اللفظ، بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها ألين؛ لأنه يخاطب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب، فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية، أو آيتين، أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة في آية مثلًا، فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنًا يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة، ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى ﵊ مع أن العناية بقصص موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود، فبعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسور المدنية، أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مسلم.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة، ما عدا سورة براءة، وليست البسملة من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها، فقوله ضعيف لوجهين:
الأول: للتفريق بدون دليل.
والثاني: أن حديث أبي هريرة -﵁- الثابت في الصحيح وهو قول الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي
[ ٤ ]
نصفين" (^١)، يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث؛ ولأن النبي - ﷺ - كان لا يجهر بالبسملة في صلاته، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات.
أما إعرابها فهي: جار ومجرور، وصفة وموصوف، وهذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، وقدرناه فعلًا، لأن الأصل في العوامل الأفعال، ولذلك تعمل الأفعال فعلها بدون شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لابد فيها من شروط، وقدرناه مناسبًا أو خاصًّا؛ لأنه أدل على المقصود، وقدرناه متأخرًا لفائدتين:
الأولى: الترك بتقديم اسم الله ﷿.
الثانية: إفادة الحصر، فعندما تسمي على الوضوء فالتقدير: باسم الله أتوضأ، ولو قلت: باسم الله أبتديءُ فيصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود، ولو قلت: أبتديء بسم الله، صح لكن فاتك التأخير، والتخصيص، والفعلية؛ لأنك قلت: أبتديء، وإذا قلت: "أبتديء باسم الله" فاتك التأخير والتخصيص، وإذا قلت: "أتوضأ باسم الله" فاتك التأخير فقط.
ولو قال قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟
نقول: نعم، قال النبي ﵊ وهو يخطب
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ٣٨ (٣٩٥).
[ ٥ ]
الناس في عيد الأضحى: "من لم يذبح فليذبح باسم الله" (^١)، أو "فليذبح على اسم الله" (^٢)، فخص الفعل.
لفظ الجلالة: (الله) اسم لله رب العالمين، وهو أعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشاركه فيه أحد، ولهذا قالوا: أعرف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يشاركه فيه أحد، والضمير إذا قلت "قمت" فلا يشاركني أحد فيه، لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا الشركة فيه.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صفتان لله، والرحمن، والرحيم معناهما ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له، ولهذا كان الرحمن عامًّا، والرحيم خاصًّا، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فالرحمن لوحظ فيه الوصف، والرحيم لوحظ فيه الفعل، ولهذا لما لوحظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة، فصارت على وزن (فعلان).
والرحمة صفة من صفات الله ﷾ الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رقة ولين، وهذا لا يليق بالله ﷿، وفسروها إما
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (٩٨٥) ومسلم كتاب الأضاحي، باب وقتها ١ (١٩٦٠).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب قوله - ﷺ -: "فليذبح على اسم الله" (٥٥٠٠)، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها (١٩٦٠).
[ ٦ ]
بالإرادة، لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، -يعني المفعول منفصل عن الفاعل- فهم يفسرونها: إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة، ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله ﷿ وهي من أبرز صفاته، فقد قال الله تعالى: "إن رحمتي سبقت غضبي" (^١) والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، فمثلًا هذه سماء، وهذه أرض، وهذه شمس، وهذا قمر، إلى آخره، يدل على الإرادة لأنه لا مخصص إلا بإرادة، أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها، بل يدل على انتفائها.
فنقول: عجبًا لكم، دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص النالس، فلو سألت طالب العلم بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كل يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق فنقول: نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، من أين هذا؟ فيقول لك مباشرة: من رحمة الله، فيستدل بالنعم
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ (٧٤٥٣) ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه (١٥) (٦٩٧٠).
[ ٧ ]