المخاطب منكرًا؛ لأن الله سبحانه هنا يخبر النبي ﵊ والمؤمنين وهم لا ينكرون ذلك، لكن لأهميته أُكد.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن، كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ (^١) أي فقد ثبت أنه في النار فلا تنقذه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قريش الذين كذبوا الرسول - ﷺ - من لم تحق عليه الكلمة فيؤمن لقوله تعالى: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي بل يجب على الإنسان اللجوء إلى الله ﷿؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلًا، وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان، ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائمًا لاجئًا إلى الله تعالى سائلًا الثبات لقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ فالأمر كله بيد الله.
* * *
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول: أغلالًا، والمفعول الثاني: مقدم، ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَغْلَالًا﴾ الغل يكون باليد، كما قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٢)
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ١٩.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
[ ٢٦ ]
وهنا قال: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ فمعناه أن اليد سوف تشد إلى العنق، ولهذا قال المؤلف: [بأن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، ﴿فَهِيَ﴾ أي: الأيدي مجموعة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾]، قوله: "مجموعة" أخذها من قوله: ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ ويجوز أن نقدر بدل "مجموعة" منتهية أو بالغة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن، وهو مجمع اللحيين، واللحيان هما العظمان اللذان عليهما الأسنان، ومجمعها يسمي الذقن، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ يقول المؤلف -﵀-: [رافعون رؤوسهم]، والأحسن أن يقال: مرفوعو الرؤوس، لأن اليد مغلولة إلى العنق تضيق على الذقن، ثم يرتفع الرأس قال: [رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها] لو تصورت هذه الصورة لوجدتها صورة بشعة، وأن الإنسان لا يتمكن معها من التصرف الحر، رجل مشدودة يداه بعضها إلى بعض ثم مجموعة إلى العنق من عند الذقن، إذن لابد أن يرتفع رأسه اضطرارًا، وزاد بعض العلماء في القبح أنها مغمضة أجفانهم؛ لأنه إذا ارتفع رأسه باضطرار فإن من تمام الذل أن يغمض عينيه، ولكن صنيع المؤلف يدل على أنه ليس بشرط، فالمهم أنك إذا تصورت هذه الحال عرفت أن هؤلاء لا تصرف لهم في أنفسهم، وأنهم لا يستطيعون أن يتصرفوا بأخذ ولا رد بالنسبة لأيديهم، وبالنسبة لرؤوسهم لا يستطيعون تنزيلها، فهي دائمًا مرفوعة، وهذا تمثيل لحال هؤلاء المكذبين كما قال المؤلف: [وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان، ولا يخفضون رؤوسهم له].
[ ٢٧ ]