﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ يرى بمعنى يعلم، والمعنى: أو لم يعلم، والاستفهام هنا للتقرير، والمراد به التوبيخ، (والواو) حرف عطف، والمعطوف عليه: إما مقدر بعد الهمزة، وإما ما سبق، وعلى الثاني تكون الهمزة منقولة عن مكانها، وأصله على القول الثاني (وألم ير) وقوله: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ قال المؤلف: [وهو العاصي بن وائل] وعلى رأي المؤلف تكون (ال) هنا للعهد الذهني، ولكن الصحيح أن (ال) للجنس، أي: جنس الإنسان، ومنه العاصي بن وائل؛ لأن الأصل في (ال) أنها لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ يعني: جنس الإنسان ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^١) ووجه كون ذلك هو الأصل. أن العهد يحصرها في شيء معين، والأصل بقاء اللفظ على عمومه، فإذا قال قائل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ إنه فلان بن فلان، فنقول الله
_________________
(١) سورة العصر، الآيات: ١ - ٣.
[ ٢٨٨ ]
﷿، قال: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ وهو شامل، إذًا فالصحيح أنه عام، لكن نجعل العاصى بن وائل مثالًا لمن قال هذا القول، أو لمن رأى هذا الرأي ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ قال المؤلف: [مني إلى أن صيرناه شديدًا قويًّا ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ شديد الخصومة لنا ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ بينها في نفي البعث] فالإنسان خلق من نطفة، وهو هذا المني، المهين كما وصفه الله ﷿، هذا الماء المهين الذي خلق منه الإنسان، إذا رجع الإنسان إلى أصله وجد أنه كالنخامة ليس بشيء، ثم بعد هذا ينشئه الله ﷿ حتى يعطيه الفصاحة والبلاغة وقوة الحجة، وبعد أن يتربى بنعم الله في بطن أمه، ثم من صدر أمه بالثديين، ثم بما أنعم الله عليه من أنواع الطعام والشراب يقوى ويشتد عقله، وفكره، وذهنه فيكون خصيمًا، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ أي شديد الخصومة؛ لأن فعيل بمعنى فاعل، لكن تدل على المبالغة.
وقوله: ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ أي: بيّن، والذي يظهر أنها ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ بمعنى مُظهر، يعني مظهر لخصومته؛ لكونه شديد الخصومة قويها، وسيأتي إن شاء الله بيان نوع من جدل الإنسان وخصومته، فـ ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ أي: مظهر للخصومة، خلافًا لقول المؤلف: بينها.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن الإنسان خلق من ضعف؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهو كذلك.
[ ٢٨٩ ]
٢ - ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الإنسان الذي خلق من هذه المادة الضعيفة يترقى حتى يكون ذا خصومة مبينة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: النداء على الإنسان بالظلم، وجه ذلك: كيف يكون هذا الذي خلق من هذه النطفة يبلغ به الحد إلى أن يكون خصيمًا لله ﷿ بيّن الخصومة؟ ! لأن الإنسان يجب عليه إذا نظر إلى أصله أن يعرف قدر نفسه، لا أن يكون مخاصمًا لربه ﷿.
٤ - من فوائد الآية الكريمة: أن الخصومة بالباطل مذمومة، ووجه ذلك أن الآية سيقت مساق الذم لا مساق المدح.
أما الخصومة لإثبات الحق وإبطال الباطل، فإنها ممدوحة لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^١).
ولولا الجدال مع أهل الباطل ما تبين الحق، ولا اندحض الباطل، فلابد للإنسان من الجدال في إثبات الحق، وإبطال الباطل، أما إذا كان الأمر بالعكس فإنه مذموم.
ومن هنا يمكن أن نقسم الجدال إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: جدال محمود، مأمور به: إما وجوبًا، أو استحبابًا.
القسم الثاني: جدال مذموم، منهي عنه.
القسم الثالث: وجدال بين بين.
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ١٢٥.
[ ٢٩٠ ]
أما الجدال الممدوح فهو الذي يقصد به إثبات الحق، وإبطال الباطل، وهذا مأمور به، وهو كالجهاد في سبيل الله، فكما أن المجاهد مأمور بأن يحمل السلاح ضد عدوه ويقاتله، فطالب العلم مأمور بأن يحمل سلاح العلم، وهو المجادلة بالحق ليدحض به الباطل.
والقسم الثاني: بالعكس وهذا مذموم منهي عنه قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (^١).
والقسم الثالث: بين بين، يعني لا يأمر به، ولا ينهى عنه، لكن لا شك أن تركه أولى، وهو الجدال في أمور لا تمس إلى الحق أو الباطل بصلة، كما يحصل في كثير من المجالس من المجادلات، فهذا لا شك أنه لا خير فيه، وأنه من المراء الذي ينبغي للإنسان تجنبه.
ثم إن أفضى إلى مفسدة كان منهيًّا عنه، وذلك إذا كان مع الجدال والمراء والمحاورة عداوة بين المتجادلين، أو تعصب لأحدهما من الحاضرين، ويحصل في ذلك تحزُّب.
وإن أفضى إلى مصلحة كان مأمورًا به، مثل: أن يكون المجادل مغرورًا بنفسه، ويرى أنه لا يغلبه أحد، فتجادله من أجل أن تكسر حدة هذا الغرور، وإن كان لا يترتب على هذا فائدة في حد ذاته، لكن فيه فائدة لغيره وهي كسر غرور هذا الشخص، حتى لا يبقى زاهيًا في نفسه، مترفعًا على غيره.
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ١٦.
[ ٢٩١ ]