يعاد الخلق، أو تعاد العظام بعد رميمها، فالقادر على هذا الشيء قادر على إحياء الموتى.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بجعله من الشجر الأخضر نارًا، ووجه الدلالة أنه قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾ وإلا لكان يكتفي فيقال: (الذي جعل من الشجر الأخضر نارًا) لكن ذلك لمصلحتنا، ففيه نعمة من الله ﷿ على عباده بهذه النار. وقد قرر الله هذه النعمة بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ (^١) ولا أحد ينكر ما في الطاقة الحرارية من المنافع العظيمة للخلق، فأنواعها بل أجناسها لا تحصى، فضلًا عن أفرادها.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: تقرير الشيء بالواقع فبدلًا أن نلقيه تصورًا في الذهن نذكر واقعه بالفعل، تؤخذ من قوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ فهو ﷾ بين أنه جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا، وهذا يعطينا تصورًا بأن الله ﷾ جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا، نستفيد منها، ثم حقق ذلك بذكر الأمر الواقع ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ أي: تحسونه بواقعكم، وتلمسونه بأيديكم.
* * *
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾. أجاب الله تعالى نفسه بنفسه، وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، كما قال الله تعالى:
_________________
(١) سورة الواقعة، الآيتان: ٧١، ٧٢.
[ ٣٠١ ]
﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (^١) وهذا أمر معلوم بالحس والمشاهدة، فالبشر كلهم لا يساوون كوكبًا من الكواكب، فما بالك بهذه الكواكب والنجوم التي لا يحصيها إلا الله ﷿، والسماوات العظيمة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ (^٢)؟ والذي خلق السموات والأرض أفلا يكون قادرًا على خلق الناس؛ الجواب: بلى والله، فالذي خلق هذه الأجرام العظيمة بما أودعها من المصالح العظيمة، قادر على أن يخلق مثلهم بالأولى والأحرى، وهذا هو الدليل الرابع.
قال: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ قال المؤلف: [الخلاق: الكثير الخلق، فجعل فعّالًا من صيغة المبالغة، ولا شك أن الله ﷿ كثير الخلق، لكن ينبغي أن نقول أيضًا: إن فعّالًا هنا نسبة، أي: أنه موصوف بالخلق، ووصفه بالخلق أبلغ من وصفه بإيجاد الخلق، أو بفعل الخلق، يعني أننا لو قلنا: فلان نجار. ماذا يفيد قولنا: (إنه نجار) إذا جعلناه من باب النسبة، وماذا يفيد إذا جعلناه من باب المبالغة؟ إذا جعلناه من باب المبالغة: فالمعنى أنه كثير النجارة، فنجار يعني كثير النجارة، ولكن هل هو مجيدها؟ وهل هو مستحق لأن يوصف بهذه المهنة فيقال نجار؟ وهل النجارة وصفه، بمعنى أنه حاذق متقن لها؟ لا يلزم قد يكون وقد لا يكون.
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٥٧.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٤٧.
[ ٣٠٢ ]
أما إذا قلت: (نجار) على أنها نسبة، أي: صاحب صنعة، فهو أبلغ في الوصف، والنجار، أي: ذو الصنعة المتقن لها سواء نجر كثيرًا أو قليلًا فهو نجار متقن. فهنا يمكن أن نقول: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ نحملها على النسبة المفيدة لوصف الله ﷿ بهذه الصفة العظيمة، أي: ذو الخلق المتقن على أكمل وجه، ومع هذا فإن الله ﷾ اجتمع في حقه الوصف والفعل يعني كثرة الخلق، فلا شك أن خلق الله ﷿ لا يحصى أجناسًا، فضلًا عن الأنواع، فضلًا عن الأفراد، من ذا الذي يحصي أجناس الخلق؟ من ذا الذي يحصي أنواع هذه الأجناس؟ ومن الذي يحصي أفراد هذه الأنواع؟ لا يستطيع أحد أن يحصي ذلك.
إذن فقد اجتمع في حق الله ﷾ الأمران: النسبة الوصفية كمال الوصف، والثاني: الكثرة التي تفيدها صيغة المبالغة، فإذا كان الله ﷾ خلاقًا، أي: من وصفه الخلق اللازم له، وكذلك كثير الخلق، هل يعجز عن أن يحيي العظام وهي رميم؟ لا.
﴿الْعَلِيمُ (٨١)﴾ العلم دليل على القدرة على الإعادة؛ لأننا قلنا: إن عدم الإعادة إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون للجهل، فكلما وصف الله نفسه بالعليم فإن ذلك يعني أنه قادر؛ لأنه لا يجهل كيف يخلق، وكيف ينشأ.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: الاستدلال بالأشد على الأخف؛ لأن الله تعالى استدل بقدرته على خلق السموات
[ ٣٠٣ ]
والأرض على قدرته على إحياء العظام وهي رميم.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله ﷾ وعظمته حيث خلق هذه السماوات والأرض، بما فيهما من المصالح والمنافع، والأجرام الثابتة وغير الثابتة، وهذا دليل على كمال قدرته ﷾. وقد خلق الله تعالى السماوات والأرض في ستة أيام، ومع عظمتها وسعتها وكبرها قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ (^١) أي: من تعب وإعياء.
٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقدم الأفلاك وجه ذلك: أنه قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: أوجدها من العدم، ومعلوم أن الموجد ليس بقديم، والقديم عندهم هو الأزلي الذي لا بداية له، فالسماوات والأرض كانت معدومة، ثم أوجدت بقدرة الله ﷾، وأما من قال: بقدم الأفلاك، وأنه لم تزل ولا تزال هذه الطبيعة، فإنه ظالم لا يعلم عن هذا شيئًا؛ لأنه بنى الأمر على غير دليل عقلي ولا نقلي، بل إن الدليل العقلي والنقلي يدل على إمكان حدوث هذه الأفلاك، وأنها حادثة.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل نفسه في الأمر المحقق المتقرر لقوله: ﴿بَلَى﴾.
إذ قد يقول قائل: إن إجابة المتكلم نفسه لا معنى لها؛ لأن أجابته دعوى، أو تقرير لدعوى ادعاها.
_________________
(١) سورة ق، الآية: ٣٨.
[ ٣٠٤ ]
فيقال في الجواب: إذا كان الأمر ثابتًا واقعًا فإن إجابته نفسه لا تأتي بشيء جديد سوى أنه يقرر ما كان واقعًا معلومًا للمخاطب؛ ولهذا قال ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾.
٥ - في هذه الآية فائدة نحوية وهي: أن جواب الاستفهام المقرون بالنفي، إذا أريد إثباته يقال فيه: ﴿بَلَى﴾ ولا يقال: نعم؛ لأنك لو أجبت بنعم، لكان ذلك تقريرًا لنفي المنفي، مثاله:
لو قلت: أليس زيد بقائم؟ فقلت: نعم، يعني قررت النفي ليس بقائم، فإن قلت: بلى، فقد أثبت القيام.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق وصف الله ﷿ الذي هو متصف به أزلًا وأبدًا لقوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ فهو موصوف بالخلق من قبل أن يخلق؛ لأن صفة الخلق أزلية والمخلوق حادث، فهو ﷿ متصف بالخلق، ولهذا قلنا: إن النسبة في قوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ أظهر من كونها للمبالغة.
٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالعلم الأزلي؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ (٨١)﴾ ولا شك أن الله تعالى موصوف بالعلم أزلًا وأبدًا، فإنه لم يزل ولا يزال عالمًا، لم يسبق علمه جهل، ولا يلحقه نسيان، كما قال موسى ﵊: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ (^١).
* * *