_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٧٣.
(٢) سورة الملك، الآية: ١٤.
[ ٢٩٨ ]
تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ قال المؤلف: [أي: في جملة الناس ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ المرخ والعفار، أو كل شجر إلا العناب ﴿نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾].
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صيَّر، والذي جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا هو الله ﷿، وأراد المؤلف بقوله: [في جملة الناس] أن هذا الجعل ليس خاصًّا بالمخاطبين، أي: برسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃، بل هو عام لكل أحد، فهو جعل لهم في جملة الناس من الشجر الأخضر، المؤلف يقول: [المرخ والعفار]. وبناءً على كلامه تكون (ال) للعهد الذهني، ويكون عامًّا أريد به الخاص، ولكن سبق لنا أن هذا خلاف الظاهر، وأن (ال) الأصل فيها أنها تفيد الجنس، أي: العموم.
فالصواب أن المراد ﴿مِنَ الشَّجَرِ﴾ أي: من كل شجرة كما قال، وقوله: [إلا العناب] لا نعرف عن هذا شيئًا هل إنه مستثنى، وأن العناب لا يمكن أن تأتي منه النار - الله أعلم - على كل حال نحن نقول عندنا الأصل: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ عامة، والشجر الأخضر فيه الرطوبة، والرطوبة يلزم منها البرودة، والنار التي تخرج من هذا الشجر الرطب البارد، يابسة وحارة، فهذا اليابس الحار متولد من رطب بارد، ولا يخفى ما بين الرطوبة والبرودة وبين الحرارة واليبوسة من التنافر العظيم.
فإذا كان الله ﷿ يولد هذا الشيء الذي بينه وبين المولد منه من التنافر ما هو ظاهر، فهو قادر على إحياء العظام وهي
[ ٢٩٩ ]
رميم؛ لأن كونه يخلق الضد من الضد، أبلغ في القدرة من كونه يخلق الشيء من لا ضد، وهذا أمر ظاهر.
إذًا هذا الدليل الثالث على إمكان إحياء العظام وهي رميم.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ "الفاء" هنا عاطفة و"إذا" فجائية يعني: أنه بمجرد ما أن تضرب عودًا بعود من هذا الشجر تقدح النار، فتوقد منه، فلا يحتاج إلى كبير عناء، بل إن الإيقاد أمر سهل، مفاجأ للعملية، والمفاجأة استفدناها من كلمة ﴿فَإِذَا﴾ وفي قولنا ﴿أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ دليل على استمرارية هذا العمل؛ لأن الجملة الإسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وهذا أمر لا أحد ينكره، فلا أحد ينكر أنه يتولد من الشجر الأخضر نارًا يوقد الناس منها.
﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ قال المؤلف ﵀: [تقدحون وهذا دال على القدرة على البعث، فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب].
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله ﷿ حيث يتولد من هذا الشيء الرطب البارد، شيء حار يابس. فتولد الشيء من ضده دليل على كمال القدرة؛ لأن العادة أن الضدين متنافران، لا يلتقيان أبدًا، وهنا صار أحدهما يتولد من الآخر.
٢ - ومن فوائدها أيضًا: الاستدلال بالأشد على الأخف؛ لأن التنافر بين الرطب واليابس، والحار والبارد، أعظم من أن
[ ٣٠٠ ]