الْفَائِدَة الأُولَى: إِقرارِ الكُفَّارِ برُبوبيَّةِ اللهِ، وأنَّه المُجيبُ للدُّعاءِ؛ لقولهِم: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ وهذا كَلامُ الكُفَّارِ.
فإِنْ قال قائلٌ: قَولهُم: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ أليس فيه إقرار بالأُلوهِيَّةِ وتَوحيدِ العِبادَةِ؟
فالجَوابُ: لا، دُعاءُ اللهِ تعالَى يَكونُ بالدُّنيا لكنَّهم يَدعونَ اللهَ تعالَى بالضَّرَّاءِ ويَنسونَه في السَّرَّاءِ، وهُناكَ أيضًا في الآخِرَةِ رُبَّما يُقِرُّونَ بأنَّه حقٌّ، لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، لكن لا يَنفَعُهم هذا الإِقْرارُ.
[ ١٦٤ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإنسانَ يَنبَغي له أن يَبتَعِدَ، بل يَجِبُ عليه أن يَبتَعِدَ عن قُرناءِ السُّوءِ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وقد حَذَّرَ النَّبيُّ - ﷺ - مِن جَليسِ السُّوءِ فقال: "المَرءُ على دينِ خَليلِه فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُم مَنْ يُخالِلْ" (^١) أي: على دينِ صَديقِه ومُحِبِّه فَلْيَنْظُرْ أحدُكم مَن يُخالِلُ، وقال ﵊: "مَثَلُ الجَليسِ السُّوءِ كنافِخِ الكيرِ، إمَّا أن يَحرِقَ ثيابَك وإمَّا أن تَجِدَ منه رائِحةً خَبيثَةً" (^٢)، فاحذَرْ قَرينَ السُّوءِ لا تَجتمِعْ به، لا تُصادِقْه، لا تَستأمِنْه على أيِّ شيءٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَبَرُّؤ التَّابعينَ مِن المَتبوعينَ يومَ القيامَةِ، وَيشهَدُ على ذلك قولُهُ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، فالمَتبوعون في آيَةِ البقرَةِ يَتبرَّؤونَ مِنَ التَّابعينَ، كما أنَّ التَّابعينَ أيضًا يَتبرَّؤون مِنَ المَتبوعينَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإضلالَ يَكونُ مِنَ الجِنِّ والإنسِ؛ لقولِه: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ فمُصاحبَةُ الإنسيِّ للإنسيِّ واضحَةٌ، مُصاحبَةُ الجِنِّيِّ للإنسيِّ أيضًا مُستفادَةٌ من قولِه تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: شِدَّةُ حَنْقِ هؤلاءِ الضَّالينَ على المُضلِّينَ؛ لقولِه: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٣٠٣)، وأبو داود: كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، رقم (٤٨٣٣)، والترمذي: كتاب الزهد، رقم (٢٣٧٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، رقم (٥٥٣٤)، ومسلم: كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، رقم (٢٦٢٨)، من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
[ ١٦٥ ]