* قالَ اللَّه ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠].
* * *
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ المُشار إليه ما ذُكِر من تَسخير الشَّمْس والقمَر، والقُدْرة على البَعْث والخَلْق، أي: ذلك المَذكورِ السابِقِ.
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الباء للسَّبَبية، أي: بسبَب أنَّ اللَّه تعالى هو الحقُّ؛ ولكونه جعَله هو الحقَّ صارَت هذه الأُمورُ وتَنَظَّمَت هذه النُّظُمُ؛ لأنه جَلَّ وَعَلَا حَقٌّ في ذاته، وحَقٌّ في أفعاله، وحَقٌّ في أحكامه، وحَقٌّ في أسمائه وصِفاته؛ فرُسُله حَقٌّ، وكِتابه حَقٌّ، ووَعْده حَقٌّ، وثوابه حَقٌّ، وعِقابه حَقٌّ، وكل ما صدَر عنه فهو حَقٌّ.
والحَقُّ هو ضِدُّ الباطِل، والباطِل هو اللغوُ والعبَث الذي لا خَيْرَ فيه؛ فيَكون المَعنى: أن كل ما صدَر عن اللَّه ﷿ فإنه حَقٌّ وخَيْر ثابِت.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾: ﴿وَأَنَّ﴾ مهو مَعطوفة على (أنَّ) المَفتوحة.
وقوله ﷾: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾: ﴿مَا﴾ هذه اسمٌ مَوْصول، يَعنِي: وأن الذي يَدْعون، وقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ﴾ يَشمَل دُعاء العِبادة، ودُعاء المَسأَلة؛ لأنَّ الأصنام التي تُعبَد من دون اللَّه تعالى تُدْعى بمَعنَى: تُعبَد، وتُدْعَى بمَعنى: تُسْأَل.
[ ١٧٨ ]
والدُّعاء له مَعنَيان: دُعاء عِبادة، ودُعاء مَسأَلة، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] دُعاءَ مَسْألة، وقوله ﷾: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، هذا دُعاءُ عِبادة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. أَيْ: ما عِبادتُهم إلَّا في ضَلال.
فالدُّعاء إِذَنْ: يَكون بمَعنَى دُعاء المَسأَلة، ودُعاء العِبادة، فقوله تعالى: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يَشمَل المَعنيَيْن، يَعنِي: ما يَعبُدون، وما يَطلُبون منه الحوائِج.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾ بالياء والتاء] يَعنِي قِراءَتانِ سَبْعيَّتان: (وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ)، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾ وكِلاهما صحيح، لكن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ خِطاب، ولا يَكون إلَّا للكافِرين، لأنَّ الخِطاب في مِثْل هذا لا يُمكِن أن يَكون للرسول -ﷺ- ولا للمُؤمِنين من أصحابه.
وقوله ﷾: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: منِ سِواهُ، وقول المُفَسِّر ﵀: [يَعبُدون] هذا فيه قُصور، والصواب: يَعبُدون ويَسأَلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَدعو يَعنِي: يَسأَل؛ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥].
فهنا يَنبَغي أن يُضاف: يَعبُدون ويَسأَلون.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مِن سِواهُ.
وقوله تعالى: ﴿الْبَاطِلُ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [الزائِل] وهذا فيه نظَر، لأنَّ المُراد الباطِل يَعنِي: الذي لا خَيرَ فيه، ومنه حَديثُ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا الشَّاعِرُ
[ ١٧٩ ]
كلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ" (^١) "بَاطِل" يَعنِي: لا خَيرَ فيه.
وهلِ المُرادُ الباطِل في عِبادتهم إيَّاه، أو الباطِل حتى في نَفْسه؛ فليس مُستَحِقًّا للعِبادة؟
الجَوابُ: كِلَا الأَمْرين؛ فهو باطِل بالنِّسبة لعِبادتهم إيَّاه، وهو باطِل في نَفْسه لا يَستَحِقُ من الأُلوهية شَيْئًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العَظيم]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ هذه الجُملةُ جُملةٌ خبَرية مُؤكَّدة بضَمير الفَصْل.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ يَعنِي: لا غيرُه، والعَليُّ صِفة مُشبَّهة؛ لأنها على وَزْن فَعيل، والصِّفة المُشبَّهة يَقول أهلُ العِلْم باللُّغة العرَبية: إنها تُفيد الثُّبوت والاستِمْرار.
ومَعناهُ: العَليُّ بذاته والعَليُّ بصِفاته، فعُلُوُّه ذاتِيٌّ لازِمٌ أبَدًا سواءٌ كان علِيًّا بذاته أو علِيًّا بصِفاته؛ وتَقدَّم لنا من أهل البِدَع مَن يُنكِر العُلوَّ الذاتِيَّ، وأمَّا عُلوُّ المَعنَى فهو مُتَّفَق عليه بين المُسلِمين.
وقوله ﵀: [﴿الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر] هذا فيه قُصور؛ لأن الصواب أنه علِيٌّ بذاته وصِفاته.
وقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [العَظيم] فهو كبير بمَعنَى: عظيم في ذاته وفي صِفاته؛ قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، رقم (٣٨٤١)، ومسلم: كتاب الشعر، رقم (٢٢٥٦)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١٨٠ ]
وأَخبَر اللَّه ﷾ أن السمَواتِ: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأن الأرضَ: ﴿جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأنه يَطوِي ﴿السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فكُلُّ هذا يَدُلُّ على عِظَم ذاته ﷾ كما أنه عَظيم في صِفاته.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هنا لمَّا ذكَر أن له الحَقَّ، وأن ما دونَه دونَ الباطِل قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فلِعُلُوه وكِبْريائه ﷾ يَتبَيَّن أن هذه الأصنامَ على الضِّدِّ من ذلك، فهي سافِلة لا عُلوَّ فيها، وهي ذَليلة وصغيرة ليس فيها شيء من الكِبْرياء.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه هو الحَقُّ، والحقُّ ضِدُّ الباطِل، والباطِل كل شيء لا فائِدةَ منه، ولا خَيرَ فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن كل ما يَصدُر عن اللَّه ﷾ فهُوَ حَقٌّ؛ لأنه لا يَصدُر عن الحَقِّ إلَّا حَقٌّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عِبادة غيرِ اللَّه تعالى باطِلة.
* * *
[ ١٨١ ]