يستلزم على شهادتك له بأنه شهيد؟ يستلزم بأنك شهدت له بأنه من أهل الجنة، وهذه مسألة صعبة، لكن كما قلنا آنفًا في القاعدة النافعة: (إن من اتصف بأوصاف ينطبق على أهلها هذا الجزاء فإننا نرجوا له ذلك) أما أن نجزم فلا.
فهذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، هل نجزم له بالمغفرة والأجر الكريم؟ نقول: نعم، من فعل ذلك نشهد له على سبيل العموم، لكن على سبيل التخصيص نرجوا له ذلك.
٩ - من فوائد الآية الكريمة: أن البشارة تكون بانتفاء ما يكره وبحصول ما يحب ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ انتفاء ما يكره ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ حصول محبوب، فيهنأ الإنسان ويبشر بزوال المكروه عنه، وبحصول المحبوب، اجتماعًا وانفرادًا، يعني سواء حصل له الأمران، أو حصل له أحدهما فإنه يبشر بانتفاء الشر عنه، كما يبشر بحصول الخير له.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن خشية الرحمن بالغيب واتباع الذكر يحصل به مغفرة الذنوب، والأجر الكريم، فإن ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ في مقابل الذنوب ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ في مقابل الثواب على الأعمال الصالحة.
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾. مناسبة هذه الآية لما قبلها لها مناسبتان:
المناسبة الأولى: أنه لما ذكر حال من ينتفع بذكرى الرسول
[ ٤١ ]
- ﷺ - ومن لا ينتفع، بين أن كلًّا منهم سوف يحيا بعد موته، وسوف يجازى على عمله، فالمناسبة ظاهرة ففيها بشارة للمؤمن المنتذر، وفيها إنذار وتخويف لمن خالف.
المناسبة الثانية: أن الله تعالى لما ذكر حال هؤلاء المكذبين فإن تكذيبهم بمنزلة الموت، وإذا كان الله قادر على إحياء الموتى إحياءً حسيًّا فهو قادر على إحياء هؤلاء الموتى بالكفر إحياءً معنويًّا. قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿إِنَّا﴾ ضمير جمع، والله ﷿ واحد، فتحمل هذه على التعظيم قطعًا. ﴿نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿نَحْنُ﴾ ضمير فصل؛ لأنها لو سقطت وقيل: "إنا نحيي الموتى" استقام الكلام، فهي ضمير فصل للتخصيص يعني: نحن لا غيرنا، ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، ويشمل الموتى من بني آدم وغيرهم، لكن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يدل على التخصيص، وهذا له نظائر في القرآن والسنة، إذا جاء لفظ عام، ثم ذكر بعده حكم يختص ببعض أفراده، فهل هذا يخصص العموم أو لا يخصصه؟
إذا نظرنا إلى تصرف العلماء -﵏- وجدنا أنهم أحيانًا يجعلونه مخصصًا للعموم، وأحيانًا لا يجعلونه مخصصًا للعموم، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (^١) هذه الآية فيها عموم، وفيها حكم يختص ببعض أفراد هذا العموم. فقوله
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
[ ٤٢ ]
تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يشمل من لها رجعة، ومن ليس لها رجعة، فهذا العموم، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي بعولة المطلقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ هذا الحكم يختص بالرجعيات فهل نقول: إن المراد بالمطلقات في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ المراد بها الرجعيات أو هو عام؟ أكثر العلماء على أنه عام. ومن السنة قال جابر بن عبد الله -﵄-: "قضي النبي - ﷺ - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (^١) في هذا عموم، وفي هذا حكم تعقبه يختص ببعض أفراد هذا العموم، فهل نأخذ بالعموم، أو نأخذ بما يقتضيه الحكم المعقب؟ فقوله: "قضى النبي - ﷺ - بالشفعة في كل ما لم يقسم" يشمل كل مالم يقسم حتى لو كان بينك وبينه سيارة تبيع نصيبك منها ففيها الشفعة، أخذًا بالعموم "بكل ما لم يقسم" قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" هذا يختص بالأراضي، فهل نقول: إن قوله: "في كل ما لم يقسم" يختص بالأراضي بدليل الحكم المفرع، ونقول: إذا كان شريكان في سيارة وباع أحدهما نصيبه فلا شفعة للثاني، أو نأخذ بالعموم ونجعل هذا الحكم الخاص لبعض أفراده يختص به؟ فيه أيضًا خلاف في هذه المسألة، والذي نحن فيها الآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ يشمل كل ميت حتى البهائم ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هذا خاص بالمكلفين فهل نقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: من المكلفين
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الشريك من شريكه (٢٢١٣).
[ ٤٣ ]
بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أو نقول: هو عام، وتعقيبه بحكم يختص ببعض أفراده لا يقتضي التخصيص؟ ينبني على الخلاف السابق، والعلماء يختلفون في مثل هذا، فنحن نقول: يمكن أن يقال: الموتى الذين يكتب لهم ما قدموا وآثارهم؛ بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
وقد يقول قائل: اعتبر بالعموم ﴿الْمَوْتَى﴾ كل ميت ﴿وَنَكْتُبُ﴾ ما قدم بعضهم وهم المكلفون.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ قال المؤلف: [وكل شيء نصبه بفعل يفسره: أحصيناه ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ (كل) هذه مفعول لفعل محذوف يفسره قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ وعلى هذا فيكون التقدير: "أحصينا كل شيء" ولا تجمع بين المُفسِّر والمفسَّر، ولا تقل التقدير: "أحصينا كل شيء أحصيناه" لأنه لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردت أن تقدر فقل التقدير: وأحصينا كل شيء في إمام مبين، لكن جعلت الصيغة على هذا الوجه ليكون لذكر المسند إليه مرتين لأن ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ والضمير في ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ يعودان على شيء واحد، فيكون هنا ذكر المعمول مرتين، مرة على أنه مفعول بفعل مقدر، ومرة على أنه ضمير لذلك المذكور وهو قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ وهذا التركيب يسمي عند النحويين الاشتغال، والاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهة، والمنع، لكن هذا وجوب نحوي وليس وجوبًا شرعيًّا، يعني تارة يجب نصبه، وتارة يمتنع، وتارة يترجح نصبه، وتارة يترجح رفعه، وتارة يستوي
[ ٤٤ ]
الأمران، وفي مثل هذا التركيب يترجح النصب؛ لأن قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فإذا جعلنا الواو حرف عطف والجملة فعلية ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ صار المعطوف جملة فعلية على جملة فعلية، ولو رفعنا -والرفع هنا جائز- وقلنا: "وكل شيء أحصيناه" صار العطف هنا عطف جملة إسمية على جملة فعلية، والأنسب أن نعطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ لأن تناسب الجملتين أولى من تضادهما. ولهذا نقول: إن النصب هنا أرجح، مع جواز الرفع لولا أنه في كلام الله ولا يغير لكان يجوز أن أقول: وكلُّ شيء أحصيناه، ولهذا لو قلنا: زيدٌ ضربتُه، يجوز أن أقول: "زيدًا ضربته" لكن الرفع أرجح؛ لأنه الأصل، ليس فيه جملة نعطف عليها، لكن لو قلت: "ضربت زيدًا وعمروٌ أكرمته" يجوز في "عمرو أكرمته" النصب ويجوز الرفع، لكن النصب أرجح؛ لتناسب الجملتين، نحن ذكر هذا على سبيل الاستطراد، ولكن القاعدة: إذا جاءت جملة فيها اشتغال فإن كانت ابتدائية، أو معطوفة على جملة إسمية فالراجح الرفع، وإن كانت معطوفة على جملة فعلية فالراجح النصب.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هل الذي يكتب الله ﷿، أو الملائكة بأمر الله؟
الجواب: الملائكة بأمر الله لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (^١).
_________________
(١) سورة الانفطار، الآيات: ٩ - ١٢.
[ ٤٥ ]
وإسناد الكتابة إلى الآمر موجود في اللغة العربية كثيرًا، يقول السيد: (كتبت كذا وكذا) والمراد كتبه عبيده، فهنا يقول الله ﷿: ﴿وَنَكْتُبُ﴾ والمراد ملائكتنا؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿مَا قَدَّمُوْا﴾ أي: ما قدموه في في الدنيا من أعمال صالحة؛ لأن كل إنسان يعمل عملًا صالحًا في الدنيا فإنه قد قدمه، بمنزلة السلم، والسلم في البيع أن المشتري يقدم الثمن، فأنت الآن مقدم للثمن، والمثمن يكون يوم القيامة، وقد يكون في الدنيا ويوم القيامة جميعًا، فأنت الآن إذا عملت عملًا صالحًا فقد قدمت لنفسك ثمنًا تأخذ عوضه يوم القيامة، ثق بهذا وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ يقول المؤلف -﵀-: [نكتب في اللوح المحفوظ ما قدموا في حياتهم] هذا ما مشي عليه المؤلف أن المراد بالكتابة هنا الكتابة باللوح المحفوظ، وهذا التفسير مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ﴾ فعل مضارع، والمضارع لا يحمل على الماضي إلا بدليل: دليل لفظي كـ (لم) مثلًا: إذا دخلت على الفعل المضارع جعلته ماضيًا، أو دليل حالي يدل عليه السياق، وهنا لا دليل على أن المراد ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ؛ لأن الكتابة في اللوح المحفوظ انتهت. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ (^١) فاللوح المحفوظ انتهت كتابته، ولا يمكن أن تصاغ ﴿وَنَكْتُبُ﴾ بشيء
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٥.
[ ٤٦ ]
انتهى، ولكن المراد (نكتب) في صحائف الأعمال، والذين يكتبون الملائكة بأمر الله -﷿- ما قدموا في حياتهم من خير وشر ليجازوا عليه، لكن ما قدموه من خير فهو مضمون، وما قدموه من شر فليس بمضمون. لأن الخير لا يمكن أن يهدر منه شيء، والشر قد يعفو الله عنه إذا لم يكن شركًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١) وهذا من مصلحة الإنسان إذا كان غير مضمون، ﴿وَنَكْتُبُ﴾. الآثار جمع أثر، والأثر ما أعقب الشيء، ومنه أثر القدم بعد المشي فإنه يعقبه، فما المراد بآثارهم؟ قال المؤلف: [ما استن به بعدهم] وهذا التفسير كمثال وليس حصرًا؛ لأن الذي يكتب بالآثار أكثر مما استن به بعدهم؛ لقول النبي ﵊: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (^٢). فمثلًا الصدقة الجارية هذه من آثارهم، وإذا أوقف الإنسان مزرعة أو بستانًا على الفقراء وانتفعوا به بعد موته، صار هذا من الآثار بلا شك، وإن كان أصل التقديم في حياته لكن النفع صار بعد مماته، والعلم النافع من آثارهم فكل ما انتفع به بعد موته من علم فهو من آثاره. والولد الصالح أيضًا من آثاره؛ لأن الولد من كسب الإنسان، فإذا كان ولدًا صالحًا يك عو لأبيه أو أمه فهو من الآثار، وما اقتدي به الناس من الأعمال الصالحة، والأخلاق الحميدة فهو أيضًا من الآثار، فما ذكره
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٢) رواه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (١٦٣١).
[ ٤٧ ]
المؤلف على سبيل المثال، وهذا الذي قاله المؤلف -﵀- أن المراد بالآثار ما كان بعد موت الإنسان هذا هو الصحيح.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآثار: الآثار التي يتقدموا بها إلى الطاعة، كالمشي إلى الصلوات، فإن الله تعالى يكتب للإنسان كل خطوة فيرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة. واستدل هؤلاء بأن النبي ﵊ قال لبني سلمة: "دياركم تكتب آثاركم" (^١)، فجعل الرسول ﵊ الآثار تكتب، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن قول الرسول "تكتب آثاركم" هذا مما قدموه في حياتهم، ولكن سماه أثرًا لأنه أثر، وهو المشي والمسير، فالصواب أن الآية كما قال المؤلف أن المراد بما قدموا: ما سبق من أعمال صالحة في حياتهم حتى آثار مسيرهم إلى المساجد، وآثارهم ما كان بعد موتهم. قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ قال المؤلف: [﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه]، والإحصاء بمعنى الضبط مأخوذ من الحصى، لأن العرب أمة أمية لا يكتبون، يضبطون الأشياء بالحصى وشبهها، ويقدرون بالرمح وما أشبهه، لا يقرءون ولا يكتبون، فكانوا إذا أرادوا ضبط الشيء أخذوا حصى، فإذا سألوا كم عدد القوم؟ أعطوه كيس الحصى، ولهذا قال الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
ولست بالأكثر منهم حصى، يعني أن قومك ليسوا بكثيرين، ويضرب المثل فيقال: جاء قوم كُثرُ الحصى، فأحصيناه
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١٤٩٩٢).
[ ٤٨ ]
ضبطناه، وسمي الضبط إحصاء، لأن العرب كانت تضبط الشيء بالحصى، قوله: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ قال المؤلف -﵀-: [كتاب مبين]، هذا صحيح ﴿فِي إِمَامٍ﴾ الإمام يطلق على عدة معانٍ يجمعها أنه مرجع، فإمام الصلاة مثلًا إمام، لأنه مرجع للمأمومين يقتدون به، وإمام الحكم كذلك مرجع يرجع الناس له، والكتاب إمام لأنه مرجع كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (^١). إذًا ﴿فِي إِمَامٍ﴾ في كتاب، وقوله: ﴿مُبِينٍ (١٢)﴾ يقول المؤلف -﵀-[بين]، لأن مبين هنا من الرباعي، من أبان يبين فهو مبين. أما بيّن فهي من الثلاثي، من بأن يبين، فهو بين، وكلمة (بأن) و(أبان) تأتيان بمعنى واحد فيقال: بأن الصبح، وأبان الصبح. وتنفرد أبان بأنها تأتي بمعنى أظهر وأوضح، أبان الشيء يعني أظهره وأوضحه. فإذا جاءت كلمة (مبين) في القرآن الكريم فإنها تصلح بأن تكون بمعنى (بين) وتصلح بأن تكون بمعنى (مظهر وموضح) لكن ليس كل موضع جاءت فيه تصلح للوجهين جميعًا، قد تكون في موضع لا تصلح إلا بين، فمثلًا: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٢) معناها بين ظاهر، وقوله: ﴿حَم﴾ (^٣) بمعنى الموضح المظهر، وهو إذا كان موضح فهو واضح، لكنها هنا مبين بمعنى مظهر، أبين في
_________________
(١) سورة الإسراء، الآيتان: ١٣، ١٤.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.
(٣) سورة الدخان، الآية: ١.
[ ٤٩ ]
المعنى، فكلمة (مبين) إذا صلحت أن تكون من الرباعي الذي بمعنى أظهر، فهو أولى من تفسيرها بالثلاثي الذي بمعنى ظهر، لأن المظهر جامع بين الظهور بنفسه والإظهار لغيره، فيكون معناه أشمل. وقول المؤلف عن الإمام المبين: [هو اللوح المحفوظ] وهذا صحيح يعني محتمل، فإن اللوح المحفوظ كتبت فيه أعمال العباد، ولكن هنا (مبين) هل الأنسب أن تكون كما فسرها المؤلف بين، أو مبين بمعنى مظهر؟ هل المعنى أنه كتاب بين، أو كتاب مبين يظهر الحقائق؟ الظاهر أن المعنى الأخير أولى؛ لأن هذا الكتاب مبين للأمور موضح لها، وكما قلنا: ما كان مبين فهو بين فهي صالحة لما يقول المؤلف: [هو اللوح المحفوظ] لأنه يقول: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ أي أنه قد انتهى، ويجوز أن تكون صحائف الأعمال لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (^١).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله ﷿ في إحياء الموتى، وقد برهن الله ﷿ على قدرته على إحياء الموتى بأدلة عقلية، وأدلة حسية.
فمن الأدلة العقلية مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (^٢) فهذا دليل عقلي على إمكان إحياء الموتى، وجهه أن الإعادة أهون من الابتداء، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، وكما في قوله تعالى: ﴿كَمَا
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١٤.
(٢) سورة الروم، الآية: ٢٧.
[ ٥٠ ]
بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ (^١) هذا مثله أيضًا استدل الله تعالى بالابتداء على الإعادة.
أما الأدلة الحسية فما أكثر ما يضرب الله الأمثال بإحياء الأرض بعد موتها على قدرته على إحياء الموتى، مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (^٣). والآيات في ذلك كثيرة، فقد برهن الله ﷿ على قدرته على إحياء الموتى بالأدلة العقلية، والحسية، لتكون لذوي العقول دليلًا، ولذوي الأبصار، والأدلة الظاهرة دليلًا أيضًا، فالإنسان العقلاني كما يقولون نستدل له أو عليه بالعقل، والإنسان السطحي الذي لا يستدل إلَّا بما يشاهد نستدل عليه بالأدلة الحسية.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من لم يخش الله ولم يتبع الذكر فإن الله قادر على أن يحيي قلبه فيخشى الله ويتبع الذكر، ووجه الدلالة أن الله تعالى ذكر هذا بعد أن ذكر انقسام الناس إلى من يخشى الله بالغيب ويتبع الذكر، ومن لم يكن كذلك، فيه إشارة إلى أن الله قادر على أن يرد هؤلاء إلى الحق.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٩.
(٣) سورة ق، الآيات: ٩ - ١١.
[ ٥١ ]
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مكتوب للإنسان إما له وإما عليه لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
٤ - ومن فوائدها: أن الله تعالى يكتب كل شيء القليل والكثير؛ لقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ وما اسم موصول، والاسم الموصول يشمل الصغير والكبير، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (^١) ويدل عليه أيضًا في آخر الآية: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال لا تنقطع بالموت لقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ والاثار ذكرنا أنَّها أنواع: العلم، والصدقة الجارية، والولد الصالح يدعو له، وسنة يحييها فيتبعه الناس عليها.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله ﷿ في ضبط الأمور وإتقانها، وأنه لا يفوته شيء لقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
٧ - ومن فوائدها: أن ما يكتب على الإنسان فإنه حق بين واضح لا يمتري فيه أحد، لقوله: ﴿مُبِينٍ (١٢)﴾ والشيء المبين هو الذي يوضح الأشياء مع وضوحه في نفسه وهو كذلك، ولذلك يقول الله ﷿: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (^٢).
* * *
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٤٩.
(٢) سورة الإسراء، الآيتان: ١٣، ١٤.
[ ٥٢ ]