تقبل توبته؟ على قولين:
القول الأول: إنه لا تقبل توبته، بل يقتل قتل المرتد فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وفي الآخرة أمره إلى الله تعالى، إن كان الله تعالى علم منه صدق التوبة فإنه لا يعذبه، وإن كان الله تعالى علم منه كذبها فإنه يعذب في الآخرة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -.
والقول الثاني: تصح توبة من استهزأ بالله تعالى أو رسوله - ﷺ -، ولكن بالنسبة لمن استهزأ بالرسول - ﷺ - يقتل، وأما من سب الله تعالى أو استهزأ به فإنه لا يقتل، وهذا هو الصحيح أن الإنسان إذا سب الله تعالى أو رسوله - ﷺ - أو استهزأ بهما فإنه يكفر، فإن تاب قبلت توبته، لكنه يقتل إذا كان السب أو الاستهزاء بالرسول ﵊، ولا يقتل إذا كان السب أو الاستهزاء بالله تعالى، والفرق بينهما: أن الاستهزاء بالرسول - ﷺ - وسبه حق شخصي، وأما الاستهزاء بالله تعالى وسبه فهو حق لله ﷿، وقد أخبرنا الله ﷿ أنَّه يقبل التوبة من جميع الذنوب، وإذا قبل الله توبته ارتفع عنه مقتضاها وهو القتل، أما الساب للرسول ﵊ فإننا لا نعلم أن الرسول ﵊ عفى عن حقه، لذا وجب علينا أن نأخذ به.
* * *
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ قال المؤلف - ﵀ -: [أي: أهل مكة القائلون
[ ١١١ ]
للنبي - ﷺ - لست مرسلًا، والاستفهام للتقرير أي: علموا]، الرؤية هنا فسرها المؤلف برؤية العلم؛ وذلك لأنهم لم يشاهدوا هذا بأعينهم، وإنَّما علموه بما بلغهم من الخبر، وقوله: [أي أهل مكة] الصحيح أن هذا ليس خاصًّا بأهل مكة، بل هو عام لكل من كذب الرسول - ﷺ -، وكأن المؤلف - ﵀ - جعله خاصًّا بأهل مكة لأن الآية مكية، ولكنه يقال: حتَّى وإن كانت الآية مكية، فإن المكذبين للرسل عليهم الصلاة والسلام من أهل مكة وغيرهم، فأهل الطائف كذبوا الرسول ﵊، وكذلك غيرهم كثير؛ لأن الناس لم يدنجلوا في دين الله أفواجًا إلَّا بعد فتح مكة ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: [(كم) خبرية بمعنى: كثيرًا، معمولة لما بعدها، مُعَلقَةٌ لما قبلها عن عمل] ﴿يَرَوْا﴾ بمعنى العلم، وإذا كانت الرؤية بمعنى العلم فإنها تنصب مفعولين، وقوله علقتها عن العمل، يعني أنَّها أبطلت عملها لفظًا، لأن التعليق يبطل العمل لفظًا فقط لا محلًّا، والإلغاء يبطله لفظًا ومحلًّا، والأفعال القلبية إما أن تعمل في اللفظ والمحل، وإما أن تعمل في المحل دون اللفظ، وأما أن لا تعمل لا في اللفظ ولا في المحل، الثالث: يسمى إلغاءً، والثاني: يسمى تعليقًا، والأول: يسمى إعمالًا، فكم هنا علقت ﴿يَرَوْا﴾ عن العمل في اللفظ، أما المحل فالجملة في محل نصب سدت مفعولي ﴿يَرَوْا﴾ ثم هي لها إعراب باعتبار ما بعدها، فباعتبار ما بعدها مفعول لما بعدها، وعليه فتقدر كما قال المؤلف [بمعنى: كثيرًا]، ثم قال: [والمعنى إن ﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ كثيرًا ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الأمم]. وقوله سبحانه
[ ١١٢ ]
وتعالى: ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ ﴿مِنَ﴾ هذه لبيان الإبهام الواقع في كم و﴿الْقُرُونِ﴾ جمع قرن، وهم الأمة المشتركة في عصر من العصور، والعصر مئة سنة، وعلى هذا يكون القرن مئة سنة، ولكن قد يكوق دون ذلك، فقد تكون أمة تبقى أقل من القرن، يهلكها الله ﷿ قبل أن يتم لها هذا العدد من السنين، لكن الضابط أن نقول: القرن هم الأمة التي اشتركت في عصر ﴿أَنَّهُمْ﴾ قال المؤلف - ﵀ -: [أي المهلكين ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى المكذبين، وفي نسخة [﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى المكيين] لأن الخطاب لأهل مكة، فالمكذبون هم المكيون، والقول بأن ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي المكذبين أعم، فهؤلاء الأمم التي أهلكت هل رجعت إلى الأمم التي بعدها؟ لا، بل ذهبت وزالت وكأنها لم توجد ولم يبق إلَّا عملها.
﴿لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ قال المؤلف: [أفلا يعتبرون بهم، وأنهم - إلى آخره - بدل مما قبله برعاية المعنى المذكور] الذي قبله قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ كأنه قال: "ألم يروا أنهم لا يرجعون"، فهي بدل مما قبلها من حيث المعنى، أي: لا من حيث الإعراب؛ لأنها جملة مستقلة، وليست تابعة لها في الإعراب، ولكنها تابعة لها في المعنى.
والخلاصة: أن الله بين في هذه الآية بيانًا يقرر به هؤلاء المكذبين بأنه أهلك كثيرًا من الأمم السابقة، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون إلى هؤلاء المكذبين، لأنهم انتهوا من الدنيا ولم يبق لهم الوجوع إليها حتَّى يستعتبوا، فالواجب على هؤلاء المكذبين أن يعتبروا بهم.
[ ١١٣ ]