* قالَ اللَّه ﷿: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].
* * *
قال ﵀: [﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: العَمَد جمع عِماد، وهو الأُسطوانة، وهو صادِق بأن لا عَمَدَ أَصلًا] قوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جَمْع سَماء، ويُطلَق السماء على كل ما على، ويُطلَق على السموات ذات الأَجْرام المَحسوسة، والمُراد هنا ذات الأجرام المَحسوسة، خلَقها اللَّه ﷿ بغَيْر عمَد.
وقوله: [والعَمَد جَمْع عِماد كالأُسطوانة]، فالعَمود المَعروف، يَعنِي: ليس لها أَعمِدة تَحمِلها؛ وهل المَعنَى أن لها عمَدًا لا ترى، أو أن المَعنَى أنه لا عمَدَ لها؟
الجَوابُ: فيه اختِلاف؛ فقيل: إنه لا عمَدَ لها، وهو ما جرَى عليه المُفَسِّر ﵀ قال: [وهو صادِق بأن لا عَمَدَ أصلًا] بمَعنَى أنه يَصلُح أن تَقول: هذا ليس له عمَد تُرَى، يَعنِي: إذا انتَفَت رُؤْيتها انتَفَتْ هي؛ لأنه لو كانت لرأَيْناها كما نَرَى السماء، فلمَّا لم نرَها فمَعناه: أنه لا وُجودَ لها.
وقال بعضُهم: نعَمْ، هي ليس لها عمَدٌ، لكن الضمير في قوله ﷾: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ لا يَعود على العَمَد، إنما يَعود على السماء؛ قال ﷿: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
[ ٥٣ ]
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: السمَواتِ كذلك لا عمَدَ لها.
وقال بعضُ المُفسِّرين: إن مَعنَى قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أن لها عمَدًا، لكن لا تُرَى.
والصواب: أنه لا عمَدَ لها، وأن اللَّه ﷿ أَمسَكها بقُدْرته، كما قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، فكونها لا يَكون لها عمَدٌ أبلَغُ في قُدرة اللَّه ﷿.
فالآيةُ لها مَعنَيان: الأوَّل: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ أي: لا عمَدَ لها، والثاني: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، أي: لها عمَدٌ، لكن لا تُرَى، والمَعنَى الأوَّل هو الصحيح، ولكن المَعنى الأوَّل له تَخريجان:
أحَدُهما: أن يَكون قوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ الهاء تَعود على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يَعنِي: أنكم تَرَوْنها كذلك لا عمَدَ لها، فهي لا عمَدَ لها.
والثاني: يَعود على العمَد، أي: بغَيْر عمَد تَرَوْنها، وهو صادِق بأنه ليس لها عمَد أَصْلًا كما تَقول: ليس في هذا المكانِ عَمود أَراه. المَعنى: ليس فيه عَمود.
وهذا -أَعنِي: كونَه لا عَمدَ لها- أصَحُّ وأبلَغُ في قُدْرة اللَّه تعالى، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
قال ﵀: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جِبالًا مُرتَفِعة] ﴿وَأَلْقَى﴾ بمَعنَى: وضَع ﴿فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جَمْع راسِية، وهذه الرَّواسِي هي: الجِبال.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢] فهي رَواسٍ لنَفْسها، وهي أيضًا مُرْسِية للأرض مُثبِّتة لها.
[ ٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنْ﴾ لا ﴿تَمِيدَ﴾ تَتَحرَّك ﴿بِكُمْ﴾] فقَدَّر (لا) النافية بعد (أَنْ)، وهذا مَوْجود، فإنَّ (لا) النافيةَ قد تُقدَّر بعد (أَنْ) مع حَذْفها؛ وقد تُوجَد بعد (أَنْ) وهي زائِدة مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، فهنا (لا) زائِدة بعد (أَنْ)، والتقدير: لأَنْ يَعلَم أهل الكتاب أَنْ لا يَقدِرون.
وقد تُحذَف وتَكون مُقدَّرة كما في هذه الآيةِ: أن لا تمَيد بكم؛ لأنّهُ مِن المعلوم أنَّ اللَّه تعالى ما أَلقَى هذه الرواسِيَ لِأَجْل أن تَميدَ بنا، وإنما أَلقاها لئَلَّا تَميد، فتكون (لا) هنا عَيَّنَها السِّياق.
وقال بعض المُعْرِبين: أنه لا تُقدَّر (لا)، بل يُقدَّر اسم مُناسِب، أي: كراهةَ أن تَميدَ بكُمْ، نعَمْ، وقالوا: إنَّ هذا أَوْلى؛ لئلا نُفسِّرَ الإثباتَ بالنفي؛ لأننا إذا قلنا: التقدير: أن لا تَميد بكم. فسَّرنا الإثباتَ بالنفي، فإذا قُلْنا: كراهةَ أن تَميد بكم. فإننا نُفسِّر الإثباتَ بإثباتٍ، لكن على تَقدير المُضاف.
وهذا له نظير مِثْل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، فالبَيان هنا سبَبٌ لِعدَم الضلال، إِذَنِ المَعنَى: يُبَيِّن اللَّه تعالى لكم كراهةَ أن تَضِلُّوا، على قول، أو أَنْ لا تَضِلُّوا، على قولٍ آخَرَ.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: ﴿تَمِيدَ﴾، قال ﵀: [تَتَحرَّك بِكُمْ]، فَسَّر المُفَسِّر المَيَدَان بِالحرَكة.
والصواب: أنَّ المَيَدان حرَكة خاصة، وهو الاضطِراب، وليس مجُرَّد الحرَكة، فاللَّهُ ﷾ أَلقَى في الأرض رَواسِيَ حتى لا تمَيدَ؛ أي: لا تَضطَرِب، وذلك لأنَّ الأرض مَوْضوعة على الماء، فإنَّ جميع جوانب الأرض من كل ناحية ماء،
[ ٥٥ ]
والجِسْم إذا وُضِع في الماء يَتَحرَّك ويَضطَرِب لا شَكَّ، فإذا كان كذلك فلا بُدَّ مِن شيء يَحفَظُ تَوازُنه، وذلك الشيء هو الجِبال، فجعَل اللَّه ﷾ الجِبال فيها على الأرض حتى لا تَضطَرِب بالناس.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، يَعنِي: أن تَضطَرِب، وعند عُلماء الجُيُولُوجيا مِن هذه الحِكَم والعِلَل شيءٌ كثير؛ لأنه في بعض الأماكن تَكثُرُ الجبال العظيمة الطويلةُ الكبيرة، وفي بعض الأماكِن تَقِلُّ، وهذا يَرجع إلى الحِكْمة التي خلَقها اللَّه ﷿، وقد تَخْفَى علينا، لكنها عند العُلَماء مَعروفة.
قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ﴾ بمَعنَى: نَشَرَ ووَزَّع ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الدَّابَّة: اسم فاعِل؛ أي: مِن كُلِّ نفسٍ دابَّةٍ، فهي اسم فاعِل من دَبَّ يَدُبُّ، إذا ضَرَبَ ونَشَر، والدابَّة يُطلَق عُرْفًا على ذاتِ الأربَع، ويُطلَق أيضًا في عُرفٍ أخَصَّ على الحِمار فقَطْ.
أمَّا مَعناها في اللغة العربية فهي: كل ما دَبَّ على الأرض، سواءٌ يَمشِي على أربع، أو على اثنَيْن، أو على أَكثَرَ، أو على بطنِه أو على رِجْلَيْن، كُل ذلك يُسَمَّى دابَّةً.
ونَشَرَ اللَّه ﷿ في الأرض هذه الدوابَّ لحِكمةٍ عظيمة؛ لأنَّ مِن هذه الدوابِّ ما هو نافِع ويَنتَفِعُ الناس به، ومنها ما هو ضارٌّ، فيَحتَرِز الناس عنه، ومنها ما لا نَفعَ فيه ولا ضرَرَ، فيَعرِفُه الناس بما جعَل اللَّه ﷿ فيه مِن الآيات، فيَعرفون به كمالَ قُدرةِ اللَّه تعالى وحِكْمتِه.
فالأشياءُ النافِعة ظاهِرةٌ حِكمتُها مثل نَفْع العِباد، وقيام مَصالِح دِينِهم ودُنيَاهُم بها، مِثْل قولِه ﷾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا
[ ٥٦ ]
مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣] هذا نَفْع.
ومِنها ما هو ضارٌّ، والحِكْمة مِن خَلْق الضارِّ كثيرة مِنها:
١ - بيانُ كَمالِ قُدرةِ اللَّه ﷿ حيث كان قادِرًا على أن يَخلُقَ ما فيه مَنفَعة ومَصلَحَة، وما فيه مَضرَّة، فالكلُّ خَلْقُ اللَّه تعالى، والكُلُّ دَابَّة، والكلُّ مِن مَاء، ومع ذلك هذا نافِع وهذا ضارٌّ، هل العَقْرب أكبَرُ أمِ البَعير؛ ولا يَحتاج أن أَقول: إن البعير أكبَرُ. لكن مع ذلك العَقربُ مؤذِيَة ضارَّة والبعِير بالعَكْس، تَجِد البعير يَأتي الطِّفْل الصغير يَقوده لمِا يُريد، فتَمشِي معه، وهذه حِكْمة.
٢ - أنَّ الإنسان يَعرِفُ بذلك قَدْرَ نفسِه؛ فإذا الإنسانُ المُتَمَرِّد المُستكبِر يَعرِف قَدْر نَفْسه في هذه المَخلوقاتِ المُؤذِية؛ ولهذا يُقال: إن مَلِكًا جبَّارًا كان جالِسًا وحولَه مِن أهل العِلْم مَن حَولَه، فكان يَقول: ما الحِكْمة مِن خلْق هذه الذُّبابةِ؟ فقال له رجُل: الحِكْمة مِن ذلك أن يُرغِمَ اللَّه تعالى بها أُنوف الجبابِرة مِثلك، فهذه الذُّبابةُ تَقَع على أَنْف أيِّ إنسان وتَذْرِق عليه، فهذا من الحِكْمة: أن يَعرِف الإنسان قَدْر نفسِه، وأنَّه ضعيف بالنِّسبة إلى قُوَّةِ اللَّه ﷿، فالبَعوضة ليست بشيء، ضَعيفة مَهِينَة، ومع ذلك تُقِضُّ مَضْجِع الإنسان حتى لا يَنام، فهذا مِن الحِكْمة.
٣ - أنَّ الإنسان يَذوق الألَم بها والعَذاب حتى يَعرِف أنَّ العذاب غير مُلائِم له، فيُوجِبُ له ذلك النُّفورَ مِن مَعصية اللَّه إلى طاعة اللَّه ﷿.
٤ - أنَّ الإنسان ربما يَحمِله الخوف منها على أن يَقومَ بما يَنبَغي أن يَقومَ به مِن الأوراد والأذكار، فكثيرٌ مِن الناس قد يُورِد ويَقرَأ ما يَعصِمه مِن الأذى ليس بسبَب شَياطين الجِنِّ، ولكن خوفًا ممَّا يُؤذيه حِسًّا، وهذا شيء مجُرَّب ومُشاهَد.
[ ٥٧ ]
وقد حكَى لي بعض الناس الثِّقات أنَّه كان مِن عادتِه أن يَقرَأ آية الكُرسيِّ كلَّ ليلة يَقول: فنَسِيتها ذاتَ ليلة فلُدِغْتُ بعد النوم. لُدِغ لأنَّه ليس عنده مِن اللَّه تعالى شيءٌ حافِظ، وقد قال -ﷺ-: "وَمَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ" (^١).
هذه مِن الحِكَم: أن اللَّه ﷾ بَثَّ في الأرض مِن هذه الدوابِّ المُؤذِية.
أمَّا ما لا نَفعَ فيه ولا ضرَرَ من الدواب فإنَّ الإنسان يَستَدِلُّ به على حِكْمة اللَّه ﷿ وأنه محُطٌ بكل شيء، تَجِد هذه الدوابَّ على كَثْرة أنواعها لا تَستَطيع أن تُحصِي أنواعَها فَضْلًا عن أفرادِها، فما بالُك وقد أَعطاها اللَّه تعالى الهِداية لما هو مِن مَصالحِها؟ ! قال موسى ﵊ لمَّا قال له فِرعونُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠].
وأنت إذا رأَيْت هذه النَّملةَ الصغيرة كيف هَداها اللَّه ﷾ إلى مَصلَحتِها ومَنفَعتِها؟ كيف تَدَّخِر القُوتَ لها؟ وكيف تَجْلُبُه مِن بعيد؟ وكيف تُكَسِّر أطراف الحُبوب؟ السِّرُّ الذي مِنه تَنْبُت تُكَسِّرُه قبل أن تَختَزِنه، حتى لا يَنبُت؛ لأنَّه إذا جاءَه المَطَر والنَّدى فإنه يَنْبُت، لكن إذا كُسِر أَعلاه الذي هو سِرُّه الذي يَنبُت مِنه فإنَّه لا يَنبُت، مَن الذي أَلَهمَها ذلك؟ هو اللَّه ﷾، هي ما درَسَت في مَدارِسَ، ولا تَخرَّجت في الثانوية، ولا قرَأَت في كُلِّيَّة العُلوم، لكنَّ اللَّه ﷾ هو الذي عَلَّمها ذلك.
وقد شاهَدْتُ أنا عندما تَسقِي النَّخلة وحولها ذَرٌّ ويَأتِي النَّدى إلى أولادها؛
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجلًا فترك الوكيل شيئًا، رقم (٢٣١١)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٥٨ ]
تَخرُج بأولادها حامِلةً لهم -وأولادها بَيْض لم يَحْيَ بعدُ إلى الآنَ- تَجِد كل واحدة مِنهم حامِلة ولَدها تَخرُج به عن هذا الماءِ؛ حتى لا يُصيبَه أو يُهلِكَه، وهذا مِن آيات اللَّه ﷿، يَتَبَيَّن بِه الإنسان حِكْمة اللَّه ﷾، وأنَّه واسِع عليم، وأنه بكل شيء مُحِيط، وأنه لا يَخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السَّماء.
وقد ذكَر ابنُ القيِّم ﵀ في (مِفتاح دار السعادة) (^١) مِن هذه الأمورِ أشياءَ عَجيبةً، وذَكَرَ أنه ذُكِرَ لِشيخِ الإِسلام ابنِ تيميَّةَ ﵀ أنَّ رجلًا وَضَعَ شيئًا من الطُّعْم لِذَرَّة مِن الذرَّات، فلما رأَتِ الطُّعْم هذا لم تَستَطِع أن تَحمِلَه فهو كبير، فذهَبَت إلى أخواتها، فاستَصْرَخَتْهم، فجاؤُوا إلى هذا المكانِ، يَقول: فلما أَقبَلوا نَزَعَ الطُّعْم، فجعَلوا يَبحَثون في مَكان فلم يَجِدوا شيئًا فرَجَعوا، فوضَعه ثانِيةً، فلمَّا وجَدَتْه الذَّرَّة ذهَبَت إلى أخواتها فاستَصْرَخَتْهم فجاؤُوا، ولكن لمَّا أَقبَلوا رفَعَه، فلَمَّا لم يَجِدوا شيئًا رجَعوا، في المرة الثالثة فعَل بهم كذلك، يَقول: فاجتَمَع الذَّرُّ عليها فقتَلوها.
وقال شيخُ الإِسلام: هذا لأن جميع النُّفوس مَجبولة على بُغْض الكذَّاب الظالمِ، وهذه لمَّا كذَبَتْ عليهم ظلَمَتْهم، فأَخَذَتْهم من بُيوتهم وهم في تعَب وعَناء، والنتيجة لا شيءَ، وهذا شيءٌ عظيم؛ فإذا تَأمَّل الإنسان هذه الأُمورَ يَجِد العجَب العُجاب! سبحان اللَّه!
وهو ﷾: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قوله ﷾: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ يَقول ﵀: [فيه التِفات من الغَيْبة] إلى المُتكَلِّم؛ وقد سبَقَ لنا أنَّ الفائِدة في الالتِفات: تَنبيهُ المُخاطَب أو القارِئ؛
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٤٣).
[ ٥٩ ]
لأنَّه إذا تَغيَّر أُسلوب الكلام لا بُدَّ أن يَنتَبِه، وهنا الفائِدة الثانية في هذا: بَيان القُدرَة أنَّ الأرض مُفْتَقِرَة إلى السماء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو المَطَر، والمُراد بالسماء هنا العُلُوُّ؛ لأن المطَر ليس يَنزِل مِن السماء التي هي السَّقْف المحفُوظ، وإنما يَنزِل مِن العُلُوِّ.
وقوله ﷾: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ صِنْف حَسَن] (صِنْف) تَفسير لـ ﴿زَوْجٍ﴾، و(حَسَن) تَفسير لـ ﴿كَرِيمٍ﴾، وعِندي أن الكريم هو الحسَن وزِيادة، وهو ما يَنتَفِع الناس به مِن هذا النباتِ، كأنَّه رجُل مِعْطَاءٌ يُعطِي ويُغدِق هذا الخيرَ فهو نَبَاتٌ حَسَن، ومع ذلك نافِع بسبَب ما فيه، والزوج يَأتي بمَعنَى: الصِّنْف، ومنْه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: ٥٨] ومِنه قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، أي: أَصنافَهم وأَشكالهَم. واللَّه أَعلَمُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ خلقِ اللَّه تعالى لِلسَّموات.
ويَتَفرَّع على هذه الفائِدةِ: إبطالُ قولِ الفلاسِفة في قِدَم الأفلاك، فالفلاسِفة يَقولون: إنَّ الأفلاك قَديمة، وأنها لا تَتَغيَّر؛ لأنَّ القديم عندهم الذي لا ابتِداءَ له، ومَا لا ابتِداءَ له لا انتِهاءَ له، فيَكون في هذا إبطالٌ لِقولِ الفلاسِفة: إن الأفلاك قديمة وإنَّها لا تَتَغَيَّر. ومِن ثَمَّ أَنكَرُوا انشِقاقَ القمر إنكارًا شديدًا، وقالوا: القمَرُ لا يُمكِن أن يَنشَقَّ؛ لأنَّه مِن الأفلاك، وإنَّما مَعنَى قوله ﷾: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]؛ أي: بَانَ صِدْقُ الرِّسالة، وأَنكَرُوا الأحاديث الوارِدة في ذلك والتي تَلَقَّتْها الأُمَّة بالقَبُول.
[ ٦٠ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ قُدْرةِ اللَّه ﷾ في خَلْقِ هذه السمَواتِ العَظيمة؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: ٤٧].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ القُدرة مِن وجهٍ آخَرَ، وهي أنَّ هذه السمَواتِ العَظيمةَ والسَّقْف الواسِع بغير عَمَد؛ لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وأَظُنُّنا لو رأَيْنَا بِناءً واسِعًا ليس فيه أَعمِدة لَكُنَّا نَتَعَجَّب مِن هذا البِناءِ، كيف هذا البِناءُ الواسِع ليس فيه عَمَد؟ ! معَ أنَّ بِناء السَّماء أَوْسَع وأَعظَمُ، ومعَ ذلك بغير عَمَد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيَانُ حِكْمَة اللَّهِ ورحمتِه في إلقاء الرَّواسِي؛ لئَلَّا تَميدَ بالخَلْق.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الأرض تَدور، يَقولون: لأن قولَه ﷾: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يَدُلُّ على وجود أَصْل الحرَكة؛ لأنَّ نَفْيَ الأخَصِّ يَدُلُّ على وُجُودِ الأَعَمِّ، أَلَمْ تروْا إلى قولِه تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ حيث كان دليلًا على وُجود أَصلِ الرُّؤية! فقولُه تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ألَيْس دَليلًا على أنَّ الرؤية مَوْجودة! وهذه الآيةُ استَدَلَّ بها أهلُ السُّنَّة على إثباتِ رُؤْيَة اللَّه تعالى، وأهلُ البِدْعة على نَفي رُؤيةِ اللَّه تعالى، ولكن الصواب مع أهل السُّنَّة؛ لأنَّ نَفْيَ الأخص يَقتَضِي وُجودَ الأعمِّ، إذ ليس مِن المَعقول أن يُنْفَى الأخصُّ مع انتِفَاءِ الأعمِّ، ثُم لا يُتَطَرَّقُ لَهُ؛ ولو كان الأخصُّ مُنْتَفِيًا لوَجَب أن يُنْفَى الأعمُّ لِأَجْل أن يَدْخُل فيه الأخصُّ، لو كان اللَّه تعالى لا يُرَى لقال اللَّه ﷿: لا تَراه الأبصار. حتى تَنْتَفي الرُّؤية ويَنتَفِيَ الإدراك مِن بابِ أَوْلى، فلَمَّا قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ أصل الرؤية مَوجُود، لكنَّه لا يُدْرَك ﷿؛ وهنا لمَّا قال تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والمَيَدَان الاضطِراب عُلِم أنَّ أصلَ الحَرَكة مَوْجود، لكن هذه الرَّواسيَ لأَجْل اتِّزان الحرَكة حتى لا تَضطَرِب. هذا هو تَقدير مَن يَرَى أنَّ في الآية دَليلًا على أنَّ الأرض تَدور.
[ ٦١ ]
أمَّا الذين يَقولون: فيها دليل على أن الأَرْض لا تَدُور. فتقولون: إننا لا نُسَلِّم أن المَيَدَان مَعناه: الاضطِراب، بل نَقول: إن المَيَدَان هُو الحرَكة، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أن تَرسوَ ولا تَتَحَرَّك، فيُفسِّرون المَيَدَان بِمُطْلَق الحرَكَة.
وإذا كان الأمرُ كذلك، فإنَّ الواجب أن نَرجع إلى اللغة العربية، فإذا كانت اللغةُ العربية تَدُلُّ على أنَّ المَيَدَان هو الاضطِراب، فنحن نَقول: إنَّ فيها دليلًا على وُجُود أصلِ الحرَكة. وإذا كانت اللغة العربية تَقول: إنَّ المَيَدَان هو الحرَكة. فإننا نَقول: فيه دليل على أنَّها لا تَدُور. ونحن إذا قُلْنا: إنَّها تَدور لا يَنقُصُ اللَّه تعالى شيئًا، بل هو في الواقِع زِيادة في قُدْرَتِه ﷾؛ حيث تَدور هذِه الأرضُ بجَميع ما فيها مِن بِحَار وأنهَار وأَشْجار ومَدَر وحَجَر وكُلِّ شيء تَدُور، ومَع ذلك بهذا الاتِّزَانِ البَدِيع الذي لا يَتَغَيَّر، هذا دليل على قُدْرة اللَّه ﷿، كما أنَّ سكونَها وهي على الماء دليل على قُدْرَة اللَّه ﷾.
لكن الشَيْء الذي يَجِب أن يُنْكَر -حتى يَتبيَّن لنا كالشمس- هو القول بأنَّ اخْتِلاف اللَّيل والنَّهار بسبب دَوَران الأرض، فهذا لا نُسَلِّم به، بل نَقول: إنَّ الليل والنهار بسبَب دَوَرَان الشَّمس على الأرْض؛ لأنَّ هذا هو ظَاهِرُ القُرآن، ولا يُمكِن أن نَتَزَحْزَح عَنْه إلَّا بدليل فيه مِثل الشمس.
فإنَّ اللَّه ﷾ أَثبَت الفِعْل لِلشَّمْس: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]، ولم يَقُل: إذا طَلَع الكهفُ عليهم يَتزَاوَر، وأَثبَت ﴿تَزَاوَرُ﴾ ولو كانت الحرَكة للأرض لكانَت الأرض هي التي تَزَاوَر، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ هذا الفِعلُ الثالِث، ولو كانت الأرض هي التي يَكون بدورانها اختِلاف الليل والنهار لقال: وإذا غرَبَتِ الأرض، أو خَفِيَ جُزءُ الأرض. أو ما أَشبَه ذلك؛ و﴿تَقْرِضُهُمْ﴾
[ ٦٢ ]
نَفْس الشيء: فِعْل، والنبيُّ ﵊ لمَّا غرَبَتِ الشمس قال لأبي ذَرٍّ -﵁-: "أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ " (^١) فأَخبَر أنها تَذهَب هي بنفسِها.
وهذا هو الصواب بلا شكٍّ، إلَّا إذا ظهَر لنا دَلِيل مِثْل الشمس، فإنَّه يُمكِن أَنْ تُؤَوَّل هذه الآياتُ إلى أن المَعنَى: غَرَبَت وطَلَعَت باعتِبارِ رُؤية الرَّائِي، وإن كان الرائِي هو الطالِع، فأنت تَسِير في سيارة، وفي سَيْرك طلَع عليك مثلًا ناقةٌ تَقول: بينما أَسير إذ طلَعَت عليَّ ناقة؛ فتَقول: طلعَت علينا. مع أنَّك أنت الطالِع عليها، هذا مُمكِن لُغةً، لكنَّا ما دُمْنا لم نَتَيقَّن هذا الأمرَ، وإنما هي نظريَّاتٌ مِن قومٍ لا يُؤْمِنون بالقرآن، ولا يُؤمِنون بالشرائِع، فإننا لا نَقْبَلُ ذلك مِنْهَم، بل نَأخُذ بظاهر كلامِ اللَّهِ ﷿.
فإِن قال قائِل: إن قولَكم هذا يُناقِض قولَكم بإمكانِ دَوَرَانِ الأَرْض، يَعنِي: إذا أَمكَن دوَران الأرض لزِم أن يَكُون تَعَاقُب الليل والنهار بِسبَب دَوَرَانها.
فالجَوابُ: إن هذا لا يَلزَمُنا؛ لأنَّه مِن المُمْكِن أن يَدُور هذا وهذا، ويكون حَرَكَةُ الشمس ودورانُها أسرَعَ، وإذا كان أسرَعَ لَزِم مِن ذلك أن تَطُوفَ بِالأَرْض ولَو مَعَ دَوَرَانِ الأرْض، يَعنِي: يُمكِن أن تَكون الأرض تَدور قليلًا وهذه تَكون أكثَرَ، فيُمكِنُها أن تَلُفَّ علَى الأرض.
فالحاصِلُ: أنَّ هذه المَسائِلَ لا شَكَّ أنَّ الواجِب على المُؤْمِن أن يَأخُذ بِظاهِر القُرآن والسُّنَّة، فإن هذا الواجِبَ في الأمور الغَيْبية وفي الأمور التي لا يُمكِن إدراكُها حِسًّا، ثُمَّ إذا تَبيَّن له بعد ذلك بِالحِسِّ أنَّ ظَاهِر القُرآن غَيْرُ مُرَاد، فإنَّنا يَجِب علينا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم (٣١٩٩)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١٥٩/ ٢٥٠).
[ ٦٣ ]
أن نُؤَوِّل ظاهِرَ القرآن؛ لأنه لا يُمكِن أن يَتَعَارَض القرآن مَع الوَاقِع، فمُستَحِيل هذا، ولو أننا جَوَّزْنا ذلك عَقْلًا لَلَزِم أن يَكُونَ في القرآن ما هو كَذِب؛ لأنَّ الكَذِب هو خِلاف الواقِع، وهذا أَمْر مُستحيل.
ولذلك يَجِب علينا أمام هذه النَّظَرياتِ أن نَجعلَها كأحاديث بَنِي إسرائيلَ:
أوَّلًا: ما وافَقَ القُرآن فهو حَقٌّ وأخَذْنَا بِه، ولكِنَّنَا لا نَأخُذ به على أنَّه هو الذي أَثْبَتَه، بل على أنَّ القرآن هو الذي أَثْبَتَه، وإنما نَقول ذلك: لِئَلَّا يَكُون لهم الفَضْلُ علَيْنَا.
ثانيًا: مَا خَالَفَ القُرآن وَجَبَ عليْنَا رَدُّه.
ثالثًا: ما لا نَعلَمُ مُوافَقَتَه لِلقرآن ولا مُخالفتَه فهذا العَقلُ والشَّرْع يَقتَضِي أن نَتَوَقَّف، ونَقُول: إننَا لا نُصَدِّق ولَا نُكَذِّب. وحينئَذٍ يَحتاجُ الإنسان طَالِب العِلْم إلى أن يَتَعَمَّق ويَتَأَمَّل ويَنْظُر نَظَرًا عَمِيقًا جِدًّا في نُصُوص الكِتاب والسُّنَّة، حتى لا يَحْكُمَ بِأنَّ الوَاقعَ يُخالِفُها، فيَكونُ في ذلك رَدُّ فِعْلٍ لمَن لا يُؤْمِنُ بالإِسلام.
فمثَلًا لو أنَّ أحدًا أَنْكَر مِثْل هذه النَظَرِّياتِ بِدون تَأَمُّلٍ في دَلالة الكِتاب والسُّنَّة، كما يَفعَل بعض العامَّة فهذا -للحقيقة- ليس مِن خِدْمَةِ الإِسْلام، هذا كأَخْذ الإنسان خِنْجَرًا بيدِه وطَعَنَ بِه صَدْرَه وهو لا يَشْعُر، فالواجِب تُجَاه هذه الأُمورِ كما قُلْت لَكُم: أن نَعْرِضَهَا على الكِتَاب والسُّنَّة، فَمَا وافقَ الكِتَاب والسُّنَّة فهو حَقٌّ؛ لِكونه وافَق الكِتَاب والسُّنَّة، وما خالَفَهما فهو بَاطِل، وما لا تُعْلَم مُوَافَقَتُه ولا مُخَالَفَته فالواجِب فيه التَّوَقُّف وأن يَقول الإنسان: إن تَبَيَّن لي بِحَسَب إدراكِي -وإن كان عِلْمي قاصِرًا في هذه الأُمورِ- فأنا أُصَدِّقُ به، وإذا لم يَظهَر لي فأنا لَسْتُ مُلْزَمًا بأن أُصَدِّق أو أُكَذِّب، أَقِف مِن هذا مَوْقِف المُحَايِد، وهذا هو العَقْل.
[ ٦٤ ]
فإن قال قائِل هذه النَّظرِيةِ: هذه تُخالِف القرآن. يَعنِي: هناك مَن يَقول: الشمس طالِعة والأرض هي التي تَدور عليها.
فالجَوابُ: نحن قُلنا: مَسأَلة الشمس ثابِتة أَبطَلنَاها؛ وقُلْنا: هذا لا يَجُوز؛ مع أنهم يَقولون: إن الشمس ليسَتْ بثابِتة، وإنها تَدور في الأَوَجِ العالي تَسير سيرًا عظيمًا، وفي كُتَيِّب صغير اسمُه عِلْم الفلَك القَديم يَقول: تَنطَلِق في الثانية آلاف الأميال.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيَانُ قُدْرةِ اللَّهِ ﷿ بِبَثِّ هذِه الدوابِّ في الأرض؛ لِقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؛ أَي: نَشَر؛ وَجْه دَلالتها على القُدرة: اختِلاف هذه الدوابّ في أجناسِها وأنواعِها وأشكالهِا وأحوالهِا، وقد سَبَق لنا بَيانُ بعضِ الحِكَم في خَلْق ما هو ضارٌّ منها، وذكَرْنا عِدَّة حِكَم في خَلْق هذا الضَّارِّ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بيان قُدْرَة اللَّهِ أيضًا وحِكْمَتِه ورَحْمَتِه في إنزالِ الماء مِن السَّماء، فالقُدْرة أنَّنا نَجِد هذا الماءَ يَنزِل مِن فوقُ، فمَعنَى ذلك أن هناك بِحارًا عَظيمةً تَطوف بِالأرْض -بَيْن السَّماء والأَرض-، وقد قال اللَّه ﷿ في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ سبحان اللَّه! جِبَال بين السماء والأرض مِن البَرَد يَنْطَلِق مِنْها هذه الأَجزاءُ حتى يَنْزِل الأرض، ولو شاء اللَّه تعالى لَأَنْزَل الجبَلَ جميعًا على الأرض.
وقُلْنا: فيه أيضًا دليل على الرحمة حيثُ كان نُزولُه مِن العُلُوِّ لأَجْل أن يَشمَل المُرتَفِع والمُنْخَفِض.
وفيه أيضًا دليل على الرحمة: أنَّ هذا الماءَ لنا فيه فائَدتان عَظيمتان: إنبات ما يَنْبُت مِنْه، والثاني: خَزْنُه في الأرض، قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال في آية أُخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقال ﷾: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
[ ٦٥ ]
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩]، ففيه أيضًا مَادَّةُ حَيَاةِ الإنسان: في طعامِه وفي شَرابِه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ الأَسْباب؛ لِقولِه ﷾: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾، ويُؤخَذ إثبات الأسباب مِن فاءِ السبَبِيَّة ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وإثباتُ الأسباب مِن حِكْمَةِ اللَّه ﷾، فالمُنْكِر للأسباب طاعنٌ في حِكمةِ اللَّه تعالى لا شَكَّ؛ لأنَّ اللَّه حَكِيم جَلَّ وَعَلَا؛ وكلُّ شيء عِنده بِسبب؛ لِتَقُومَ الأشيَاء وتَمشِيَ على نِظَام.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيان قُدْرَة اللَّه ﷿ على تَصْنِيف هذا النَباتِ مَع أنَّ أَرْضَه واحِدة ومَاءَه وَاحِد؛ لقوله ﷾: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: مِن كل صِنْف، فتَرَى هذه الشجرةَ كَبيرة وهذه صَغيرة، وهذه خَضْراءَ وهذه بُنِّيَّةً، هذه زهرتُها بَيضاءُ وهذه صَفراءُ، وهذه بِلَوْنٍ آخَرَ، ألوان مخُتَلِفة، مع أنَّ الماءَ واحد والأرضَ وَاحِدَة، وهذا دليل على كمالِ قُدرَةِ اللَّه ﷿.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن هذا النَّابِتِ فيه مَنفَعتان وهما النَظَر إليه، والبَهْجَة والسرور بِه؛ ولهذا إذا وقَف الإنسان على رَوضَةٍ مُعْشِبَة تَتكفَّأ الرياحُ أَزْهَارَها يَجِد سُرورًا وأُنْسًا، ثانيًا: ما يَحصُل مِن هذا النباتِ مِن المَنافِع لنا ولبَهَائِمنا، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن السمواتِ أَجْرَامٌ محَسُوسة، ومَن أَنكَرَها فهو مُكَذِّبٌ للقرآن، والمُكَذِّبُ بالقُرآن يَكُون كَافرًا، وهذه مَسْأَلَة خَطِيرَة؛ لأنَّ الآن مَن لا يُؤمِنون باللَّه ﷾ واليوم الآخر لا يُقِرُّون بأنَّ هناك أجرامًا سماوِيَّة، يَقولون: أَفلاك ومَجرَّات ونجوم. وما أَشبَه ذلك، ولا يُقِرُّون بالسَّماء، والذي يُصَدِّقُهم في ذلك مُكذِّبٌ لِلقُرآن، فيَكون كافِرًا به، والعِيَاذُ باللَّه.
[ ٦٦ ]