* قالَ اللَّه ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠].
* * *
ثُمَّ قال اللَّهُ تعالى مُقَرِّرًا ما أَنعَمَ اللَّهُ تعالى به على عِبادِه: [﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال ﵀: [﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ تَعْلَمُوا يا مُخَاطَبِين ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مِن الشَّمْس والقمَر والنُّجوم، لِتَنتفِعُوا بها ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الثِّمَار والأنهَار والدوَابِّ ﴿وَأَسْبَغَ﴾ أَوْسَعَ وَأتمَّ ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾ وهي حُسْنُ الصورة وتَسْوِيَةُ الأعْضَاء وغير ذلك، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ وهي العْرِفَةُ وغَيرُها].
يُقرِّرُ اللَّهُ تعالى في هذه الإلةِ ما أَنْعَمَ اللَّهُ تعالى به على العِبَاد فيَقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ وإنما قُلتُ: (يُقَرّر)، لأنَّ همزةَ الاستِفْهَام إذا دَخَلَتْ على (لَمْ) أَفَادَت التَّقْرِير، فيَنْقَلِبُ الفِعْل المُضَارِع إلى مُؤَوَّلٍ بماضٍ مُؤَكَّدٍ بـ (قَدْ)، فمثَلًا ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي: قد رَأَيْتُم، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قَدْ شَرَحْنَا لَك صَدْرَك.
إذَنِ: الاستِفْهام للتقرِير؛ لأنَّه إذا دخَلَت همزَةُ الاستِفْهَام على (لَمْ) أَفادَت التقرِير، فيَنقَلِبُ الفِعْلُ المُضارع فِي المعْنَى إلى فِعْلٍ ماضٍ مُؤَكَّدٍ بـ (قَدْ)، فيَكون
[ ١١٩ ]
مَعنَى ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي: قد رَأَيْتُم؛ ولهذا في سُورَةِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قال اللَّه تعالى بعدَه: ﴿وَوَضَعْنَا﴾ فَعَطَفَ فِعْلًا ماضِيًا على ما سَبَق؛ لأنَّ ما قبْلَه بمَعنى الفِعْلِ المَاضِي.
وقولُه ﷾: ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾: ﴿سَخَّرَ﴾ بمَعنَى: ذَلَّل، ذَلَّلَها لَكم، أو لِمَصَالحِكُم، ومَنَافِعِكُم ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [مِن الشَّمس والقمَر والنُّجُوم]، وهذا على سبيل التَّمْثِيل، وإلَّا فَإِنَّه قَد سَخَّرَ لَنَا أَيْضًا الرِّيَاح، وهي بَينَ السَّمَاء والأَرْض، وسَخَّر لَنا السَّحاب؛ كما قال ﷿: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] وهو لنا، فهو عامّ لِكُلِّ مَا سَخَّرَهُ اللَّهُ تعالى من مَصالحِنا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الثِّمار والأنهَار والدوَابِّ، وغيرها أيضًا، حتَّى المَعَادِن وغرها سَخَّرَها اللَّه تعالى لنا وذَلَّلَها لَنا، فكُلُّ ما في الأرض مُسَخَّرٌ مُذَلَّل، لكنَّ بَعضَه مُسَخَّرٌ بِطَبِيعَتِه، وبعضُه مُسَخَّر بِوَاسِطَة، فالحدِيد والمعادِن وما أَشبَهَها مُسَخَّرَة، لكنَّها بواسِطَة، والدوَابُّ والأنهار والأشْجَار مُسَخَّرَة بِدُونِ وَاسِطَة، يَجِدُها الإنْسَان مُهَيّأَةً كَامِلَةً.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ﴾ فَسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بأَمْرَيْن بالسَّعَة والإتمام؛ أي: [أَوْسَعَ وَأتمَّ] ومنه قوله ﵊: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ" (^١) يَعنِي: إتْمَامُ الوُضُوء، ومَعنَى ﴿وَأَسْبَغَ﴾ يَعنِي: أَوْسَعَ وأتمَّ، أمَّا (أتمَّ) فمِثالُه ما ذَكَرْت: إسْبَاغُ الوُضُوءِ على المَكَاره، وأمَّا (أَوْسَعَ) فَمِنهُ قولُه ﷿: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]؛ أي: دُرُوعًا سَابِغَاتٍ: وَاسِعَةً، ومنها أيضًا قولُهم: ثَوْبٌ سَابغ. يَعني: وَاسِع،
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم (٢٥١)، من حديث أبي هريرة -﵁-
[ ١٢٠ ]
ويَدْخُل فيه الإِتْمَام أيضًا.
فالمُهِمُّ: أنَّ الإسْبَاغ يَتَنَاوَل شَيْئَيْن: الأوَّل: إِتْمَام الشَيْء، والثاني: تَوْفيره، والنِّعَم التي أَنعَمَ اللَّهُ تعالى بها عَليْنَا شَامِلَةٌ لِلْأَمْرَيْن، فَهِي وَاسِعَة، قال ﷾: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وهي أيضًا تامَّة، ليس فيها نَقْص، كُلُّ ما يَحتاجُه الإنسان في حياتِه، بل وكُلُّ ما يَحتاجُه في دِييه فإنَّ اللَّهَ تعالى قد أَتَمَّه، والحَمْدُ للَّه تعالى.
وقولُه ﷿: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ فسَّر المُفَسِّر ﵀ ﴿ظَاهِرَةً﴾ بأنها الحِسّيَّة الظَّاهِرة، والبَاطِنَة هي المَعرِفَة وغيرُها، فالنِّعَم جعَلَها اللَّهُ تعالى ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة: ظَاهِرَة للعَيَان، وذكَرَ المُفَسِّر ﵀ مِن أَمْثِلَتِها حُسْنَ الصُّورَة واسْتِقَامَةَ الخَلْق وما أَشبَه ذلك، والباطِنَة يَقول المُفَسِّر ﵀: [هي المَعْرِفة]؛ لأنَّها في القَلْب غيرُ مَعْلُومة، وهذا لا شَكَّ أنَّه تَفْسِير نَاقِصٌ جِدًّا.
وأمَّا الظاهِرَة فالصَّوَاب أنَّها أَعَمُّ مِن ذلك فالنِّعَم إمَّا ظَاهِرَةٌ لِكُلِّ أَحَد، وإمَّا باطِنَة لا يَعلَمُهَا إلَّا الإِنْسَان، هذا واحِد.
وإمَّا ظَاهِرَة أيضًا بحيث كُلٌّ يَعْرَف أنها نِعْمَة، وباطِنة بحيث لا يُرَى أنَّها نِعْمَة إلَّا مِن آثارِها؛ لأن بَعْض الأشيَاء حين وُجُودِها لا تَظُنُّ أنَّها نِعْمَة، لكن إذا عَرَفْتَ آثَارَها وجَدْتَ أنَّها نِعْمَة، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فإنَّ الإنسان أحيانًا يُصيبُه ما يُصِيبُه مِن قَضَاءِ اللَّه تعالى وقَدَرِه فلا يَرَى أنَّه نِعْمَة حتَّى يَعْرِف آثَارَهَا فِيما بَعْدُ.
والمُهِمُّ: أنَّ النِّعَم -والحمدُ للَّه- ظَاهِرة بَيِّنَة لِلعِيَان، وعَامَّة شَامِلَة لِلخَلْق، وشيءٌ باطِنٌ لا يَعرِفُه إلَّا مَن أَنعَمَ اللَّهُ تعالى به علَيه، وأيضًا هناك شيءٌ ظَاهِر وَاضِح
[ ١٢١ ]
أنَّه نِعْمَة، وشيءٌ باطِن لا يَتبَيَّن أنَّه نِعْمَة إلَّا فِيمَا بَعْدُ.
ثُمَّ قال ﷾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ قوله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: (مِن) للتَّبعيض، وقدِ اختَلَف المُعرِبون في (مِن) التَّبعيضية، هل هي اسمٌ، لأنها في مَعنَى (بَعْض)، أو أنَّها حَرْفٌ دَالٌّ على هذا المَعنَى.
وعلى هذا الاختِلافِ يَنبَغي الاختِلافُ في الإِعْراب: فإذا قُلْنا (مِن) اسم بمَعنَى (بَعْض)، فإننا نَقول: (مَن) مُبتَدَأ، و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ خبَرُه، وإذا قُلْنا: إنها حَرْف، فانها تَكون حرفَ جَرٍّ، والجارُّ والمَجرور مُتعَلِّق بمَحذوف خبَر مُقدَّم، و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: أهل مَكَّةَ] بِناءً على قاعِدته ﵀ أن كل السُّوَر المَكِّية يُحمَل فيها العُموم بمِثْل هذا السِّياقِ على الخُصوص: وهم أهل مَكَّةَ، والصواب أنَّ ذلك عامٌّ، يَعنِي: من الناس من أهل مَكَّةَ وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المُجادَلة مَأخوذة من الجَدْل، وهو فَتْل الحَبْل لإِحْكامه، ومنه ما يُسمَّى الجَدائِل، جَدائل المرأة أي: فَتْل رأسها وإحكامها، هذا مَعناها في اللغة.
لكن في الاصطِلاخ المُجادَلة: هي المُمانَعة، بمَعنَى: أن كل واحِد من المُتَناظِرين يُحكِم الحُجَّة من أَجْل إفحام خَصْمه، فهي إِذَن إحكام الحُجَّة لإِفْحام الخَصْم وتَعجيزه.
والمُجادَلة إن كانت بعِلْم وحِكْمة فهي مَمدوحة بلا شَكٍّ، وقد تَكون واجِبة
[ ١٢٢ ]
أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وإن كانت بغَيْر عِلْم فإنها مَذمومة، فمَن يُجادِل بإيراد الحُجَج والعِلَل الواهية؛ لإِفْحام خَصْمه ونَقْض قوله ولو بالباطِل؛ فهذا من المُنكَر المُحرَّم، قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر: ٥].
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: ﴿فِي اللَّهِ﴾ هل المُراد في ذاته ﷾ أوِ المُراد في رُبوبيته أو أُلوهيته، أو أَسمائه وصِفاته، أو أَحكامه وأَفعاله؟
الجَوابُ: تَشمَل كل هذا، فمِن الناس مَن يُجادِل في ذات اللَّه تعالى، فهو يُنكِر وجود اللَّه تعالى أَصْلًا، ويُجادِل في ذاته، ومن الناس مَن يُجادِل في وَحْدانيته، يُقِرُّ به، لكن يُنكِر الأُلوهية، ومنَ الناس مَن يُجادِل في أُلوهيته، أي: في تَفرُّده في الأُلوهية، ومن الناس مَن يُجادِل في أَسْمائه وصِفاته، وأكثر ما وقَع فيه الجدَل بين المسلمين في باب الأسماء والصِّفات، وهذا بين المُسلِمين! وليس بين المُسلِمين والكافِرين، لكنِ المُسلِمون الذين يَنتَسِبون إلى الإسلام ويُسمَّوْن أهلَ القِبْلة، هؤلاءِ كثُرَ الجَدَل بينهم في باب أسماء اللَّه تعالى وصِفاته.
كذلك من الناس مَن يُجادِل في أحكام اللَّه تعالى، وما أكثَرَ المُجادِلين في أحكام اللَّه تعالى! تَجِده يُجادِل، تَقول: هذا الشيءُ حرامٌ. ثُمَّ يَأتِي ويُجادِلك: ما الذي حرَّمَه؟ وما الفَرْق بين كذا وكذا؟ وهاتِ الدليلَ، وهذا الدليلُ مَنقوض، وهاتِ التَّعليلَ، وهذا التَّعليلُ باطِل، وهكذا.
قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أما إذا كان بعِلْم فليس فيه ذَنْب، لكن بغير عِلْم ففيه ذنب.
كذلك من الناس مَن يُجادِل في أفعال اللَّه، فيَقول: لماذا أَنعَم اللَّه ﷾
[ ١٢٣ ]
على هؤلاء الكافِرين بالنِّعَم الكثيرة، ومن المُسلِمين مَن هو في جَهْد شَديد ومرَض وفَقْر وجَهْل، وما أَشبَهَ ذلك؛ كذلك يُجادِل في أفعال اللَّه تعالى في مَسأَلة القَدَر، فتقول مثَلًا: إمَّا أن يَكون اللَّه ﷾ قد قدَّر على الإنسان عمَله أو لا، فإن كان قدَّر عليه عمَله؛ فكيف يُعاقِبه؟ وإن لم يُقدِّر عليه عمَله، فمَعنَى ذلك أن الإنسان مُستَقِلٌّ به، فيَكون مُنفَرِدًا بالحوادِث ومُشارِكًا للَّه تعالى فيها، وما أَشبَه هذا من الجدَل الذي يَكون بغير عِلْم.
ولهذا يَنبَغي للإنسان في مَسائِل الشرع وفي مَسائِل القدَر؛ أن يَستَسلِم لما دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة، وأن لا يُجادِل؛ لأنه إن فتَح على نَفْسه باب الجدَل فلن يَستَقِرَّ له قدَم أبَدًا، ولهذا قال ابن حجَرٍ ﵀ (^١): "إن المَسائِل العَقْلية ليس لها دَخْل في الأمور الخبَرية"؛ لأننا لو أَرَدْنا أن نُحيل هذه الأمورَ على العَقْل، فإن العاقِل قد يُجوِّز ما كان مُمتَنِعًا شرعًا غايةَ الامتِناع، كما أنه قد يَمنَع ما هو جائِز، والمُراد بالعَقْل ما ادعَّى صاحبه أنه عَقْل، أمَّا العَقْل الصحيح الصريح فإنه لا بُدَّ أن يُوافِق النَّقْل الصحيح؛ وإذا شِئْتم أن يَتبَيَّن لكم هذا فاقرَؤُوا كتاب شيخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀إن أَطَقْتُموه- المُسمَّى بكتاب العَقْل والنَّقْل أو مُوافَقة صريح المَعقول لصحيح المَنقول.
المُهِمُّ: أنَّ الجدَل بابُه واسِع، والكلام هنا في المُجادَلة المَذمومة، وهي المُجادَلة بغير عِلْم.
إذَنْ: ﴿فِي اللَّهِ﴾: في ذاتِه، وفي رُبوبيته، وأُلوهيته، وأَسمائه وصِفاته، وأَحْكامه، وأَفْعاله.
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٩٣).
[ ١٢٤ ]
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعنِي: ما عِنده عِلْم ذاتُه، ولكنه مُكابَرة ومُعانَدة.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا هُدًى﴾ مِن رَسول] فهو ليس عِنده عِلْم في نَفْسه يَهتَدِي به، وليس عنده عِلْم من غيره يَهتَدِي به.
يَقول المُفَسر ﵀: [﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أَنزَله اللَّه تعالى؛ بل بالتَّقليد]، فهو ليس عِنده عِلْم، ولا اهتِداء بهَدْيِ رَسول، ولا كِتاب أَنزَله اللَّه تعالى فيَهتَدِي به، إِذَنْ فهو يُجادِل بالباطِل، وقال المُفَسِّر ﵀: [بالتَّقليد]؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢١]، فهذا الذي أَوجَب للمُؤلِّف أن يَقول: [بلْ بالتَّقليد]؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان نِعمة اللَّه ﷾ على عِباده، بهذه النِّعمِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا يحبُّ أن يُتمَدَّح بما أَسْدى إلى عِباده من النِّعَم؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللَّه تعالى سخِر لنا ما في السموات وما في الأرض، وهو ظاهِر، وقد قال اللَّه تعالى في آية أُخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَواز استِخدام ما في هذا الكَوْنِ في السموات والأرض لمصالحِنا؛ لأنه مُسخَّر لنا، فإذا كان مُسخَّرًا لنا، فلنا أن نَنتَفِع به، فيما أَحَلَّ اللَّه تعالى لنا.
فلو قال قائِل مثَلًا: هل لنا أن نَأخُذ المعادِن الجارية والجامِدة؟
[ ١٢٥ ]
نَقول: نعَمْ. هل لنا أن نُحاوِل الصعود إلى الكواكِب والنُّجوم لنَرَى ما فيها من الآيات؟ وكيف تَظهَر لنا؟
الجَوابُ: نعَمْ.
ولكن إذا كان هذا يُكلِّف نَفَقاتٍ باهِظةً، أكثَرَ ممَّا نَستَفيد منه، فإن الحِكْمة تَقتَضي أن لا نَفعَل؛ لأن هذه المُحاولاتِ يَكون فيها من نَفاد الأموال شيء كثير، فإذا قُدِّر أنَّ ما فيها من نَفاد الأموال أكثر بأضعاف وأضعاف ممَّا نَستَفيد منها، فإنَّ العقل يَقتَضي أن لا نَفعَل؛ لأن هذا من السفَه والتَّبذير، والإنسان العاقِل لا يَبذُل المال إلَّا وهو يَرَى أنه يَنتَفِع بأكثَرَ ممَّا يَبذُل.
فلو فُرِض أنك بذَلْت مالًا قَدْره أَلْف ريال، لتَحصُل على مَنفَعة تُساوِي ألفَيْ ريال؛ فهذا محَمود، وبالعَكْس، فلو بذَلْت مالًا يَبلُغ ألفي ريال؛ لتَحصيل مَنفَعة بقَدْر ألف ريال، هذا مَذموم؛ لأنك أَضَعْت ألف ريال بدون فائِدة، فيَكون هذا من إضاعة المال والإسراف.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ نِعَم اللَّه ﷿ وافِرة، يَعنِي: كثيرة كامِلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ نِعَم اللَّه ﷾ نوعان: ظاهِرة وباطِنة، سَواءٌ فَسَّرنَا الظَّاهِرة بالأُمور المَحسوسة والباطِنة بالأُمور المَعنوية، أو فسَّرْناها بالظاهِرة التي يَعرِفها كل أحَد، والباطِنة ما لا يَعرِفها إلَّا صاحِبها، أو فسَّرْنا الظاهِر بما هو عامٌّ يَعُمُّ جميع الناس، كالمطَر والخَصْب. والباطن بما هو دونَ ذلك، فالنِّعَم وافِرة وسابِغة من كل وَجْه.
[ ١٢٦ ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: ما أَعطاه اللَّه تعالى للُقْمانَ ﵇ من الحِكَم؛ فإن كل ما أَوْصَى به ابنَه، كلُّه حِكَم مُوافِق للعَقْل، والشَّرْع أيضًا يُؤيِّده.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ اللَّه ﷿ إذا قصَّ علينا نبَأَ أحَد؛ فإن كان ذلك خيرًا فإنه يُريد مِنَّا أن نَفعَله، وإن كان غير ذلك فإنه يُريد مِنَّا أن نَتَجنَّبه، فلمَّا قصَّ علينا قِصَّة قارونَ قال تَعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٨]، فقَصَّ علينا ذلك؛ لنَحذَر ونَخاف؛ ولأَجْل أن لا نَسكُت على مَن رَأَيْناه يُبذِّر ويُسرِف في الأرض؛ وهنا قَصَّ علينا قصص لُقمانَ ﵇ من أَجْل أن نَعتَبِر بها في الحِكَم، وأن نَقتَدِيَ به في نصيحة أَبنائنا وأَهْلنا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ذمُّ الجدَل بغير بُرْهانٍ؛ لقوله ﵎: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الجدَل بالعِلْم والهدى والدليلِ من القُرآن لا يُذَمُّ صاحِبه؛ لأنه حَقٌّ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي للمُجادِل أن يَكون له دليل من العَقْل أو من النَّقْل؛ لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فهذا العِلْمُ الذاتيُّ الذي يَكون بطريق العَقْل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ هذا العِلمُ المُكتَسَب؛ فالهدى مِن الرَّسول -ﷺ-، والكِتاب المُنير القُرآن.
* * *
[ ١٢٧ ]