* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه ﷿ عَوْدًا على وصَايَا لُقْمَانَ ﵇: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهَا﴾ أي: الخَصْلةَ السَّيِّئةَ] فيه قُصور؛ لأنَّ الصواب المُراد ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الخَصْلة السَّيِّئة أو الحَسَنة كلُّ شَيء مِن حَسَن أو سَيِّئٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: ﴿مِثْقَالَ﴾؛ أي: وَزْن، وسُمِّيَ الوَزْنُ مِثقَالًا؛ لأنه يُعتبر بِثِقَلِه، فإنَّ الشيء يُوزَن لِيُعْلَم ثِقلُه مِن خِفَّتِهِ.
وقوله تعالى: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ هذه حُبُوب معروفَة صَغِيرة.
وقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ في صَخْرة في أيِّ مكان مِن الأَرْض؛ لأننا لا نَعرِف صُخُورًا إلَّا في الأَرْض، لكن الذين خرَجوا إلى القَمَر جاؤُوا لَنَا مِنْه بِصُخُورٍ؛ فلا نَدرِي هل هذا صَحِيح أو ليس بِصحِيح، والمَعروف أنَّ الصُّخُور في الأرض، وقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ إمَّا أن تَكون على سبيل المُبَالَغة، أو يَكون مثلًا في هذه الصَّخرةِ شيءٌ من جِنْس هذا بقَدْر حَبَّة الخَرْدل فيُعْتَبَر فيها، أو يُقال:
[ ١٠٠ ]
إنَّ المُراد أنَّ حَبَّةَ الخَرْدل قد تَكون في شَقٍّ مِن هذِه الصَّخرةِ.
وأنا شاهَدْتُ في الغضَا (^١) يَخرُج فيه حُبَيْبَات بقدر الأُنمُلة خُضْر مَخْتُومَة تمامًا، إذا فتَحْتَها وجَدْتَ فيها دَابَّة، تَدُبُّ على بَطنِها، وهي مخَتُومة، وفي نَفْس الغُصْن، ليس فيها فتحة، يَعنِي: مخَلوقٌ مِنْها هذا الشَيْءُ.
قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أو في أعلى السَّموَات أو أَنزَلهِا، أو في الأرض في أعلاها أو أَنزَلهِا. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أَخفَى مَكان مِن ذلك].
وقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: ﴿يَأْتِ﴾ بحَذْف الياء؛ لأنَّها جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ﴾ فإنَّ ﴿إِنْ﴾ شَرْطِيَّة و﴿تَكُ﴾ فِعْل مُضاخ مَجزُوم بـ (إِنْ) الشَّرْطِيَّة، وعلامَةُ جَزْمِه السُّكون على النون المحْذُوفة لِلتَّخْفِيف، وقوله ﷾: ﴿يَأْتِ﴾ جوابُ الشَّرْط مَجزومٌ بـ (إِنْ) وعلامَةُ جزمِه حَذْفُ الياء.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فيُحَاسِبُ عليها] هذا مِن أَخفَى ما يَكُون، ومع ذلك قال تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، ولم يَقُل: يَعلَمْهَا اللَّه؛ لأنه مِن لازِمِ الإتيانِ بِها العِلْم بها، لكن الإِتْيَان أبلَغُ، اللَّه ﷾ يَأتِي بها ويُجَازِي عليْهَا، فقوله ﷾: ﴿يَأْتِ بِهَا﴾ بمَعنَى أنها لا تَفوت ولا تَهْرَبُ منه، ولا بُدَّ أن يَأتِيَ بها ويُحاسِب عليها، أو يَأتِي بها لِيُظهِرَ قُدرَتَه عليها.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ بِاسْتِخْرَاجِهَا ﴿خَبِيرٌ﴾ بِمَكَانِهَا] المُفَسِّر ﵀ دائِمًا يُخَصِّص العُموم بِمُقْتَضَى السِّيَاق، والمعروف عند أهل العِلْم ﵏
_________________
(١) الغضا: شجر معروف. انظر تاج العروس (غضي).
[ ١٠١ ]
أنَّ العِبْرَة بعُمُوم اللَّفْظ، فهنا قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ جعَل اللُّطْف بالاستِخْراج، والخِبْرة بالمَكَان، والصَّواب أنها أعمُّ مِن ذلك، فإنَّ اللطيف مِن أسماءِ اللَّه تعالى، قال ابنُ القيِّمِ ﵀:
وَهْوَ اللَّطِيفُ بِعَبْده وَلعَبْده وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ (^١)
فاللَّه تعالى لَطيفٌ بعَبْده ولطيفٌ لعَبْدِه:
اللُّطفُ الأوَّل: إدرَاك أسرَارِ الأمُور وخَفَايا الأمور.
والثاني: اللُّطْفُ عند مَواقِعِ الإحسان -الذي هو الإحْسَان إلى العَبْد- يَلْطُف له بمَعنَى: يُقَدِّم له مِن الإحسان ودَفْع السُّوء ما لا يَعلَمُ به، فيَكون قوله تعالى: ﴿لَطِيفٌ﴾ يَتعَدَّى بالباء، ويَتعَدَّى باللَّام، فإِنْ تَعدَّى بالباء فهو بمَعنَى: العِلْم بِخَفَايا الأمُور، وإن تَعدَّى باللَّام لَطِيفٌ لَهم فهو بمَعنَى الإحسان بِجَلْب المَطْلُوب، ودَفْع المكرُوه أو المَخُوف، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، هذا قول يُوسُفَ ﵇، يَعنِي: ومن لُطْفِه أن يَسَّر الاجْتِمَاع بِكُم بعد الفِرَاق ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
فالحاصِلُ: أنَّ اللطيفَ مِن أسْمَائِه تعالى، ولَه مَعْنيَان حسَب ما يُتَعَدَّى به: إِنْ تَعَدَّى باللَّام ﴿لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ فمَعْناه: الإحسان، وإن تَعَدَّى بالبَاء فمَعناه: العِلْم بالخَفَايا، فهو لِكمالِ عِلمِه لَطِيف، كُلُّ شي؛ يَعلَمُ به.
هناك مَعنًى ثالِثٌ -لكن ما لا نَدرِي هل يَنطَبِق على أوصَاف اللَّه تعالى أم لا؟ - اللطيف هو الرَّقيق عند الناس يَقولون: فُلان لطيف، يَعنِي: رقيق حَسَنُ الخُلُق،
_________________
(١) النونية (ص ٢٠٧).
[ ١٠٢ ]
وعندي أنَّ هذا داخِلٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ لأنه تَعدَّى باللَّام يَعنِي: مَعناه الإحسان، فإن الإحسان أخصُّ أيضًا مِن حُسْن الخُلُق؛ لأنه يَتضَمَّن الإنعام على مَن لَطَفَ لَه.
وأمَّا قولُه ﷾: ﴿خَبِيرٌ﴾ الجبير هو العلِيم ببواطِنِ الأمور، وهو مع اللطيف كالمؤكِّدِ لَه، وقُلْنا: العِلْم ببواطن الأمور خِبْرَة، مَأخوذٌ من الخُبَار يَعنِي: الأرض الرِّخْوة التي تُبذَرُ فيها البُذُور وتُدَسُّ فيها، فهو خَبيرٌ ﷿ عالِمٌ ببواطنِ الأمور، ومِنها هذه الحبَّةُ التي مِن خَردَل تَكونُ في صَخْرة أوَ في السَّمَوات أو في الأرض.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في هذه الوَصيةِ فائِدَة: وهي تَحذِيرُ الابْنِ مِن المُخَالَفة؛ لقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فلا تَخفَى عليه ولا تَفُوتُه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عُمُوم عِلْمِ اللَّه ﷿، وتَمَامُ قُدْرته، ويُؤخَذ العُمُوم مِن قوله ﷾: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ والذي يَكون بادِيًا على الأرض، وليس في الصحراء مِن باب أَوْلى، فيُستَفاد مِنه: عُمُوم عِلْم اللَّه تعالى وإِحَاطَتِه وتمَامُ قدرته أيضًا، وذلك بالإتيانِ بِها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ هَذَيْن الاسمَيْن مِن أسماء اللَّه ﷾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ وإثباتُ ما تَضَمَّنَاه مِن الصِّفَة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ السمَواتِ مُتَعَدِّدةٌ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وعدَدُها مَعرُوف، وهو سَبْع، وأمَّا الأرض فلم تُذْكَر مَجْمُوعَةً في القرآن، فكلُّ ما في القُرآن
[ ١٠٣ ]
مِن ذِكْرِ الأرض فإنَّه بالإفراد، ولكنَّ اللَّه ﷾ أَشار إلى أنَّها جَمْع في قولِه ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ يُرَاد المِثْلِيَّة في العدَد، إِذْ إنَّ المِثْلية في الكَيْفِيَّة مُسْتَحِيلة، فَلَزِمَ أن تَكون مِثْلِيَّة في العَدَد فقَطْ.
* * *
[ ١٠٤ ]