الملائكة جنود الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (^٢) فجنده الملائكة ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ هو قال المؤلف [ملائكة لإهلاك أحد] وقيل: ما كنا منزلين ملائكة لإهلاك هؤلاء، لأنهم أقل وأحقر من أن يبعث الله ملائكة من السماء تهلكهم، وهذا هو الأقرب، فيكون النفي هنا خاصًّا بهؤلاء القوم، لأن الله أنزل ملائكة في بدر، وأنزل ملائكة في غزوة حنين، وكذلك في غزوة الأحزاب فأرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها ولكن ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ أي جنودًا لهؤلاء احتقارًا لهم، وهذا الذي مشى عليه المؤلف من أن المراد بالجند الملائكة هو الصحيح، خلافًا لقول بعض العلماء: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من وحي ورسل، لأن الوحي تنزل به الملائكة، لكن ما مشى عليه المؤلف أصح بدليل ما يأتي فيما بعد، قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: [أي: (إن) بمعنى (ما)، وعلى هذا فهي نافية، وينبغي أن نستحضر معاني (إن):
١ - تأتي نافية.
٢ - وشرطية كما لو قلت (إن قام زيد قام عمر).
٣ - وتأتي مخففة من الثقيلة مثل: وإن مالك كانت كرام المعادن.
٤ - تأتي زائدة. كقوله:
بني غدانة ما إن أنتم ذهب ولا صريف ولكن أنتم الخزف
_________________
(١) سورة المدثر، الآية: ٣١.
(٢) سورة الصافات، الآية: ١٧٣.
[ ٩٩ ]
فتأتي على أربعة أوجه: نافية، وشرطية، ومخففة من الثقيلة، وزائدة، وإذا أتت بعدها (إلَّا) فهي نافية، وقد تكون نافية بدون (إلَّا)، كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (^١) أي: ما عندكم. لكن القاعدة: أنَّه إذا أتت بعدها إلَّا فهي نافية، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ قال المؤلف: [عقوبتهم] يعني ما كانت عقوبتهم التي عاقبهم الله بها لكفرهم ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال المؤلف: [صاح بهم جبريل] ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ يعني ما احتاجوا إلى عناء ولا جند، ما هي إلَّا صيحة، ولم يبين الله ﷾ الصائح، والمؤلف قال: إنه جبريل. ولا ينبغي أن نجزم بهذا إلَّا بدليل، لأن الواجب علينا أن نبهم ما أبهمه الله، إلَّا أن يرد تعيينه بدليل صحيح، ولم يرد تعيين الصائح بدليل صحيح، وعلى هذا فنقول: صيح بهم، ولا نجزم من هذا الصائح، المهم أنَّها صيحة واحدة، صيح بهم فهلكوا عن آخرهم، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ (إذا) هنا فجائية تدل على تعاقب ما بعدها وما قبلها، أي أن ما بعدها وقع عقب ما كان قبلها مباشرة، ولهذا سميت فجائية، لأنها تفاجئ وتأتي فورًا فحين صيح بهم ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ وبهذا نعرف أن هؤلاء ماتوا عن آخوهم لأن ﴿هُمْ﴾ ضمير يفيد الجمع والشمول.
الفوائد:
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - أن الله ﷿ قد ينزل الملائكة لإهلاك المكذبين،
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٦٨.
[ ١٠٠ ]
ووجهه أن نفي إنزال الملائكة على هؤلاء القوم يدل على إمكانه في غيرهم، وإلَّا لما صح النفي.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جند لله ﷿ لقوله: ﴿مِنْ جُنْدٍ﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن الملائكة محلهم السماوات لقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. وهذا هو الأصل، لكنهم قد ينزلون إلى الأرض كما في قوله تعالى في ليلة القدر: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (^١) وكالملائكة الذين يحفظون بني آدم، والذين يكتبون أعمالهم، والذين يكتبون المتقدمين إلى الجمعة على أَبواب المساجد وما أشبه ذلك.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حقارة هؤلاء القوم المكذبين لهؤلاء الرسل الثلاثة لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ﴾: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الله ﷿ وذلك لذكره بصيغة الجمع ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ ولا يقال إن هذا يفيد التعدد كما استدلت بذلك النصارى، وقالوا: إن الآلهة متعددة، لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ وما أشبه ذلك من الآيات، ويقال لهم: إن هذا التعدد للتعظيم، وكيف تستدلون بهذه الآيات المتشابهة وتعمون عن مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (^٢) وقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٣) وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ
_________________
(١) سورة القدر، الآية: ٤.
(٢) سورة الصافات، الآية: ٤.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.
[ ١٠١ ]
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (^١) لكن النصارى كغيرهم من أهل الزيغ يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، ومن رأى اتباع المتشابهات من النصارى وغيرهم في نصوص الكتاب والسنة تبين له العجب العجاب، وأنه حبما علينا وجوبًا مؤكدًا طلب العلم لدفع شبهات هؤلاء، لأن هؤلاء انتشروا بيننا الآن وكثروا في هذه البلاد التي قال عنها رسول الله - ﷺ -: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (^٢) هؤلاء يبثون في الناس سمومهم، وهم الآن كما سمعنا يوصلون نشرات تدعوا إلى النصرانية، ويرسلون أشرطة تدعوا إلى النصرانية، لأنهم بدأوا يعرفون المحلات، ويعرفون العناوين ثم يرسلون إليها، وعندنا من هذا عدد، يؤتى إلينا بنشرات وأشرطة مسجلة تدعوا إلى النصرانية، هذه إذا وقعت في أيدي أناس لا يعرفون جهلاء، على الأقل تركن نفوسهم، وإن كنت أستبعد جدًّا أن يتنصر أحد من المسلمين، لأن دين النصارى الذي هم عليه الآن كله ضلال، لكن لا شك أنَّه يوقع الشبهة والخلود والاطمئنان إلى هؤلاء، لذلك أنا أرى أنَّه يجب على شباب المسلمين اليوم أن يتسلحوا بسلاح العلم المبني على الأثر والنظر، لأن أولئك القوم يشبهون بما يدعون أنَّه عقل، ولا يكفي الآن أن نتعلم الأثر فقط، بل لابد من أثر ونظر، فالأثر إنما يكفي للمؤمن الذي قال الله عنه:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٧٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتَّى لا أدع إلَّا مسلمًا" كتاب الجهاد، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب (١٧٦٧).
[ ١٠٢ ]
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^١) لكن المكذب لا يكفيه الأثر؛ لأنه لا يؤمن أصلًا بالأثر ويحتاج إلى نظر وعقل تدحض به حجته، والمهم أن مثل هذه الآية الكريمة ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ يشبه بها النصارى على أن الله ﷾ متعدد أكثر من واحد، وقد ذكرنا أنهم غفلوا بل عموا عن الآيات الواضحة الصريحة أن الله إله واحد، وأن الله كفَّر من زعم أن الله متعدد ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (^٢).
٦ - في هذه الآية دليل على أن الله أهلك هؤلاء القوم بصيحة واحدة لم تكرر مرة أخرى، صيحة واحدة هلكوا بها، لكن لو قال قائل: ما نوع هذه الصيحة؟ هل قيل أهلكوا؟ نقول: الله أعلم بهذه الصيحة، هذه الصيحة أبهمها الله، يحتمل أنَّها صرخة، ويحتمل أنهم أمروا بالهلاك، المهم أنَّها صيحة واحدة فهلكوا عن آخرهم.
٧ - بيان قدرة الله ﷿، وأن من عارض الله أو ضاد الله مهما عظم فإن إهلاكه يسير على الله ﷿، كل شيء يكون بكلمة واحدة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ (^٣) وعند هذا الأمر الواحد ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ لا يتباطأ ولا يتأخر، فلمح البصر أسرع ما يكون، فإذا أراد الله شيئًا قال له: كن. فيكون كلمح البصر، وهذا يدل على عظمة الله وقدرته.
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٧٣.
(٣) سورة القمر، الآية: ٥٠.
[ ١٠٣ ]
٨ - بيان قدرة الله تعالى وأنه قادر على إهلاك الخلق بصيحة واحدة فقط بدون أي فعل، بل صوت مزعج يقطع القلوب، لقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾.
٩ - ومنها بيان ذل كل شيء لعظمته بحيث لا يكرر ولا يعيد ما أراده لقوله: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ لهذا أكدها بـ ﴿وَاحِدَةً﴾ لبيان أنهم لم يحتاجوا إلى إعادة الصيحة مرة ثانية، وهكذا جميع ما أمر الله تعالى به كونًا فإنه لا يحتاج إلى إعادة؛ لقوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة أهلكتهم جميعًا لم ينجُ منهم أحد لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ وعلى هذا ترتيب فائدة أخرى وهي:
١١ - أن قبض ملك الموت لأرواح بني آدم أكبر مما نتصور، فإنه قد يقول قائل: كيف يقبض هذه الأرواح وهي تموت في آن واحد؟
فنقول: إن كيف في الأمور الغيبية لا ترد؛ لأن هذه أمور لا ندركها بحواسنا، فكل أمر غيبي لا تقل فيه: كيف؟ ولهذا لما قيل للإمام مالك - رحمه الله تعالى -: كيف استوى؟ قال: "الكيف غير معقول" أي: لا يمكن أن ندركه بالعقل حتَّى نسأل عنه.
١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القومِ الذين كذبوا الرسل الثلاثة هلكوا جميعًا لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ وهذا يدل على أن من زعم أن هذه القرية التي أرسل إليها الثلاثة هي أنطاكية فإن زعمه باطل؛ لأن رسل عيسى ﵊
[ ١٠٤ ]