﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ لما ذكر الله ﷿ أن ذلك اليوم يجازى فيه العامل بعمله، ذكر أصناف العاملين، وهم صنفان: الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون.
وأصحاب الجنة لم يذكر الله تعالى في هذه الآية عملهم، لكنه ذكر في آيات كثيرة عملهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة، قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صحب، وصحب اسم جمع صاحب، والصاحب هو: الملازم لمصحوبه، ولا يسمى الشيء صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله - ﷺ -، فإن صحبته تثبت بمجرد اللقاء ولو للحظة، فكل من اجتمع بالنبي ﵊ ولو للحظة مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي له، ﴿الْجَنَّةِ﴾ تقدم أنها في اللغة العربية اسم للبستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه لكثرة أشجاره، يجن من فيه وما فيه، ويجن بمعنى يستر، لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سمي الجنين؛ لاستتاره في بطن أمه، وسمي الجن؛ لاستتارهم عن الأعين، وسميت الجُنة؛ لأن المقاتل يستتر بها عن السهام، فالجنة في اللغة كل بستان كثير الأشجار، وسمي بذلك؛ لأنه يجن من فيه من الساكن، وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى
[ ١٩٦ ]
هذه الكلمة في اللغة، ومعناها شرعًا هي: الدار التي أعدها الله ﷾ للمتقين: فيها لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (^١).
ولا يصح أن تقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان كثير الأشجار، ولو قلت هكذا لنزلت من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلت: هي الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها، وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة و(أل) هنا للعهد الذكري، لأن سبق ذكره و(أل) تكون للعهد الذكري إذا سبق ذكر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (^٢) فإذا كان مدخول (أل) سبق ذكره فهي للعهد الذكري. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور وهو خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: [بسكون العين وضمها] شغْل وشغُل، والقرآءتان سبعيتان، لأن المؤلف -﵀- من طريقه أنه إذا قال: في قراءة، وفي قراءة، فهما متساويتان، أي كلتاهما قراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ. فإن هذه القراءة تكون شاذة، فليعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه. فيجوز لنا أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ و﴿شُغُلٍ﴾.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.
(٢) سورة المزمل، الآيتان: ١٥، ١٦.
[ ١٩٧ ]
وهل الأفضل أن نقتصر على قراءة واحدة، أو أنه نقرأ تارة بهذه وتارة بهذه؟
الصحيح أن الأفضل أن نقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، لأن الكل ثبت عن النبي - ﷺ - ونحن إذا بقينا على قراءة واحدة هجرنا بقية القراءات على أنها شرعية ثابتة عن الرسول - ﷺ -، فالأولى أن نقرأ مرة بهذه ومرة بهذه إلا أمام العامة فلا تفعل ذلك، لأنك إذًا قرأت بقراءة مخالفة لما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله ﷿، لكن إذا كنت تقرأ لنفسك، أو تقرأ بين طلبة العلم فالأفضل أن تقرأ بهذا أحيانًا وبهذا أحيانًا، قال المؤلف ﵀: [في "شغل" بسكون الغين، وضمها، عما فيه أهل النار مما يتلذذون به، إذا هم منشغلون عما فيه أهل النار، ولو أن المؤلف جعلها مطلقة على إطلاقها لكان أولى، فهم في شغل عن كل شيء بما يتلذذون به، يعني كأنهم لا يفكرون في أي شيء آخر، لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم، وانشغلوا به عن غيرهم هذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ (^١) أي: لا يبغون تحولًا أو نزولًا عما هم فيه، بل ولا صعودًا حتى النازل منهم يرى أنه أكمل الناس نعيمًا، فالأولى أن نطلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي: أنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كل شيء، لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أن نعيمه ناقص ولا يلتفت إلى شيء أبدًا ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: [كافتضاض
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ١٠٨.
[ ١٩٨ ]
الأبكار] والكاف للتشبيه، وليس للحصر، أي: من جملة ما ينشغلون به التلذذ بافتضاض الأبكار، من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثل المؤلف بذلك لقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ قال [كافتضاض الأبكار لا شغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نصب فيها]، أي لا تعب، فهذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنه شغل يستريحون فيه، لأنه شغل فيما يسر وفيما يحصل به التنعم، قال: ﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾: قال المؤلف: [ناعمون خبر ثان، لـ (إن) والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾] أي قوله: ﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ خبر ثان لـ (إن) والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون (إن) لها خبران، والخبر يجوز أن يتعدد، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ (^١) فهذه خمسة أخبار، فالخبر يجوز أن يتعدد، لكن تعدد الخبر قد يكون لكل كلمة منه معنى مستقل، وقد تكون الكلمتان في معنى كلمة واحدة، فمثلًا إذا قلت هذا البرتقال حلو حامض، فهاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمة واحدة: (مُز) أي: جامع بين الحلاوة والحموضة، لكن لو قلت: فلان قائم مسرور، فالخبران كل واحد منهما بمعنى مستقل، بدليل أن أحدهما ينفرد عن الآخر بمعنى مستقل، والخلاصة: أننا فهمنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدد سواء كان منسوخًا كما في الآية، أم غير منسوخ.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك
_________________
(١) سورة البروج، الآيات: ١٤ - ١٦.
[ ١٩٩ ]