.
وهُنا في قَولِه تَعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ تُفيدُ الآيَةُ أَنَّ الظُّلمَ في حقِّه مُمكنٌ، لكن لِكمالِ عَدلِه لا يُمكنُ، فالظُّلمُ ليس مُحالًا لِذاتِه في حَقِّ اللهِ، بل هو مُحالٌ لِكمالِ عَدْلِ اللهِ، وبِهذا يَتحقَّق المدحُ مَدحُ اللهِ تَعالَى بِانتفاءِ الظُّلمِ عنه، أَمَّا لو كان شيئًا مُحالًا لا يُمكنُ فالمُحالُ لا يُمدَحُ به.
فإِنْ قال قائلٌ: الأُمورُ الَّتي يُحدِّثُ بها الشَّخصُ نَفسَه غَيرَ الشَّكِّ - كالمَعاصي - إذا رَكَنَ إِليها ولَمْ يَعملْ بها هل تَدخلُ في قولِ الرَّسولِ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ تَجاوزَ عن أُمَّتي ما حَدَّثتْ به أَنْفُسَها ما لَم تَعْمَلْ أو تَتكلَّمْ" (^١)؟
فَالجَوابُ: إِن كان فَكَّر فيها ولكن ما هَمَّ بها هَذا لا شَيءَ عليه، ولكنَّ السَّلامةَ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، رقم (٥٢٦٩)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٩٠ ]
أَسلمُ، ولِهذا نَقولُ: إِنَّ مَن أَرادَ المعصيةَ ولَمْ يَفعلْها له ثلاثُ حالاتٍ:
الحالُ الأُولَى: أَنْ يعجَزَ عنها ويَفْعلَ الأسبابَ الَّتي يُريدُ الوصولَ بها إليها ولكن يَعجَزُ كَرَجُلٍ سارقٍ هَمَّ بِالسَّرقةِ ووَضَعَ السُّلَّمَ على الجِدارِ لِيَصْعدَ منه، وبَينما هو في أَثناءِ الصُّعودِ إِذا بِرجُل يَمرُّ في الشَّارعِ فَنَزَل وَهَرَب، هذا يُكتَبُ له عَمَلُ السَّيِّئةِ، كأنَّه عَمِلَها تمامًا مَعَ أنَّه لم يَعملْها؛ لأنَّه أَرادَها وعَمِلَ لها لكن عَجَزَ.
والدَّليلُ على ذَلِكَ قَولُ النَّبيِّ - ﷺ -: "إِذا التَقَى المُسلِمانِ بِسَيفَيهما فالقاتلُ وَالمقتولُ في النَّار"، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هَذا القاتلُ - يَعني: في النَّارِ - فما بَالُ المَقتولِ؟ قال: "لأنَّه كان حَريصًا على قَتْلِ صاحِبه" (^١).
إِذنْ: مَن هَمَّ بالسيِّئةِ وعَمِلَ لها عَمَلها لكن عَجَزَ عن إِتمامِها كُتِبَ له وِزْرُها كاملًا.
الثَّانيةُ: مَنْ هَمَّ بها وتَمنَّاها ولَكنَّه عَجَزَ عَنها بِدونِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَها، فَهذا عليه وِزرُ النِّيَّةِ، والدَّليلُ على هَذا: "أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَخبرَ عنْ رَجُلٍ آتاهُ اللهُ المالَ فَجَعَلَ يَتخبَّطُ فيه، فقالَ الفقيرُ: لو أَنَّ لي مِثلَ مالِ فُلانٍ لَعمِلْتُ فيه عَمَلَ فُلانٍ، قال: فَهو بِنِيَّتِه فَهُما في الوِزْرِ سواءٌ" (^٢)، في الوِزْرِ الإِراديِّ لا العَمَليِّ؛ لِأنَّ هذا لَمْ يَعمَلْ.
الثَّالثةُ: أَنْ يَكونَ هَمَّ بِالسَّيِّئةِ وعَزَمَ عليها، ولكن تَذكَّر خَشْيَةَ اللهِ فتَرَكَها
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، رقم (٣١)، ومسلم: كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، رقم (٢٨٨٨)، من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٣٠)، والترمذي: كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، رقم (٢٣٢٥)، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب النية، رقم (٤٢٢٨)، من حديث أبي كبشة الأنماري - ﵁ -.
[ ٢٩١ ]
خوفًا مِنَ اللهِ، فَهذا تُكتَبُ له حَسنَةٌ كاملَةٌ.
وهُناكَ قِسْمٌ رابعٌ - لَكن لا يَدْخُلُ في تَقسيمِنا -، وَهو مَنْ لم تَطرأْ له المَعصيةُ على بالِه، فَهذا لا يُكْتبُ له ولا عَليه، كإِنسانٍ مُستقيمٍ، ولا يَطْرأُ على بالِه السَّرِقةُ ولا الزِّنا وَلا شُربُ الخَمرِ، هَذا لَيسَ له ولا عليه، لَكنَّ هَذا غَيرُ داخلٍ في تَقْسيمِ الإِرادةِ يَعني: مَنْ أَرادَ السُّوءَ.
* * *
[ ٢٩٢ ]