قال المؤلف: [﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾ شأنه] يعني شأنه وحاله إذا
_________________
(١) سورة طه، الآية: ٥٢.
[ ٣٠٥ ]
أراد شيئًا أن يقول له: ﴿كُنْ﴾ فيكون، فلا يحتاج إلى إحضار آلات بناء مثلًا، أو إلى جنود يساعدونه، ولا إلى أن يعمل بيده ﷿، بل يقول: ﴿كُنْ﴾ فيكون. وقوله -﵀-: [شأنه] قد ينازع فيها، ويقال: إن المراد بالأمر أمر التكوين، يعني أمره أن يقول: ﴿كُنْ﴾ بدون أن يكرر كما في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ (^١) فجعل الأمر واحد الأوامر. والمؤلف يريد أن يجعل الأمر واحد الأمور.
ويمكن أن نقول بالأمرين جميعًا نقول: شأنه ﷿ في تمام قدرته أن يقول للشيء: (كن) فيكون، وأمره إذا أراد الشيء أن يقول: (كن) بدون تكرار، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ (^٢). ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ قال المؤلف ﵀: [أي خلق شيء ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ أي: فهو يكون]. والأولى أن لا نقيد ﴿شَيْئًا﴾ بالخلق، بل نقول: إذا أراد شيئًا خلقًا، أو إعدامًا، فالأولى إبقاء الآية على إطلاقها ﴿شَيْئًا﴾ سواء كان خلقًا، أو إيجادًا، أو إعدامًا وإتلافًا. ولكن الذي حمل المؤلف -﵀- على أن يقول: [خلق شيء] لأن السياق للاستدلال على الخلق، وهو الإيجاد، فلهذا خصها به، ولكننا إذا قلنا: إنها على إطلاقها فإنها لا تمنع الخلق كما لا تمنع الإعدام. فالأولى أن يقال: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ أي إيجاد شيء وخلقه، أو إعدامه.
_________________
(١) سورة القمر، الآية: ٥٠.
(٢) سورة النازعات، الآية: ١٣.
[ ٣٠٦ ]
وقد يعتذر عن المؤلف فيقال: إن الإعدام فيه نوع خلق؛ لأن إتلاف الشيء القائم خلق، ولهذا قال الله ﷿: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (^١) مع أن الموت عدم وفناء، والأمر في هذا سهل، قال: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ ﴿كُنْ﴾ هنا الظاهر أنها تامة، وإذا جعلناها ناقصة صار المعنى: كن كذا. أي: تحول إلى كذا، لكن إذا جعلناها تامة صار المعنى أشمل، لتشمل ما أراد الله تعالى تحويله من شيء إلى شيء، وما أراد الله إيجاده أصلًا. يعني ﴿كُنْ﴾ أي: أن يوجد ويتكون، أو (كن كذا) أي بأن يكون الطويل قصيرًا، والقصير طويلًا وما أشبه ذلك، فإذا جعلناها تامة صار هذا أشمل ﴿فَيَكُونُ (٨٢)﴾ قال المؤلف: يقول: [فهو يكون، وفي قراءة بالنصب عطفًا على ﴿يَقُولَ﴾] قراءتان سبعيتان لأنه قال: [في قراءة] واصطلاح المؤلف -﵀- إذا كانت القراءتان سبعيتين أن يقول: (وفي قراءة) وإذا كانت إحداهما شاذة قال عن الشاذة (قُرِئَ). في قوله: ﴿فَيَكُونُ (٨٢)﴾ على قراءة الرفع بالفاء هنا للاستئناف، وجملة (يكون) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير فهو يكون، أما على قراءة النصب فهي معطوفة على ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ للشيء: كن فيكون، والفاء على كلا الوجهين دالة على الترتيب والتعقيب، يعني أن الشيء يكون فورًا بدون تأخير، وقد بين الله تعالى سرعة هذه الفورية في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ (^٢) ولمح البصر ليس شيء أسرع
_________________
(١) سورة الملك، الآية: ٢.
(٢) سورة القمر، الآية: ٥٠.
[ ٣٠٧ ]
منه، وأمر الله ﷿ واحد كلمح البصر، وإذا كان هذا أمر الله وشأن الله فهل إذا قال للعظام الرميمة: كوني إنسانًا سويًّا هل يمتنع عليه ذلك؟ لا، ولهذا قال الله تعالى في سورة النازعات: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ (^١) وقال في هذه السورة: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: الاستدلال بعموم قدرته ﷿ وتمامها على قدرته على إحياء الموتى.
٢ - ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله ﷾ التامة التي لا يضاهيها، ولا يقاربها قدرة، لأنه إذا أراد شيئًا لم يتكلف لإحضار المواد، أو غيرها مما يتكون به هذا الشيء، وإنما يقول: ﴿كُنْ﴾ فيكون.
٣ - ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله لقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ وإرادة الله ﷾ كما قال أهل العلم تنقسم إلى قسمين: شرعية، وكونية.
فالشرعية: هي التي بمعنى المحبة.
والكونية: هي التي بمعنى المشيئة.
والفرق بينهما من حيث الأثر:
(١) أن الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد.
(٢) أن المراد فيها قد يكون محبوبًا لله، وقد يكون غير محبوب لله.
_________________
(١) سورة النازعات، الآيتان: ١٣ - ١٤.
[ ٣٠٨ ]
أما الإرادة الشرعية: فقد يقع فيها المراد، وقد لا يقع، ولا يكون المراد فيها إلا محبوبًا لله.
فإذا قال لك قائل: هل الله يريد الكفر؟
فقل له: أما شرعًا، فلا، وأما كونًا، فنعم.
ولو قال لك قائل: هل الله يريد الإيمان؟
فقل: نعم يريده شرعًا، وقدرًا إن وقع، لأنه إذا وقع فقد أراده قدرًا، وإذا لم يقع فلا نعلم هل أراده قدرًا أو لا؟ بل نقول: إنه الآن لم يرده قدرًا.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
٥ - ومن فوائدها: أن كلام الله ﷿ يكون بحرف؛ لقوله: ﴿كُنْ﴾ فإن "كن" كلمة مكونة من حرفين، وإثبات أنه بصوت لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ فهذا الخطاب موجه لما أراده الله، وهو يقتضي أن يكون هذا المراد سامعًا لهذا القول، ولا سماع إلا بصوت.
فيكون في الآية رد على قول الأشاعرة في كلام الله ﷿ حيث يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن ما يسمع من الأصوات والحروف وهو عبارة عن كلام الله، ويرون أن هذا المسموع مخلوق، ولهذا قال بعض المحققين منهم، أو المنصفين منهم: إنه في الحقيقة لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله؛ لأننا متفقون على أن ما بين دفتي المصحف فهو مخلوق. فإذا كانوا متفقين على هذا، فإن قول المعتزلة قد يكون
[ ٣٠٩ ]