بُعِث نوحٌ إلى قومه فدعاهم إلى اللّه ﷿ سرًّا وعلنًا، ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى اللّه، ويبيِّن لهم، ويُحذِّرهم، ويُرغِّبهم، وما آمن معه إلا قليل، وفي هذا عبرةٌ للدعاة الذين يدعون إلى الله ﷿، ثم يملُّون إذا لم يروا من الناس إقبالًا، فنقول لهم: لا تعجبوا إذا لم تجدوا من الناس إقبالًا، فها هم الرسل يبقون مدة طويلة لا يجدون إقبالًا، لقد بقي محمد رسول اللّه - ﷺ - في مكة ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى اللّه ﷿، وفي النهاية أخرجوهم من مكة، ولكن النصر كان فيما بعد والعزة للّه ولرسوله وللمؤمنين، كل إنسان داعية لابد أن يناله أذى، كل إنسان داعية لابد أن يجد من الناس ممانعة، لا يستجيبون له بالسرعة التي يريد، لكن على الدعاة أن يصبروا في الدعوة إلى اللّه، وأن يدعوا إلى اللّه تعالى بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ لأن من الناس من يدعو إلى اللّه وهو يُنفِّر عن اللّه، فتجده يدعو بعنف، وبدون إقناع، والنفوس تحتاج إلى اللين واللطف، وتحتاج إلى إقناع، حتى يُقبِل الناس عن اقتناع إلى دين الله، ويأخذوا بما دعا إليه هذا المُصلِح الذي يدعو إلى اللّه ﵎ من غير أن يمسَّ المجتمع بما يُشوِّش عليه، وما يُوغر صدوره على ولاة أموره.
إذن نقول: لا تعجب أيها الداعي إلى الله إذا تأخَّرت الإجابة، فإن اللّه قد يبتلي الداعي إلى الله ﷿ بتأخُّر قبول الناس وإجابتهم حتى يمتحنه أصادقٌ هو في الدعوة إلى الله، أم ليس بصداق؟
نوح ﵊ بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى اللّه.
يقول ﵊ في هذه السورة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] أتظنون أنه يدعوهم بدون آيات تدل على أنه رسول اللّه؟ لا، يدعوهم بالآيات التي تدل على أنه رسول اللّه، ومع ذلك لم يستجيبوا؛ بل لم يزده دعاؤه إياهم إلا فرارًا.
[ ١٤ / ٣٥٢ ]
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لئلا يسمعوا ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ يعني: تغطَّوا بها لئلا يروا؛ لأنهم يخشون إذا سمعوا شيئًا يدخل مسامعهم حتى يصل إلى قلوبهم، يخشون أن يؤمنوا بذلك، فأرادوا أن يسدُّوا طرق الهدى عنهم، كذلك يخشون أن يروا الآيات بأعينهم ثم يُلجئهم ذلك إلى الإيمان، فصاروا يستغشون ثيابهم حتى لا يروا الآيات - والعياذ باللّه -، وهذا دليل على شدة استكبارهم ونفورهم.
ويُستفاد من قوله: ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾: أنهم لو تابوا لغُفِر لهم، وهذا شأن اللّه ﷿ بعباده أن الإنسان كلما تاب إلى اللّه ولو عظُمَ الذنب فإن اللّه يغفر له، واستمع إلى قول اللّه تعالى في هذه الأمة؛ حيث أمر نبيَّه - ﷺ - أن يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ مهما عظُم، مع أن هؤلاء يسبُّون اللّه، ويسبُّون رسوله، ويسبُّون دينه، وقال: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
نوح ﵊ أول الرسل يقول: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا﴾ على الكفر والعناد ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ أي: استكبروا استكبارًا عظيمًا.
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ولكن أبَوا، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ فانظر كيف رغَّبَهم أولًا بثواب الآخرة، وثانيًا بثواب الدنيا، ثواب الآخرة في قوله: ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾، ثواب الدنيا في قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ يعني: أمطارًا دارَّة، كلما جفَّت الأرض أمطرت السماء، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ولكن مع هذا الزغيب أبوا واستكبروا، وما آمن معه إلا قليل، حتى إن أحد أبنائه كفر به - نسأل اللّه العافية -، ولما وعد اللّه نوحًا أن يُنجِّيه وأهله صرف الله ابنَه عن الإيمان، وعن الركوب في السفينة التي نجا بها نوح ومن معه، فقال له أبوه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ ماذا قال؟ ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ فاعتمد على الأمور الحِسِّية دون الأمور الإلهية، ولكن هل عصمه الجبل من الماء؟ أبدًا، ما عصمه، قال له أبوه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وبذلك تُعرَف قدرة اللّه ﷿، وأنه ﷾ ليس له بينه وبين خلقه نسب، وليس بينه وبين خلقه صلة إلا بشيء واحد، وهو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
[ ١٤ / ٣٥٣ ]
أنت إذا تأمَّلتَ ما يُدبِّره اللّه في خلقه تبيَّن لك العجب العُجاب، إبراهيم ﵊ أبوه كافر، ونوح ابنُه كافر، ومحمد - ﷺ - عمُّه كافر، وهذه من آيات اللّه.
إبراهيم كان أبوه كافرًا، وجرى بينه وبينه محاورة، ذكرها الله تعالى في سورة مريم، وكان ابنُه إبراهيم ﵊ يدعوه باللُّطف، يقول: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ ولم يقل: إني عالم وأنت جاهل؛ لأنه لو قال: أنت جاهل لصار في نفسه بعض النفور، لكنه قال: ﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾، الجواب بعد هذا التلطُّف في الخطاب، ماذا قال؟ ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ يعني: أترغب عن آلهتي فتوحِّد ولا تُشرِك، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ هل تتصوَّر أن رجلًا يرجم ابنه بالحجارة؟ لكن مع طغيان أبيه وشركه أوجب له أن يقول لابنه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾، فماذا قال له إبراهيم؟ ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، فوعده أن يستغفر له، ولكن قال الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأجاب ﷾ عن استغفار إبراهيم لأبيه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
المهم: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجدوا من أقوامهم المعارضة والمعاندة؛ بل وعرض الرقاب للقتال، ولكن العاقبة للمتقين.
في النهاية قال نوح ﵊: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ سأل اللّه أن يمحو الكافرين من على الأرض، وبيَّن عُذرَه في هذا الدعاء؛ لأنه قد يقول قائل: من المُتوقَّع أن يقول نوح: اللهم اهد قومي، لكنه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، ثم اعتذر عن هذا الدعاء بقوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، فهذا اعتذار من نوح ﵊ عن هذه الدعوة العظيمة ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ أنزل اللّه في قصة نوح سورة كاملة، وأنزل في قصة يوسف سورة كاملة.
في هذه الآية دليل على: أن أبَوَي نوح كانا مؤمنَيْن، من قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ فدعا
[ ١٤ / ٣٥٤ ]
لأبويَه، ولم يأت في القرآن أن اللّه أنكر عليه، أما إبراهيم فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، لكن اللّه أجاب عن هذا بأن إبراهيم استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم.
وبهذا نعرف أنه لا يجوز لأحد أن يطلب المغفرة لمن كان كافرًا - أي: لمن مات على الكفر -، ولو كان أقرب قريبٍ له، فلو أن رجلًا له أخ شقيق، من أحسن الناس معاملة في الأخُوَّة، لكنه لا يصلي، فمات هذا الذي لا يصلي، فإنه لا يجوز لأخيه أن يقول: اللهم اغفر له، ولا أن يقول: اللهم ارحمه؟ لماذا؟ لأنه مات على الكفر، والكافر لا يجوز لأحد أن يدعو له بالمغفرة؛ لأنه إذا دعا له بالمغفرة لكان هذا من الاعتداء في الدعاء؛ إذ إن اللّه تعالى قضى بعدله وحكمته أن الكافرين مخلَّدُون في النار.
***
[ ١٤ / ٣٥٥ ]