هذا الأمر كوني -إن كان من الله- وإن كان ممن أمرهم الله أن يقولوا ذلك من الملائكة فهو أيضًا أمر كوني، والمراد به الإهانة والإذلال، وإذ من المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن يصلوها، لكن يقال ذلك على سبيل الإهانة والإذلال ﴿الْيَوْمَ﴾ أل هنا للعهد الذكري، وقد يكون بالنسبة لمخاطبة هؤلاء الكفار للعهد الحضوري، يعني: هذا اليوم للحاضر اصلوا النار فيه.
ويتردد علينا كثيرًا العهد الحضوري، والذكري، والذهني فما هو الفرق بينها؟
العهد الحضوري ما كان معهودًا لحضوره، والذكري ما كان معهودًا لذكره، والذهني ما كان معهودًا في الأذهان.
مثال العهد الذهني: إذا قلنا: اذهب إلى القاضي، وأنت مثلًا في بلد، فتذهب إلى قاضي البلد نفسه؛ لأن هذا معروف في الذهن.
مثال العهد الحضوري إذا قلت: اليوم نكرمك، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^١).
ومثال العهد الذكري قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (^٢) يعني الرسول المذكور وليس رسولًا آخر.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٢) سورة المزمل، الآيتان: ١٥، ١٦.
[ ٢٢٧ ]
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ (ما) مصدرية، أي: بكونكم تكفرون، والباء للسببية، أي: بسبب، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ أي تكفرون به بالدنيا، فقد كفروا بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وبكل ما أخبر الله به، ولهذا لم يقوموا بطاعته؛ لأنه ليس عندهم إيمان، وإنما يقال لهم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ لإقامة الحجة عليهم، وبيان أنهم لم يظلموا، ولهذا ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ (^١).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن هؤلاء المكذبين يأمرون أمر إهانة وإذلال ليصلوا النار لقوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾.
٢ - ومن فوائدها: إثبات الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ وإثبات الأسباب أمر معلوم بالشرع والعقل والحس، ولا ينكر إثبات الأسباب إلا جاهل بحقيقة الواقع، فإنه لا أحد ينكر أنك إذا رميت الزجاجة بحجر انكسرت به، وإذا ألقيت الخرق في النار احترق بها، ولا ينكر هذا إلا شخص مكابر في الواقع، ومع هذا فالأسباب لا تفعل بذاتها، ولا تؤثر بذاتها بل بخلق الله ﷾ التأثير فيها، وحينئذ لا يكون في إثبات الأسباب شيء من الشرك، خلافًا لمن زعم أن إثبات تأثير الأسباب نوع من الشرك؛ لأننا نقول: إن هذه الأسباب إنما تؤثر
_________________
(١) سورة الملك، الآيتان: ٨، ٩.
[ ٢٢٨ ]