الْفَائِدَة الأُولَى: وُجوبُ إعْلامِ النَّبيِّ - ﷺ - أمَّتَه بأنَّه بَشَرٌ مِثْلُهم؛ لِقَولِه تَعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: آكديةُ هذا الإعْلانِ؛ حيثُ أُمِر النَّبي -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- أنْ يُبلِّغَه على وجْهٍ خاصٍّ، وذَلِك أنَّ القُرآنَ كلَّه أُمِرَ الرَّسُولُ ﵊ أنْ يُبَلِّغه؛ قالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
لكِنْ -في بعْضِ الأحْيان- يمرُّ بك آياتٌ يُؤمر النَّبي - ﷺ - بتبلِيغها بذاتِها؛ فيكونُ هذا دليلًا على الاعتِناءِ بها وأهميتها، وهو كثيرٌ، مثل قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وما أشبهَ ذلك، فيكونُ في هذا توصية خاصَّةٌ بتبلِيغه، وهو دالٌّ على العِناية به والاهتمامِ به.
الخُلاصَةُ: أنَّ القُرآنَ كلَّه قدْ أُمِرَ النَّبيُّ - ﷺ - بتَبْلِيغه، والدَّلِيلُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وهُناكَ بعضُ الآياتِ يُؤمَرُ النبيُّ - ﷺ - بتَبلِيغها على وجْهٍ خاصٍّ؛ فَيُقالُ: "قلْ كذا"، وهَذا يدُلُّ على العِنايةِ بها والِاهتِمامِ بها، وأنَّها ذاتُ
[ ٣٩ ]
شأنٍ خاصٍّ، وهُنا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، أُمِرَ أن يُبلِّغَ ويُعلِنَ بأنَّه بشَرٌ مِثلُنا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على مَن قال: إنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- خُلِقَ مِن نُور لِقولِه: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وأنه لا ظِلَّ له: يَمشى في الشَّمسِ؛ فلا يَكونُ لَه ظلٌّ.
وجْهُ ذلِك: تحقِيقُ البَشَريَّةِ بالمُماثَلَةِ؛ قال تَعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فأيُّ أحادِيثَ تَأتي بمثْلِ هَذه الأمُور الَّتي تُوجِب أنْ يَخْرُجَ النبيُّ - ﷺ - عَن نِطاق البَشَريَّة، فإنَّها مَوضُوعَةٌ مَكذُوبَةٌ؛ لأنَّه بشرٌ مِثْلُنا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - يلْحَقُه الحَرُّ والبرْدُ والجُوعُ والعَطَشُ والخَوْفُ والأمْنُ، وغيرُ ذلِك منْ مُقتَضَيات البشَريَّة؛ لِعُموم قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، وتَحقِيقُ البَشَريَّة بالمِثْلِيَّةِ حتَّى لا يَقولَ قائِلٌ: إنَّ هذا مَجازٌ، فأكَّد هذِه البشَريَّةَ بالمِثليَّةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- لا يعلمُ الغَيْبَ إلَّا ما أُوحِي إليه؛ لأننا نحن لا نَعلَم الغَيبَ وهُو بشَرٌ مِثلُنا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- لا يَملِك لنَفسه نَفعًا ولا ضَرًّا ولا لِغَيْرِه.
وجْهُ ذلِك: أنَّه مِثلُنا، وإذا كُنَّا نحن لا نَمْلِك لأنفُسِنا نفْعًا ولا ضَرًّا ولا لِغَيرنا، فكذَلِك النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ-.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ موْتَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- مَوتٌ حقيقيٌّ، وأنه بمَوْتِه انقَطَعَ عملُه إلَّا ما يأتِيه مِن ثواب أجُورِ أمَّتِه؛ لِقولِه: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، والمُماثَلةُ تَقتَضي المُساواةَ مِن كلِّ وجْهٍ إلَّا ما خصَّه الدَّليلُ، وبِه ينْقَطِعُ أمَلُ
[ ٤٠ ]
كلِّ مَن طلَبَ منَ الرَّسولِ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- أنْ يَشفَعَ له، فيقِفُ عِندَ قبرِه ويقُولُ: يا رسُول الله، اشْفَعْ لِي! ! فإنَّ هذا لا يجوزُ، لأنَّه اعْتِداءٌ في الدُّعاءِ، حيثُ يَطلُبُ الإنْسانُ ما ليْسَ له، ولا يُمكِنُ للرَّسُولِ أنْ يَفعَلَه -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- لأنَّه ماتَ، وإذا ماتَ ابنُ آدَم انقَطَعَ عمَلُه، لا بالدُّعاءِ وَلا غيْرِه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: بَعضُ النَّاس يَذهَبون إلَى قبْرِ النَّبي - ﷺ - ويدْعُون اللهَ هُناك وَيَستَدِلُّون بِقول اللهِ تَعالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، وَيَقولُونَ: إنَّ هذِه الآيةَ لا تدلُّ على الخُصُوصيةِ، وما ذَنبُ مَن يَأتون مِن بَعْده أنَّه لا يَستَغفِرُ لهُم النَّبيُّ - ﷺ -؟
فالجَوابُ: هذا داخِلٌ في قولِه تَعالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] إنَّ الَّذي قال له: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤]، يتَحدَّث عَن قومٍ معيَّنِين، بِدلِيلِ قولِه: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾، و"إذ" لِما مَضَى، وقولُه: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ يعني استَغْفَرتَ لهم، لكنْهُنا أظْهَرَ في مَقام الإضْمارِ؛ تَعظِيمًا لشَأنِ الرَّسولِ ﵊ وبيانًا لأَنَّه أقرَبُ مِنهم إجابَةً، ثمَّ قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤ - ٦٥] إلى آخرِه؛ ولم يقلْ:
ولو أنَّهم إذا ظَلَموا أنفُسَهم، فإنَّه لو قال: إذا ظَلَموا قُلْنا: هَذه لَهم ولغَيرهم، ولكِن قال: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾.
ثمَّ إنَّ استِغفارَ الرَّسُولِ ﵊ بَعْد مَوْتِه مُستَحيلٌ؛ لأنَّ الِاسْتغفارَ عَمَلٌ، والعَمَلُ قدِ انقَطَعَ بموْتِه.
ثمَّ إنَّ هؤُلاء ليْسُوا أفقَهَ في كِتابِ اللهِ، وليْسُوا أعلَمَ بِحالِ رسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ
[ ٤١ ]
الصَّحابةِ - ﵃ - فهل أحدٌ مِنهُم جاءَ إلَى قبْرِ الرَّسُولِ، قال: يا رَسُول الله استَغْفِر لي؟ .. أبدًا! بلْ إنَّهم لمَّا أُصِيبُوا بالجدْب لم يَقولوا: يا رسُول الله، هلَكَتِ الأْمْوالُ وانقَطَعتِ السَّبلُ، فادْعُوا اللهَ يُغيثُنا، مَع أنَّهم إلى جَنْبه، بل هُم استَغاثُوا، ودعَوُا الله، وطلَبَ عمَرُ منَ العبَّاسِ، أنْ يدعُوَ اللهَ ﷿ (^١).
ولكِنْ لا بدَّ لكلِّ ذي باطِلٍ أنْ يجِدَ شُبهةً في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهَذا مِن حِكمةِ الله ﷿ وابتلائه وامتِحانِه، ولكِن كما قال شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ في كِتابِه (دَرْء تَعارضِ العَقْلِ والنَّقْلِ) وِفي (فتاواه) أيضًا؛ يقولُ: "كلُّ إنْسانٍ يَستدِلُّ بدَليلٍ صَحيحٍ مِنْ كِتابٍ أو سُنَّةٍ على باطِلٍ، فإنَّ هذا الدَّليلَ دَليلٌ على إبْطالِ باطِلِه لا على إثْباتِ باطِلِه"؛ والدَّليلُ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قدْ يَنْسى؛ لأنَّ هذا مُقتَضى البَشَريَّةِ، وكما حقَّقَ ذلِك في قولِه: "إنَّما أنا بشرٌ مِثْلُكم أنْسى كما تَنسَوْن" (^٢) إثْباتِ باطِلِه.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ النَّبيَّ - صلى اللهُ علَيْه وعلَى آلِه وسلَّم- يجتَهِدُ، ورُبَّما يُخطِئ في اجتِهاده؛ لأنَّ هذا مُقتَضى البَشرِية، وكما هُو الواقِعُ في مِثلِ قوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وفي قولِه تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، رقم (١٠١٠)، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب التوجه إلى القبلة، رقم (٤٠١)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم (٥٧٢) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
[ ٤٢ ]
يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠].
ولكنه - ﷺ - يَمتازُ عن غيره: في أنه لا يُقَرُّ على خطأٍ -ولو بالاجتِهادِ- بخلافِ غيرِه، فقدْ لا يُذكَّرُ ولا يَذْكُرُ إذا نَسِي، وقد لا يُعَلَّمُ ولا يَعْلَمُ إذا جهِلَ، يعني: خطؤُنا نحنُ قد نَستمرُّ عليه دون أن نُنبَّه له أو أن نَنْتَبِه، لكنَّ الرَّسولَ - ﷺ - لا يُمكنُ أنْ يُقَرَّ على خطأ، ولا يمكنُ أن يُقَرَّ على نِسيانِ ما يجبُ، بل لا بدَّ أن يَتنبَّه أو يُنبَّه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثْباتُ رِسالَةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- تُؤخَذُ مِن قولِه: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ لأنَّ الوَحْيَ لا يَكون إلَّا لنَبىٍّ.
فإنْ قالَ قائلٌ: كَيفَ تَقُولون: إنَّ الوَحيَ لا يَكون إلَّا لِنبيٍّ، وقدْ أوحَى الله تَعالَى إلَى غيرِ الإنْسانِ فَقال الله تَعالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ وقال تَعالَى في غيْرِ الأنْبِياءِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]؟
قُلنا: هَذا الإشْكالُ لا يَرِدُ إلَّا على مَنْ لا يُفرِّقَ بينَ مَعاني الوَحيِ، فأمَّا مَن فرَّقَ بينَها، وقالَ: إنَّ الوحْي إمَّا أنْ يَكونَ بشَرْعٍ، وإمَّا أنْ يَكونَ بغيْرِه، فإنْ كان بشَرْعٍ فهَذا لا يكُونُ إلَّا للرُّسُلِ أوِ الأنبِياءِ، وإنْ كانَ بغَيْرِ الشَّرِع فإنَّه يكُونُ مِن بابِ الإلْهامِ، فيَكونُ قوله تَعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: ألْهمَها أنْ تتَّخِذَ مِنَ الجِبالِ بُيوتًا .. إلَى آخِرِه، وكذَلِك قوله تَعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ يَعنِي: وحْي إلْهامٍ، وبذلِك يَزولُ الإشْكالُ.
مسْألة: في تَعريفِ النَّبيِّ أنَّه مَنْ أُوْحي إليْه ولَم يُؤمَرْ بالتَّبْليغِ، فَإذا قال قائِلٌ: كَيف ونَحنُ -أُمَّةَ النَّبيِّ - ﷺ - لمْ يُبلَّغ إلَيْهم، ومَع ذلِكَ أُمِروا بالتَّبْليغِ؟
[ ٤٣ ]
الجَوابُ: هذِه مسْألة تنْبَني على اختلافِ العلماءِ، في مَن هو "النَّبيُّ" ومَن هو "الرَّسول"، فجُمهورُ العُلَماءِ على أنَّ الرَّسولَ هُو مَن أُوحي إلَيه بالشَّرعِ وأُرسِلَ به، وأُمِرَ أنْ يُبلِّغَه؛ وأمَّا النَّبيُّ فهُو مَنْ نُبِّئَ أي: أُخبِرَ، والإخْبارُ لا يلْزَمُ مِنه التَّكلِيفُ بالإبْلاغِ؛ فهُو مَن أُوحِيَ إلَيْه بشَرْعِ ولَم يُؤمَرْ بتَبلِيغِه، بلْ أُمِرَ أنْ يفْعَلَه بنَفْسِه، فيَكونُ هذا الإنْباءُ تجديدًا للرِّسالَةِ السَّابقةِ، أو إنْشاءً لِشرِيعة لَم تكن قائِمةً.
وهَذا هو الَّذي قالَه الجُمهورُ وهو الصَّحيحُ؛ لأننا لو قُلنا: إنَّ النَّبيَّ هو من جدَّدَ شريعةً سابِقةً وأمَرَ أنْ يُبلِّغَ النَّاسَ وأنْ يُوقِظَهم. لو قُلنا: النَّبيُّ هو هَذا لَأَشْكلَ علينا نُبوَّةُ آدَمَ ﵇، فإنَّ آدمَ نبيٌّ مُكلَّمٌ، ومع ذلِك لم يَسبِقْه رسُولٌ.
فإنْ قال قائلٌ: ما الفائدَةُ إذنْ؟
قُلنا: الفائدةُ؛ أوَّلًا: مَصلَحةُ هَذا النَّبيِّ هو بنفْسِه فإنَّه أوحِيَ إلَيه بشَرْعٍ.
ثانيًا: أنه إنْ كانَ في شَريعةٍ سابقةٍ، فهُو عِبارةٌ عَن تَجديدِ تِلكَ الشَّريعةِ، وإنْ كان في غيرِ شريعةٍ سابقةٍ كآدمَ، فإنَّ النَّاسَ في عهدِه بدائيُّون لم يكثروا ولم يختلفوا ولم تُفتَحْ عليهِم الدُّنيا، فكانوا يَنظُرون إلى ما يَفعَلُه أبوهم فيَفعَلونه، دُون الحاجَةِ إلى أنْ يُرسَلَ إلَيهم؛ ولهَذا قالَ الله تَعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] يَعني فاختَلَفوا؛ ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
فيَتَرجَّحُ عندي قولُ جمهُورِ العلَماءِ: أنَّ "النَّبيَّ" هو مَن أُوحِي إليه بالشَّرعِ، ولم يُؤمَرْ بتبْلِيغِه؛ وأمَّا نحْن فلمَّا لم يَكُنْ بعدَ رسولِ اللهِ - ﷺ - نبيٌّ صِرْنا مأمُورين بإبْلاغِ رِسالتِه، فنَحن -في الحقِيقةِ- رُسلُ رسُولِ الله؛ ولهِذا جاءَ في الحَديثِ: "أنَّ العُلماء
[ ٤٤ ]
ورَثَة الأنبِياء" (^١).
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أهميَّةُ التَّوحيدِ؛ حيثُ حُصرَ الوَحيُ بالتَّوْحيدِ؛ قالَ تَعالى: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ مَع أنَّه يُوحَى إلَيهِ أشْياءُ أُخرَى كالصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيرِ ذَلِك، لكِن لمَّا كانَ أهمُّ ما جاء به - ﷺ - التَّوحيدُ حُصِرَ الوحْيُ بِه؛ فقالَ: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨].
وإنِّي أقُول: مَتى حقَّق الإنْسانُ التَّوحيد فلا بُدَّ أنْ يقومَ بشَرائع الإسلامِ؛ لأنَّه إذا وحَّدَ الله بالقَصْدِ وجَعلَه هو حَياتَه، فلا بُدَّ أنْ يتَّجِه إلَيه، بالطَّرِيقِ الَّذي شرَعَه مُوصِلًا إلَيه؛ ولهذا نَقول: إنَّ حَدِيثَ عَتْبانَ - ﵁ -: "إنَّ الله حرَّم على النَّارِ مَنْ قال لا إلَه إلَّا اللهُ يَبْتَغي بذَلِك وجْهَ اللهِ" (^٢)، هُو على ظاهِرِه، فمَنْ قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ يَبْتغي بذلِك وجْهَ الله، فإنَّه محرَّمٌ على النَّارِ، ومُقتَضَى تَحْرِيمِه على النَّار ألَّا يَعْملَ كَبيرَةً تُوجِبُ دُخُولَه النَّارَ، أو تَقتَضي دُخَولَه النَّارَ.
فكلُّ مَن قال: لا إلَه إلَّا الله يَبْتغي وجْهَ اللهِ، فلَن يَعملَ ما يُغضِبُ اللهَ؛ إذْ كيف تُريدُ وَجْهَه ثمَّ تَعمَلُ ما يُغضِبُه؟ ! فإنَّ عملَ ما يُغضِبُه يصُدُّك عنِ الوُصُولِ إلَى وجْهِه، وإذا كانَ يَصدُّك وأنتَ تبتَغِي وجْهَه فلا بُدَّ أنْ تَعدِلَ عنه، إمَّا بالكفافِ مُطْلقًا وإمَّا بالتَّوبةِ مِنْه إنْ وقَعت فِيه. وليُنتبَهَ لهذِه النُّقطةِ؛ لأنَّ بعضَ النَّاسِ يَقولُ لَنا: أنتُم
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ١٩٦)، وأبو داود: كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم (٣٦٤١)، والترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم (٢٦٨٢)، وابن ماجه: كتاب المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم (٢٢٣)، من حديث أبي الدرداء - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، رقم (٤٢٥)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر، رقم (٣٣).
[ ٤٥ ]
تُكفِّرون تاركَ الصَّلاةِ، وقد قالَ النبيُّ - ﷺ -: "إنَّ الله قَد حرَّمَ على النار مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهِ يَبْتَغي بِذلِك وجْهَ اللهِ" (^١) ولَم يَذكُرِ الصَّلاةَ، قُلنا له: بلْ ذَكَرَ الصَّلاةَ وذَكَرَ ما دُون الصَّلاةِ أيضًا في قَولِه: "يَبتَغي بذلِك وجْهَ اللهِ".
ونَحْن نَقُولُ: لا يُمكِنُ بأيِّ حالٍ منَ الأحْوالِ أنْ يكُونَ رجُلٌ يَقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللهَ يَبْتَغي بذَلك وجْهَ الله، أنْ يُحافِظَ على تَرْكِ الصَّلاةِ أبدًا، وإنَّ مَن حاوَلَ أنْ يَجمَعَ بيْن ذلِك وبيْن ترْكِ الصَّلاةِ، فقَد حاوَلَ أنْ يجْمَع بيْن الماءِ والنَّارِ، وهَذا أمرٌ ظاهرٌ.
وسأَضرِبُ مَثلًا -ولله المَثَلُ الأعْلَى-: لو كُنتَ تُريد أنْ تَصِلَ إلَى شخْصٍ منَ النَّاسِ، وتَسْعى بكلِّ وَسِيلةٍ أنْ تَصِلَ إلَيه، هلْ تَفْعلْ ما يحولُ بينَك وبيْن الوُصُولِ إلَيه مِنْ مَعصِيَتِه؟ أبدًا! بلْ تَنْظرُ ماذا يُحبُّ فتفْعَلُه مِن أجْلِ أنْ تصِلَ إلَيْه، ومن أجلِ أنْ يكُونَ مُستقبِلًا لك بالتَّرْحيبِ.
أمَّا أنْ تَقولَ: واللهِ أنا أُحِبُّ فُلانًا وأُحِبُّ أنْ أصِلَ إلَيْه، وفُلانٌ يَقولُ: لا تَمْشِ مَع هذا الطَّرِيقِ، وإذا أرَدْتَ أنْ تأتِي إليَّ فائتِني مَع الطَّريقِ الأيمَنِ؛ فقُلتَ: والله أنا أحِبُّ فُلانًا، وأحِبُّ أنْ أصِل إلَيْه، ولكِن مَع الطَّريقِ الأيسَرِ، فتَمْشي فيه وأنْت تقُولُ: واللهِ أنا أُحِبُّ هذا وأعَظِّمُه، وهُو أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسي. فهَذا كذِبٌ لا شكَّ.
إذَنْ: كلُّ مَن قال: لا إلَه إلَّا الله يَبْتَغي بذلِك وجْه الله، فإنَّه سوْف يَتَحاشى المَعاصِي ولَو صَغِيرة؛ ولهذا جاء حصْرُ الوَحْيِ في هذِه الآيةِ بالتَّوحِيدِ: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وَهُو الله ﷿.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، رقم (٤٢٥)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر، رقم (٣٣).
[ ٤٦ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجُوبُ الإخْلاصِ للهِ والِاسْتِقامَةِ على دِينه؛ لِقَولِه: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾؛ فـ"استَقِيموا" هَذا الْعَمَلُ، و"إلَيْه" هَذا الإخْلاصُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَهديدُ المُشرِكين؛ لِقولِه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وهَذا النَّوعُ مِنَ التَّهديدِ يَكونُ فيما هُو شِركٌ، وَيكون فيما هُو دُون ذلِك؛ فقَد قال الله تَعالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٢] وَهَؤلاء لَيسُوا بمُشرِكين، يعْني أنَّ عمَلَهم هَذا لا يُوصلُ إلَى الشِّرك، وقال النبيُّ - ﷺ -: "وْيلٌ لمِن حدَّث فكذَبَ ليُضحِكَ به القَوم، ويلٌ له! ثمَّ ويلٌ له! " (^١)، وهَذا أيضًا ليسَ منَ الشِّركِ.
وعَلى هَذا فَلا يُقالُ: إنَّ كلَّ وعِيد كان بهَذه الكَلِمةِ يُفيدُ أنَّ الفِعلَ شِرك، بَل قَد يَكونُ شِركًا أو ما دُونَه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التَّوحيدَ تَزْكِيةٌ للنَّفْسِ؛ لِقَولِه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، ولا شكَّ أنَّ التَّوحيدَ تَزْكِيةٌ للنَّفْسِ؛ لأنك تَقْطعُ العَلائقَ مَع غَيْرِ اللهِ إلَّا فيما يُحبُّ اللهُ.
فالمُوَحِّدُ حقِيقةُ قلْبِه دائمًا مَع اللهِ ﷿ دائمًا يَتَقلَّبُ في قضائِه الكَونىِّ راضِيًا به كَما يتَقلَّبُ في قضائِه الشَّرعيِّ راضيًا به؛ ولهذا تَجِدُه إذا أصابَته سرَّاءُ شكَرَ ولم يَبْطَرْ، وإذا أصابَتْه ضرَّاءُ صبَرَ ولم يتسَخَّطْ؛ فهو دائمًا مَع اللهِ، يَقولُ لنَفْسِه: أنا عبْدُ اللهِ يَفْعلُ بي ما شاء، أنا عبْدُ اللهِ إنْ أصابَني بالسَّرَّاءِ شكَرْتُ فكان خيْرًا لِي، وإنْ أصابَني بالضَّرَّاءِ صبَرْتُ فكان خيرًا لي، أنا عبْدُ اللهِ لا يُمكِنُ أنْ أُعارِض قضاءَ اللهِ، يَقضي
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٢)، وأبو داود: كتاب الأدب، باب في التشديد في الكذب، رقم (٤٩٩٠)، والترمذي: كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس، رقم (٢٣١٥)، من حديث معاوية بن حيدة - ﵁ -.
[ ٤٧ ]
عليَّ اليومَ بالسُّرورِ فأُسَرُّ، وغَدًا بالسُّوءِ فأَسْتاءُ؛ فيَمْشِي مَع اللهِ مَع قضائه وقَدَرِه، وهَذا هو الَّذي يجِدُ الرَّاحةَ تمامًا.
ولهذا مِن ثمَراتِ الإيمانِ بالقدَرِ: أنَّ الإنْسانَ يَكونُ دائمًا مُطمَئنًّا لَيس به قَلَقٌ ولا حُزْنٌ، وإنْ كان ربَّما في الصَّدمةِ الأولى يجِدُ الإنسانُ الحُزْنَ، لكِن بالتَّصْبِيرِ -تَصْبِير نفسِه- ومُشاهَدةِ القَدَرِ يُسَهِّلُ علَيه الأمْرَ، وإلَّا فمِن المَعلُومِ أنَّ الإنسانَ ليسَ حدِيدًا ولا حِجارةً فَلا يَتَأثَّرُ! لكِنَّه عِندما يُصَبِّرُ نفْسَه ويَحمِلُها يَصبِرُ فيَطمِئنُّ.
فالمهمُّ: أنَّ التَّوحيدَ كلَّه خيرٌ، وكلَّه زَكاةٌ؛ تَزكِية للنَّفسِ وتَطْهيرًا لها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ المُشرِكين لا يُؤمِنون بالآخِرةِ؛ ولهذا إذا قِيلَ له: وحِّدِ اللهَ تنْجُ مِن عَذابِه، قال: ليسَ هُناك عَذابٌ؛ فيَكفُرون بالآخِرَةِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإيْمانَ بالآخِرَةِ يدْعُو إلَى التَّوحِيدِ وتحقِيقِه، وهذا حقٌّ وواقِعٌ، فكلُّ إنسانٍ يُؤمِنُ بأنه سَوف يُحشَرُ يومَ القِيامةِ في أرضٍ قاعٍ صفصفٍ، لا يرى فيها عِوجًا ولا أمْتًا، وأنه سيُجازَى على عمَلِه، وكلُّ إنسان عاقِل سَوف يستَعدُّ لهذا اليَومِ؛ ولِذلك يَنْبغي لَنا مَع كَون قُلوبِنا مَع الله ﷿ أنْ نتَذكَّرَ السَّاعةَ وقِيامَ النَّاسِ، ولَيس بيْن الإنْسانِ وبين هذِه الحالِ وقْتٌ محُدَّدٌ مَعلُومٌ أبدًا. ولا يَصِلَ إلى هذا إذا مات ومَتى يَمُوتُ ولا يعْلَمُ؛ فقدْ يَخْرجُ الإنسانُ مِن بَيْتِه ولا يَرجِعُ إلَيه، قدْ ينامُ على فِراشِه ويُحمَلُ مَيتًا، قدْ يَركَبُ سيَّارَتَه ولا يَنزِلُ مِنها.
فإذن تَذكَّرْ -يا أخِي- عِنْدما تَستَولي على قلْبِك الغَفْلةُ هذا اليَوْمَ الَّذي تُحشَرُ فيه أنت وسائِرَ الخلْقِ حافيًا عاريًا أغْرَلَ، لَيس عِندَك مالٌ ولا بَنون وَلا أحدٌ يَحمِيك، تَذكَّرْ هَذا! فَإذا تَذَكَّرتَه فَسَوف تَعمَلُ لهذا اليَومِ، وإنَّ إخْوانَك وأوْلادَك وآباءك
[ ٤٨ ]
الَّذِين فقَدتَهم في الحياةِ ستَجتَمعُ بهم في هذا اليَومِ، ولَيس هُناك اجْتِماعٌ إلَّا في هذا اليَومِ.
إذن: استعِدَّ لهِذا اليَومِ، فاعْمل صالحًا ولا يفُتكَ الرَّكبُ، وكُن في مُقَدِّمَتِه، واجْعَلِ الدُّنيا وراءَ ظَهْرِك، اجْعَلها تابِعةً لك ولا تَجْعلْ نَفسك تابعًا لَها حتَّى تنْجُوَ، فكُلُّ إنْسانٍ يُؤمِنُ بالآخِرةِ فإنَّه إذا تَذَكَّرها سَوف يَعْمَلُ لها، لِقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، أسْأل اللهَ تَعالى أنْ يَجْعلَني وإيَّاكُم مِنَ المُتَّقِين الَّذِين يُؤمِنون بالآخِرةِ وَيعْمَلون لها.
[ ٤٩ ]