الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم لا ينتفع به وينتذر إلا من كان حيًّا، أي حي القلب.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: إن من كان ميت القلب -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بالقرآن.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم حجة على الكافرين لقوله تعالى: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ لأنه لن يحق عليهم القول إلا بعد أن تقوم عليهم الحجة، ويكون كفرهم عن عناد ولهذا قال: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر لا ينتفع بالقرآن وإنما يكون حجة عليه، وهكذا كل من كان فيه خصلة من خصال الكفر فإنه يضعف انتفاعه بالقرآن وانتذاره به.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلة، وإن شئت فقل: الحكمة، لقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ اللام وكلما رأيت التعليل في كتاب الله ﷿ فهو مثبت للحكمة في أفعاله تعالى ومشروعاته.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا للتقرير؛ لأنه كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير، سواء كانت أداة النفي حرفًا مثل: (لم)، أو فعلًا مثل: (ليس) فالاستفهام هنا للتقرير، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، أو أن المعطوف عليه مقدر بين الهمزة والواو بحسب ما يقتضيه السياق، قال المؤلف:
[ ٢٥٦ ]
[﴿يَرَوْا﴾ يعلموا]. ففسر الرؤية هنا برؤية العلم، ويمكن أن يراد بها رؤية البصر، ورؤية البصر أشد وأقوى في التقرير من رؤية العلم، لأن رؤية العلم قد ينكر الإنسان، فيقول: أنا لا أعلم هذا، لكن رؤية البصر إذا كان الشيء أمامه لا يمكنه أن ينكر، والحقيقة أنها محتملة لهذا وهذا، فباعتبار أن الله خلق هذه الأشياء، لا شك أنها رؤية علم؛ لأننا لم نشهد خلق هذه الأشياء كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^١) وباعتبار المخلوق رؤية بصر؛ لأنه يشاهد ويعلم ولا يمكن إنكاره، قال المؤلف: [والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة عليها للعطف] هل الواو داخلة أو مدخولة؟ المؤلف يقول: الواو على الهمزة" لكن نقول: دخلت الهمزة على الواو، فإذا قلت (سوف يقوم) فإن سوف دخلت على يقوم، فالداخل هو الأول، والمؤلف يقول: الواو الداخلة عليها، يشير إلى القول الثاني في مثل هذا التركيب وهو أن التقدير: (وألم يروا أنا خلقنا لهم) وهذا أحد القولين، فهنا المؤلف - ﵀ - جعل الواو داخلة على الهمزة، والواقع أن الهمزة حسب الترتيب داخلة على الواو، ولكنه - ﵀ - يرى أن في المسألة تقديمًا وتأخيرًا، وأن الواو داخلة على الهمزة في الأصل فأصله (وألم يروا) ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ قال: [في جملة الناس ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ عملناه بلا شريك ولا معين] ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ أي أوجدنا لهم من العدم أنعامًا، والله ﷾ مختص بالخلق، فلا خالق إلا الله ﷾، وإضافة الخلق
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٥١.
[ ٢٥٧ ]
إلى المخلوق ليس على سبيل الإضافة بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأن خلق الله تعالى للأشياء خلق إيجاد من عدم، وخلق المخلوق للأشياء ليس خلق إيجاد، ولكنه خلق تغيير من حال إلى حال، أو من وصف إلى وصف، فإذا نجرت الخشبة بابًا فقد خلقتها بابًا، لكن هل أنت أوجدت هذه الخشبة؟ الجواب: لا، لكن صيرتها إلى هيئة معينة، وهذا نوع من الخلق، ولهذا يقال: للمصورين يوم القيامة أحيوا ما خلقتم، مع أنهم لم يوجدوا الصورة من عدم، لكن غيروا ونقلوا من حال إلى حال، فالخلق الخاص بالله هو خلق الإيجاد، أما الخلق الذي يكون من المخلوق فما هو إلا تغيير وتحويل فقط ﴿لَهُمْ﴾ اللام في ﴿لَهُمْ﴾ للاستحقاق، ويصلح أن تكون للملك كما سيأتي في الآية نفسها ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي مما عملنا وليس المعنى أن الله ﷾ خلق هذه الأنعام بيده، لو كان أراد ذلك ﷾ وكان الواقع كذلك لقال: (مما عملنا بأيدينا) كما قال تعالى في آدم يخاطب إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^١) فهنا أضاف الخلق إلى نفسه وجعل المخلوق به اليد، أما هنا فأضاف العمل إلى اليد ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (^٢) وما أشبهها مما يضاف فيه الفعل إلى اليد، والمراد الإنسان، كذلك هنا أضاف الله تعالى العمل إلى يديه والمراد نفسه، أي: مما عملنا، ولو قلنا: بأنه خلقها بيديه لكانت الأنعام أشرف من
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٧٥.
(٢) سورة الشورى، الآية: ٣٠.
[ ٢٥٨ ]
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهنا قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ بالجمع فهل الله ﷿ له أكثر من يدين؟ الجواب: لا، ليس لله أكثر من يدين، ليس له إلا يدان اثنتان، وجمع هنا من أجل المناسبة؛ لأن الأفصح في المثنى إذا أضيف إلى جمع الجمع، ألم تر إلى قول الله تعالى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^١) مع أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، فهنا لما أضافه إلى الضمير المفيد للجمع - وهنا للتعظيم بلا شك - ناسب الجمع، وأيضًا فإن الجمع أبلغ في التعظيم فلهذا جمعت، وأيضًا فإن هذه الأنعام لا يحصيها إلا الله ﷿ فهي جموع كثيرة، كل واحد منها تحتاج إلى فعل خاص؛ لأن لكل واحدة خلق خاص، فجمع أيضًا باعتبار المعمول الذي هو هذه الأنعام، وعلى كل حال فهذه الآية لا شك إنها تفيد إثبات اليد لله ﷿، ولكنها لا تفيد أنه له أكثر من يدين لما تقدم من وجوه الجمع.
فإذا قال قائل: مأ هو الدليل على أنه ليس لله إلا يدان اثنتان؟
قلنا: الدليل أن الله تعالى تمدح بهما في مقام المدح والعطاء والرزق، ولو كان له أكثر من ذلك لذكرها لاقتضاء المقام إياه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (^٢) ولو كان له أكثر من واحدة لقال: (بل أيديه) لأنه بلا شك كلما كثرت الأيدي كثر العطاء وهذا باعتبار المخلوق، أما الخالق ﷿ فعطاؤه لا ينفد، ولا يعد،
_________________
(١) سورة التحريم، الآية: ٤.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
[ ٢٥٩ ]
وليس له إلا يدان اثنتان، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة.
﴿أَنْعَامًا﴾ قال المؤلف: [هي الإبل والبقر والغنم] كأن المؤلف رحمه الله تعالى خصها بالإبل والبقر والغنم س لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (^١). ولو قيل: بأن الآية أعم من ذلك؛ لأنه قد يكون هناك حيوانات يحصل بها من المنافع ما يحصل بهذه الأشياء الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ الفاء مفرعة على قوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ أي: فعلى كونها خلقت لهم ولمصالحهم هم لها مالكون، وأتى بالجملة الإسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار، أي: أن هذا الملك مستمر، وهذا الملك الذي ذكره الله ﷿ يقول فيه المؤلف: [ضابطون] فهو من ملك التصرف، وليس من الملك الشرعي الذي يحصل بالبيع والشراء والهبة وما أشبهها. أي: أنهم يملكونها ويضبطونها ويتصرفون فيها كما شاءوا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: تقرير نعمة الله ﷿ على عباده، بهذه الأنعام؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.
٢ - ومن فوائدها أيضًا: أن هذه الأنعام ملك لنا ننتفع بها بجميع وجوه الانتفاعات لقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ فكل وجوه الانتفاعات فإنه يجوز لنا أن ننتفع بها لأنها مادامت لنا فنحن فيها أحرار إلا ما قام الدليل على منعه. ويتفرع على هذه الفائدة:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١.
[ ٢٦٠ ]
أنه يجوز أن نركب ما لم تجر العادة بركوبه، مثل أن نركب البقر، ولهذا قال الفقهاء: يجوز الانتفاع بهذه الحيوانات في غير ما خلقت له.
فإن قلت: ما الجواب عن الحديث الصحيح: "بينما رجل راكب بقرة يسوقها، إذ التفتت إليه فقالت له: إنا لم نخلق لهذا، قال النبي - ﷺ -: "فأنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر" (^١).
فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا الرجل ركبها ركوبًا يشق عليها، وهي ما خلقت لتعذب، وهو كذلك حتى لو أن الإنسان ركب الإبل على وجه يعذبها قلنا له: إنها لم تخلق لهذا.
٣ - من فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة العمل إلى الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ لكن لا يسمى الله بالعامل، كما لا يسمى بالصانع أخذًا من قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^٢) وذلك لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء والتسمية، فيجوز أن نشتق من كل اسم صفة، ولا يجوز أن نشتق من كل صفة اسمًا.
ولهذا نقول: (الصفات أوسع من الأسماء)، أي باب صفات الله أوسع من باب الأسماء، لأن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة تتضمن اسمًا.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله ﷿؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ وهذه اليد التي أضافها إلى نفسه يد حقيقية ثابتة، ولكن بدون أن تكون مماثلة لأيدي المخلوقين؛
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب استعمال بقر للحراثة (٢٣٢٤ ومسلم بمعناه، كتاب فضائل الصحابة (٢٣٨٨).
(٢) سورة النمل، الآية: ٨٨.
[ ٢٦١ ]
لأن مماثلة الخالق للمخلوق ممتنعة غاية الامتناع عقلًا وسمعًا، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٢) وأما العقل: فإن كل عاقل يدرك الفرق بين الخالق والمخلوق في الذات والصفات، فالواجب علينا أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه من غير تمثيل.
ثم اعلم أن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى: صفات لازمة، وصفات غير لازمة، وإلى ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا، فمثلًا: السمع، والعلم، والقدرة، والحياة هذه صفات لازمة، ويسميها أهل العلم الصفات الذاتية، ومثل: الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والخلق وما أشبه ذلك، صفات غير لازمة، ويسميها أهل العلم: الصفات الفعلية. فالله لم يزل ولا يزال خالقًا، لكن المخلوق يتجدد، فكل خلق يتعلق بهذا المخلوق فإنه يكون حادثًا بعد أن لم يكن، ولكن هذا حدوث نوع، وليس حدوث جنس، لأن الله لم يزل ولا يزال خالقًا. والاستواء على العرش هذا لا شك أنه حادث؛ لأنه قبل العرش ليس مستو عليه، والذي نظيره أبعاض وأجزاء مثل: اليد، والوجه، والقدم، والعين، هذا نظيره بالنسبة لنا جزء من الذات، أو بعض منها، ولا يصح أن نقول: إنه جزء من الله، أو بعض من الله؛ لأن الله ﷿ لا يتجزأ ولا يتبعض، إذ إن الجزء ما جاز
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٢) سورة النحل، الآية: ٧٤.
[ ٢٦٢ ]
وجود أصله بعدمه، فبالنسبة لله لا يمكن أن يكون هكذا، يعني لا يمكن أن تنفصل اليد مثلًا - وحاشا لله ﷿ - أو الوجه، أو ما أشبه ذلك، بالنسبة للمخلوق يمكن أن تنفصل، ولهذا يجب أن نقول: ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا، ولا نقول ما هو أجزاء وأبعاض لله؛ لأن هذا منكر غاية الإنكار.
واليد نقول: إنها حقيقية، ثابتة لله على الوجه اللائق به، ولكن لا تماثل أيدي المخلوقين، وهذا مذهب السلف، وعليه جرى أئمة المسلمين، لكن ابتلي قوم بتحريف اليد وقالوا: إنها النعمة، أو القوة، بناءً على أن عقولهم تحيل أن يتصف الله ﷿ باليد الحقيقية، ولا شك أن هذا ضلال وجناية على النصوص. أما كونه ضلالًا؛ فلأنهم حكموا على الخالق بعقولهم القاصرة، وهذا لا شك أنه ضلال، إذ كيف تحكم على الخالق بعقلك؟ والخالق ﷿ يقول عن نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^١) ويقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٢) ويقول: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وأنت تقول ليس له يد. سبحان الله؟ ولولا تأويلهم لها، وقولهم: نحن نثبت اليد ولكن المراد كذا. لكان هذا تكذيبًا للنصوص، ونحن نعلم أن المكذب للنصوص كافر.
وكان جناية على النصوص من وجهين؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد كذا، وأراد كذا، فنفوا ما أراد الله، وأثبتوا ما لم يرده، فكان جناية على النصوص من الوجهين: السلبي والإيجابي.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٢) سورة ص، الآية: ٧٥.
[ ٢٦٣ ]
السلبي حيث نفوا ما أثبت الله، والإيجابي أثبتوا ما لم يرده الله. إذ قال الله ﷿: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^١) قالوا: أراد باليدين النعمة أو القوة. نقول - سبحان الله - من الذي أعلمك؟ الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأنت تقول: ليس له يد، بل هي نعمة، من الذي قال لك هذا؟ فنفيك قول على الله بلا علم، وإثباتك لما أثبت قول على الله بلا علم، فكان جناية على النصوص من وجهين، والحقيقة أن الإنسان يعجب غاية العجب أن يسلك هذا المسلك أئمة مشهود لهم بالخير والصلاح ونفع الأمة، ولكنه يعرف بذلك تمام حكمة الله - ﷿ - وأن الإنسان مهما كان فهو ضعيف وقاصر، وإلا فالله ﷾ يتحدث عن نفسه بحديث هو أصدق الحديث، وأحسن الحديث، وصادر من أعلم بما يقول. ثم نقول: الله ما أراد هكذا، فيجب أن نؤمن بأن الله له يد حقيقية لائقة به، لا تماثل أيدي المخلوقين بأي حال من الأحوال.
وهكذا يجب علينا أن نجري جميع آيات الصفات وأحاديثها.
فإن قيل: ما تقولون في تفسير بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (^٢) أي: بقوة.
فالجواب: أن نقول هذا صحيح (أيد) هنا بمعنى قوة، لأن أيدٍ مصدر أد، يئيد، أيدًا، كباع يبيع بيعًا، وكال يكيل كيلًا، ولا يجوز أن نقول هي كقوله: ﴿أَيْدِينَا﴾ لأن الله لم ينسبها إلى نفسه،
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٧٥.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٤٧.
[ ٢٦٤ ]
فلم يقل: "والسماء بنيناها بأيدينا" وإذا لم ينسب الله ذلك إلى نفسه حرم علينا أن ننسبه إلى الله، فكان يتعين أن نفسر قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة. وإذا لم يضف الله شيئًا إلى نفسه حرم أن نضيفه إليه. لأنا لو أضفناه إليه وهو لم يضف إليه لكنا نقول على الله بلا علم. ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ (^١) اختلف السلف في قوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ هل المراد عن شدة، أو المراد عن ساقه ﷿، ونحن إذا أخذنا القاعدة التي قررناها الآن بأن ما لم يضفه الله إلى نفسه يحرم علينا أن نضيفه إليه، قلنا: إن المراد بالساق هنا الشدة ولابد، ولا يمكن أن نفسره بساق الله، لأن الله لم يضفه إلى نفسه فلم يقل: (يوم نكشف عن ساقنا) بل قال ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ولكن إذا تأملت سياق الآية الكريمة وما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - وجدت أن ذلك يقتضي أن يكون المراد به ساق الله فإنه في حديث أبي سعيد الطويل المشهور، أن الله يكشف عن ساقه فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا، ويعجز عن السجود من لم يسجد لله في الدنيا (^٢)، فهنا ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ نجد أن سياق الآية يوافق سياق الحديث، وحينئذ نقول: إن كلام الله
_________________
(١) سورة القلم، الآية: ٤٢.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب يوم يكشف عن ساق (٤٩١٩) ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١٨٣).
[ ٢٦٥ ]
تعالى يفسر بكلام الله تعالى، ويفسر بكلام رسوله - ﷺ -، فإذا دل سياق حديث أبي سعيد على ما دل عليه سياق الآية فإن الآية تفسر به، وحينئذ يكون القول الراجح أن المراد بالساق الذي جاء على وجه النكرة المراد به ساق الله ﷿، ولكنه نُكر للتعظيم، لأن التنكير قد يراد به التعظيم.
فإذا قال قائل: الآية التي معنا في سورة "يس" ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فهل تصفون الله بأن له أيدٍ كثيرة أم ماذا؟
نقول: الذي عليه أهل السنة أنه ليس لله إلا يدان اثنتان، وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذا القول الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^١) وقوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ﴾ (^٢) وبين هذه الآية، ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ وإلى الجمع بينه وبين الإفراد الذي جاء في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (^٣) وما أشبه ذلك.
قال أهل العلم: الجمع بينهما متيسر - ولله الحمد - لأنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت. ولا في كلامه من تفاوت أيضًا، فلا يتفاوت كلامه ولا يتناقض، كما لا يتناقض خلقه أيضًا، فالخلق منسجم بعضه مع بعض، وكذلك الشرع منسجم بعضه مع بعض. قالوا: إن المفرد المضاف يشمل؛ لأنه للعموم، ألم تر إلى
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٧٥.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٣) سورة الملك، الآية: ١.
[ ٢٦٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^١) نعم لا تحصى مع أنه قال: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ واحدة، لكن المفرد المضاف يكون للعموم فيشمل كل ما يثبت لهذا المفرد المضاف وإن كثر، إذًا ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ لو فرض بأن هناك أيادي كثيرة، فيدخل واليدان فإنه تدخل، إذًا لا منافاة بين المفرد وبين العدد جمعًا كان أو مثنى، فقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ اليد مفرد مضاف. والضمير مضاف إليه، والمفرد المضاف يفيد العموم. أي: مفرد مضاف فهو مفيد للعموم. ومثال لذلك: لو قال رجل لامرأته: طالق، وله أربع نسوة يطلق كل النسوة إلا إذا نوى أنها واحدة، ولو قال: عبدي حر، وله أكثر من عبد عتق الجميع، ما لم يُرد واحدًا.
ولو قال: بيتي وقف، وله بيوت صارت بيوته كلها وقفًا ما لم يرد واحدًا. فالمفرد المضاف يعم.
بقي لنا الجمع بين اليدين الثنتين، والجمع الذي هو "أيدينا" كيف نجمع بينهما؟
والجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أن كثيرًا من علماء اللغة العربية يقولون: إن أقل الجمع اثنان، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^٢) فهنا جمع مع أن المراد اثنان.
وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^٣) (إخوة)
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤.
(٢) سورة التحريم، الآية: ٤.
(٣) سورة النساء، الآية: ١١.
[ ٢٦٧ ]
جمع. مع أن الأم تحجب من الثلث إلى السدس باثنين. وبقول النبي - ﷺ -: "الاثنان وما فوقهما جماعة" (^١) أي: في الصلاة.
ولكن أكثر علماء اللغة -وهو المشهور- يقولون: إن أقل الجمع ثلاثة، وحينئذ يمكن الجمع.
الوجه الثاني: وهو أن نقول: إن المراد بالجمع في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ المراد به التعظيم، لأن الجمع يدل على التعظيم، ولهذا يأتي ضمير الجمع "نا" في مقام التعظيم. فكل ضمير أضافه الله إلى نفسه وهو (نا) فليس المراد به الجمع، بل المراد به التعظيم. فهنا الجمع للتعظيم، وللمناسبة أيضًا لأنه أضيف إلى ما يفيد الجمع فكان الأنسب أن يكون مجموعًا، فهذه المناسبة لفظية، وإرادة التعظيم مناسبة، معنوية. وبهذا يزول الإشكال.
فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: إن لله أيادي كثيرة؟
فالجواب: إن هذا يمنعه المعنى، لأن الله تعالى لما مدح وأثنى على نفسه بالعطاء لم يذكر إلا يدين اثنتين، ولو كان له أكثر لكان يذكر الأكثر؛ لأنه أبلغ في المدح. فلما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٢) عُلم أنه ليس له إلا يدان اثنتان، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^٣) فأثبت القبضة بيد،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢٥٤٥) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب الاثنان جماعة (٩٧٢).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٦٧.
[ ٢٦٨ ]
والسماوات مطويات بيمينه باليد الأخرى، والنصوص في هذا كثيرة، ولهذا نعتقد نحن أن الله ﷾ ليس له إلا يدان اثنتان فقط.
ومثل ذلك نقول: في صفة العين، العين وردت مجموعة، ووردت مفردة ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ (^١) ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (^٢) فنقول: عين مفرد مضاف فيعم ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ إما أن نقول للتعظيم، أو بأن أقل الجمع اثنان، وليس لله أكثر من عينين اثنتين، ودليل ذلك حديث الدجال حينما تحدث النبي - ﷺ - عنه، وبيّن تمويهاته قال: "إنه أعور العين اليمنى، وإن ربكم ليس بأعور" (^٣)، فبين العلامة الحسية الظاهرة وهي عور عين الدجال، ومن العجب أن بعض الناس قال: إن المراد بالعور هنا العيب، يريد أن يثبت أن لله تعالى أعينًا كثيرة، بناءً على الجمع في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ولكن هذا عور من هذا القائل؛ لأن الحديث صريح في أن المراد عور العين، حيث قال: "أعور العين اليمنى" ولم يقل: (أعور) فقط، فلو قال: (أعور) فقط، وربما يحتمل ما قاله، مع أن ما قاله ضعيف بعيد؛ لأن اللغة العربية لا تعبر بالعور عن العيب، فالرسول - ﷺ - قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: المريضة، والعجفاء، والعوراء، والعرجاء" (^٤) فجعل العور غير
_________________
(١) سورة طه، الآية: ٣٩.
(٢) سورة القمر، الآية: ١٤.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٧٣١). ومسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (١٠١) (٢٩٣٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٤).
[ ٢٦٩ ]
العيب، فكل الثلاثة الأخرى عيوب، لكن جعل العور في العين، فنحن نقول لهم: أصل العور في العين ثم إذا جاء الحديث "أعور العين اليمنى" صار قاطعًا للاحتمال قطعًا نهائيًّا لا يمكن أن يراد به العيب.
فإذا قال قائل: ما وجهه؟
قلنا: وجهه: لو كان لله أكثر من عين لكان الرسول - ﷺ - يذكره؛ لأنه أدل على تعظيم الله، وأبين في التميز من أن يقال: أن الفرق هو أن هذا أعور، والرب محز وجل ليس بأعور، وبهذا يتبين أن دلالة حديث الدجال -وهو صحيح- دلالة واضحة ظاهرة، على أنه روي في حديث عن الرسول ﵊ ذكره ابن القيم - ﵀ - في مختصر الصواعق المرسلة "إذا قام أحدكم يصلي فإنه بين عيني الرحمن" وهذا الحديث فيه ضعف لكننا في الحقيقة لسنا بحاجة إليه، لأن الحديث الثابت في الصحيحين في قصص الدجال واضح والحمد لله.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أننا نملك هذه الأنعام ملكًا شرعيًّا، وملكًا حسيًّا قدريًّا.
أما الشرعي: فإننا نملك أعيانها، ومنافعها بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك، أما الكوني الحسي فلأننا نملك زمامها وضبطها، وهي مسخرة لنا نقيمها وننيخها، ونذهب بها ونرجع بها، وهذا من تمام نعمة الله ﷾ علينا بهذا الملك.
[ ٢٧٠ ]
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه أتى بقوله: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ بالجملة الإسمية التي تفيد الثبوت والاستمرار، أي: ملك مستقر تام.
* * *