* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ تَوَسَّطْ فِيه بَيْنَ الدَّبِيبِ والإِسْراَع، وعَلَيكَ السَّكِينَة ﴿وَاغْضُضْ﴾ اخْفِضْ ﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أَقْبَحَهَا ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أَوَّلُهُ زَفِير وَآخِرُهُ شَهِيق].
قوله ﷾: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القَصْد مَعنَاهُ الوَسَط في الأُمُور، فالوَسَطُ في الأمور مَعناه: أنَّ الإنسان يَكُونُ وَسَطًا في مَشْيِه بين الذي يَمْشِي مُسْرِعًا والذي يَمْشِي مُتبَاطِئًا، والقَصْدُ في كُلِّ شيْءٍ هو الوَسَط، ولهذا وَرَدَ في الدُّعَاء المَأْثُور: "وَأَسْألكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى" (^١)، فمَعنَى (القَصْد) يَعنِي: التَوَسُّط في الأُمُور، قال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
وقولُه ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، تَوَسَّطْ فيه بين الدَّبِيبِ والإسْراع وعليك السَّكِينَةُ والوَقَار] يَعنِي: لا تَدُبَّ دَبِيبًا وأنت تَمْشِي، ولا تُسْرِعْ سُرَعَةً تُخِلُّ بالمُرُوءَة،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي: كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء (أي بعد الذكر)، رقم (١٣٥٥)، من حديث عمار بن ياسر -﵁-.
[ ١١٣ ]
ولكِنْ لِيَكُنْ مَشْيُك وَسَطًا بيْنَ هذا وهذا، دَالًّا على القُوَّة وعلى النَّشَاط كما كان الرسول ﵊ يَفْعَلُ في مَشْيِه.
وقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: ﴿مِنْ﴾ هذه لِلتَّبعيض، فلَمْ يَقُلِ: اغْضُضْ صَوتَك. بل قال: مِنْهُ. وذلك لأنَّ الإنسان لا يُحْمَد على رَفْعِ الصَّوْتِ جِدًّا، ولا على خَفْضِهِ جِدًّا، والنَّاس مِنهم مَن يَكُون عَالِيَ الصَّوْت إِذَا قَام يَتكلَّم وإذَا هو كأنَّمَا يَتكَلَّمُ على جَمَاعَةٍ بَعِيدِين، ومن الناس مَن يَكُون بالعَكْس، يُكَلِّمُك رُبَّمَا لا تَفْهَمُ مِنْه إلَّا الكَلِمَة بَعْد الكَلِمة، كُلّ هذا لَيْس بِجَيِّد؛ ولهذا قَال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ولم يَقُلِ: اغْضُضْه كُلَّه. فلا ينبَغِي هذا ولا هذا، بل يَكُون أيضًا قَصْدًا بين رَفْعِ الصَّوْت والإخْفَاء.
فقولُه تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ المُرَاد به: عند المُخَاطَبَة، ثُمَّ إنَّ ﴿مِنْ﴾ هنا تُفِيدُ التَّبعيض في الكَيْفِيَّة، وكذلك في الكَمِّيَّة، في بعض أحيان يَكون الأفضَل أن تَرْفَع صَوتَك، افْرِضْ أنَّك تُنَادِي قومًا بعيدِين مُتَرَامِي الأطْرَاف تُريد أن تحثَّهم على قِتَال أو ما أشْبَهَ ذلك؛ فيَجُوز رَفْعُ الصَّوْت؛ ولهذا العَبَّاسُ بنُ عَبْد المُطَّلِب -﵁- في الحديث الصَّحيح لمَّا انصرَفَ الناس أمَرَه النبيُّ ﵊ أن يُنَادِيَ فقال -بأَعلَى صوتِه-: يَا أَهْل الشَّجَرَة، يَا أصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَة (^١). بأَعلَى صوتِه، وهذا لا شَكَّ أنَّه ليس غَضًّا مِن الصَّوْت؛ لأنَّ اللَّه تعالى يَقُول: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾.
فصارَ الغَضُّ مِن الصَّوْت باعتِبَار الكَمِّيَّة وباعْتِبَارِ الكَيفيَّة؛ نَقُول مثَلًا: إذا كُنت تُخَاطِبُ مَن إِلى جَانِبِك لا تَرْفَعِ الصَّوْت ولا تَخْفِضْهُ بِحَيْثُ لا يَسْمَع، هذا باعتِبَار
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين، رقم (١٧٧٥)، من حديث العباس -﵁-، دون قوله: "يا أصحاب البقرة"، وهي في رواية الإمام أحمد (١/ ٢٠٧).
[ ١١٤ ]
الكَيفِيَّة، أمَّا باعتِبار الكَمِّيَّة فأحيانًا رُبَّمَا تُضْطَرُّ إلى رَفْعِ الصوت، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يَعنِي: أحيانًا، لكِنْ في بعضِ الأحيان تَسْتَدْعي الحالُ أن تَرْفَعَ صَوْتَك بِقَدْرِ ما تُسْمِع.
ثُمَّ علَّلَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ يُحتَمَل أن يَكُون مِن كلام لُقْمَانَ ﵇؛ لأنه الأصْل، ويُحتَمَل أن يَكُونَ مِن كلامِ اللَّه تعالى خَتَمَ اللَّهُ به الآيةَ.
وقولُه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ تَعْلِيلٌ لقولِه ﷾: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ يَعنِي: أقبحَها وأبْشَعَهَا، ولَيْسَ أعْلَاها، لكِنْ أَنْكَرَهَا، لأنَّ في الحيْوَان مَن هو أعلَى صوْتًا مِن الحِمَار، لَكنْ في القُبْح ليس هناك أَقْبَحُ مِن صَوتِ الحَمِير.
وقولُه تعالى: ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ الجُمْلة هذه مُؤَكَّدَة بِمُؤَكّدَين وهي (إنَّ) واللَّام، ووَجْهُ ذلك ما ذكَرَه المُفَسِّر ﵀: أنَّ أوَّلَه زَفِير وآخِرَه شَهِيق.
والفَرْق بين الزَّفِير والشَّهِيق أن الشَّهِيق يَكونُ بَاطِنًا في الصَّدْر، والزَّفِير يَكُون خَارِجًا؛ ولهذا قال اللَّه ﷾: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
وكذلك الآيةُ الثانية: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]، هذا باعتِبار السَّاكِنِين، وقال في آيةٍ أُخْرَى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] فَذكَرَ اللَّه تعالى لِلنار زَفِيرًا وشَهِيقًا كما أنَّ لِسَاكِنِيها -أيضًا- زَفِيرًا وشَهِيقًا، نَعُوذُ باللَّهِ تعالى مِنه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ انْتَهَتِ الوِصَايَة النَّافِعَة التي هِي مِن الحِكْمَة التي أَعْطَاهَا اللَّهُ تعالى لُقْمَان ﵇.
[ ١١٥ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه يَنبَغي لِلإنسَان أن يَكونَ مَشْيُه قَصدًا لا إِسْراعًا مخُلًّا، ولا دَبِيئا مُتبَاطِئًا، فالإِسْرَاع الذي فِيه التَّهَوُّر والعَجَلَة والطَّيْش مَذْمُوم، والتَّبَاطُؤ والدَّبِيب أيضًا مَذْمُوم.
فإن قال قائِل: إذا احتاج إلى السرعة في المَشي في بعض الأوقات، فهل له ذلك؟ أو أنه اراد أن يَذهَب إلى عمَله؛ ليَصِل في وَقْته فهل له أن يَمشِيَ كلَّ يوم هكذا؟
فالجَوابُ: ليس فيه بأسٌ، بل قد يَجِب أحيانًا كما لوِ احتاج لإنقاذ نَفْسه، أو إِنْقاذ غيره من هَلاكه، فكل مَقام له مَقال، فالمَقصود هنا في المَشي العادي؛ أمَّا في شُغْله فالأَوْلى أن يُرتِّب وقته، حتى يَخرُج إلى شُغْله بالمَشي المُعتاد؛ لكن لو فُرِض أنه تَأخَّر في يوم من الأيام فله أن يَفعَل.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن يُقال: إذا كان هذا في المَشي الحِسِّيِّ؛ فلْيَكُن كذلك في المَشي المَعنَويِّ إلى الآداب والأخلاق، لا يَنبَغي للإنسان أن يُسرِع سُرعة مخُلَّة، ولا أن يَتَباطَأ تَباطُؤًا مُفوِّتًا للمَقصود، أمَّا الإسراع إلى الجيْر فقَدْ أمَر اللَّه تعالى به، ولكنه لا يَتَجاوَز الحَدَّ؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ-: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا" (^١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يَغُضَّ من صوته؛ لقوله ﷾: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، وذكَرْنا أنه يَشمَل الكِمِّيَّة والكيفية، فإنه في بعض الأحيان
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة، رقم (٦٣٦)، ومسلم: كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، رقم (٦٠٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١١٦ ]
يَنبَغي رَفْع الصوت؛ كما في الأذان والخُطبة وما أَشبَهَه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن رَفْع الصوت في غير مَحلِّه مُحرَّم؛ لقوله ﷾: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فإنَّ هذا التَّشبيهَ يَقتَضي التَّنفير منه، وقد قال النبيُّ ﵊: "لَيْسَ لنَا مَثَلُ السَّوْءِ" (^١).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذَمُّ أصوات الحَمير؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
ويُؤخَذ منها أنَّ للجارِ أن يُطالِب جاره إذا كان عنده حِمارًا نَهَّاقًا ببَيْعه وإزالته وكان نَهيقه غيرَ مُعتاد؛ لأن بعض الحَمير كثيرة النَّهيق؛ فعلى هذا له أن يُطالِب مِثلَما قال الفُقَهاءُ ﵏: إنَّ لَهُ أَنْ يَمنَعه من الرَّحى التي يُطحَن بها دائِما، وكذلك من تَغسيل الثِّياب ودَقِّها دائِمًا، كل ما يُؤذِي الجار فلِجاره أن يَمنَعه منه، فإذا كان اللَّه سبحانه قد وَصَف النَّهيق بأنه أَنكَرُ الأصوات، فإن له أن يُطالِب، فتقول: بعْ هذا الحِمارَ، وإلَّا اجعَلْه في مَكان آخَرَ، حتى لا أَتاَذَّى به.
فإن قال قائِل: هل له أن يُطالِبه بإزالة آلات اللَّهْو التي هي أعظُمُ من النَّهيق؟
فالجَوابُ: نعَمْ، له أن يُطالِب جارَه بذلك، يَعنِي: لو أنه صار يَرفَع أصوات المَزامير -والعِياذُ باللَّه- والغِناء، فله الحَقُّ أن يُطالِب، حتى وإِنْ لم تُزعِجْهم؛ لأنَّ هذا مُنكَر.
ولو كان له جار، يَصعَد إلى السَّطْح في أيام الصيف، وعنده مُسجِّل فيه
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، رقم (٢٦٢٢)، من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ١١٧ ]
أَشرِطة من القرآن، ثُم يَفتَحها بآخِر صوت، فلجاره أن يُطالِب بالمَنعْ، فلو قال: كيف تمَنَعُني أن أَسمَع القرآن؟ يَقول له: لَسْتُ أَمنَعك، ولكن أَقول: استَمِعْ، لكن اخفِضِ الصوت؛ لأنَّ هذا يُؤذِيني، وليس يُؤذِيني لأني أَكرَه القرآن، ولكن لأني أُريد النَّوْم، وأولادي يُريدون النَّوْم، وأهلي يُريدون النَّوْم، والنبيُّ ﵊ يَقول: "لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ" (^١)، فله أن يَمنَعه، رَغْم أنَّ هذه عند العامة أَمْرها كبير، فلو أن أَحَدًا طالَب مَنعْ جاره أن يَرفَع صوته بقِراءة القرآن؛ لحَمْل الناس عليه راية الإنكار، لكن إنكار العامة أو إقرارهم ليس له تَأثير.
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٣٤٤)، ومالك في الموطأ (١/ ٨٠ رقم ٢٩)، والنسائي في الكبرى رقم (٣٣٤٧)، من حديث البياضي -﵁-.
[ ١١٨ ]