رَبِّي﴾ الباء هنا متعلقة بـ (يعلمون) والعلم هنا بمعنى المعرفة، فلا تتعدى إلَّا إلى مفعول واحد، و(ما) مصدرية كما حلها المفسر وأولها إلى مصدر فقال [بغفرانه]. وهنا نذكر معاني (ما)، معاني (ما) عشرة:
١ - استفهامية.
٢ - شرطية.
٣ - موصولة.
٤ - تعجبية
٥ - نكرة.
٦ - كافة.
٧ - نافية.
٨ - زائدة.
٩ - للتعظيم.
١٠ - مصدرية.
والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، لأنها مأخوذة من المغفر، والمغفر فيه شيئان:
أحدهما: الستر لأنه يستر الرأس.
والثاني: الوقاية؛ لأن الإنسان يضع على رأسه المغفر في القتال ليتقي به السهام، وليس المغفرة بمعنى الستر فقط.
ثم قال: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ فأضاف الربوبية، وهي من الربوبية الخاصة، لأن الربوبية نوعان: ربوبية عامة، وربوبية خاصة، فالربوبية العامة هي الشاملة لجميع الخلق، التي مقتضاها التدبير والتصرف في الخلق كما تقتضيه حكمته، والخاصة هي التي يكون فيها عناية بهذا المربوب، كربوبية الله ﷾ لرسله وأوليائه، وقد اجتمع النوعان في قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ (^١) الأولى: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عامة، والثانية ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خاصة، ويقابل ذلك العبودية فإنها عامة، وخاصة، فالعامة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ كُلُّ
_________________
(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٢١، ١٢٢.
[ ٩٢ ]
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (^١) والخاصة كقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (^٢) والخاصة فيها أخص وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (^٣).
﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ جعلني من المكرمين لدخوله الجنَّةَ؛ لأن دخول الجنَّةَ إكرام للإنسان من قبل الله تعالى، وإكرام من قبل الملائكة؛ لأن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وإكرام من جهة الولدان المخلدون الذين هم خدم لأهل الجنَّةَ، وإكرام من جهة الزوجات اللاتي هن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، وإكرام من جهة بعضهم لبعض، فإنهم إخوان على سرر متقابلين، قد نزع الله ما في قلوبهم من غل، ومثل هذا لابد أن يكون فيه إكرام من بعضهم لبعض، فأهل الجنَّةَ مكرمون، ومنهم هذا الرجل المؤمن الناصح المخلص فإنه مكرم بدخول الجنَّةَ، قال الله ﷿ لما ذكر المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ختم هذه الصفات بقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ (^٤) ولهذا قال هنا: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾.
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٩٣.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ١.
(٤) سورة المعارج، الآية: ٣٥.
[ ٩٣ ]
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن من أعظم الضلال وأشده تيهًا أن يتخذ الإنسان مع الله آلهة لقوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾.
٢ - ومنها: أنَّه ينبغي التأكيد إذا كان المخاطب منكرًا، أو حاله حال المنكر، لأنه يخاطب قومه الذين اتخذوا مع الله آلهة ويقول: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ ولهذا أكد الجملة بمؤكدين (إن، واللام).
وربما يأخذ من الآية الكريمة أن كل من ضل عن الحق، أو كل من خالف الحق أصابه من الضلال بقدر ما خالف الحق؛ لقوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ فيفيد أن الضلال قد يكون خفيًّا، وقد يكون بينًا واضحًا.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: كمال نصح هذا الرجل لأنه قرر وحدانية الله ﷿ بعدة أمور، منها ما سبق في قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ومنها: التحذير من الشرك به لكون المشرك في ضلال مبين، وهكذا ينبغي للداعية لله ﷿ إذا دعا إلى الحق أن يذكر ما في لزومه من الفضائل، وأن يذكر ما في مخالفته من الضلال والسوء، حتَّى يجمع بين الترغيب والترهيب.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من وحد الله فهو على هدى مبين، بين واضح؛ لأنه أصاب الفطرة، وأصاب ما جاءت به الرسل.
٦ - يستفاد من هذه الآية ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ
[ ٩٤ ]
فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ فضيلة هذا الرجل بإعلانه الإيمان بالله ﷿، فكل إنسان يؤمن ويعلن إيمانه بالله فإن ذلك له ميزة وفضيلة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (^١) أعلن أنَّه من المسلمين ولم يخف أحدًا سوى الله.
٧ - ومنها: قوة شخصية هذا الرجل، حيث أعلن أمام هؤلاء القوم أنَّه آمن، وآمن بربهم الذي يستلزم أن يكونوا مخلصين له بالعبادة إذا كان ربًا لهم، كأنه أقام الحجة عليهم بذلك، فإذا كان الله ربكم فواجب أن توحدوه، ولا تتخذوا معه آلهة، وهذا يدل على قوة شخصيته، زد على ذلك أنَّه تحداهم فقال: ﴿فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ فأنا لا أبالي بكم فاسمعوا إني آمنت بربكم الذي يجب أن توحدوه، لأنه ربكم.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ربوبية الله تعالى العامة حيث قال: ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ مع كونهم مشركين كفارًا، وهذا من الربوبية العامة.
٩ - يستفاد من هذه الآية الكريمة: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾. إثبات نعيم القبر لقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ مع أن الساعة لم تقم بعد، ولم يدخل الناس الجنَّةَ، ويدل ذلك آيات من القرآن لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (^٢) توفاهم الملائكة ﴿طَيِّبِينَ﴾ حال من الهاء
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٣.
(٢) سورة النحل، الآية: ٣٢.
[ ٩٥ ]
و﴿يَقُولُونَ﴾ حال من الملائكة، يعني حال كون الملائكة يقولون حين توفاهم ادخلوا الجنَّةَ فيستفاد من هذه الآية إثبات نعيم القبر. ومثل قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (^١) فهنا قال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ حين الموت، ثم قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ ومنها هذه الآية: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ لأن هذا قيل له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ ولم تقم الساعة الآن، فهو دليل على أن الميت ينعم في قبره كأنه دخل الجنَّةَ، لأنه يلبس من الجنَّةَ، ويفرش من الجنَّةَ، ويفتح له باب من الجنَّةَ، ويأتيه من روحها ونعيمها فكأنه دخلها.
١٠ - من فوائدها: أن هذا الرجل ناصح في حياته وبعد مماته، في حياته دعا قومه إلى توحيد الله ﷿، وأن يؤمنوا ويتبعوا الرسل، وبعد مماته تمنى أن قومه يعلمون بغفران الله له من أجل أن يؤمنوا ويتبعوا الرسل، وهذا دليل أن المؤمن لا تلقاه إلَّا ناصحًا حتَّى بعد موته يكون ناصحًا، وهذا الرجل تمنى أن قومه يعلمون بما غفر الله له لعلهم يرجعون فيؤمنون كما آمن.
١١ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات وجود الجنَّةَ، وقد دل على ذلك آيات، وأحاديث كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ
_________________
(١) سورة الواقعة، الآية: ٨٩.
[ ٩٦ ]
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (^١) والإعداد بمعنى التهيئة، والنصوص في هذا كثيرة، وقد عرضت الجنَّةَ والنار على النبي - ﷺ - وهو يصلي صلاة الكسوف.
وهل تبقى الجنَّةَ أبدًا؟
الجواب: نعم، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، والنار موجودة الآن وهو متفق عليه، بين أهل السنة، وهل تفنى؟ الصحيح المقطوع به أنَّها لا تفنى؛ لأن الآيات صريحة في ذلك فقد ذكر الله تعالى تأبيد الخلود فيها في ثلاث آيات من كتابه، في سورة النساء، والأحزاب، والجن، في سورة النساء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ (^٢). في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ (^٣) الثالثة في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ (^٤) فهذه ثلاث آيات صريحة في تأبيد أهل النار، ومع التصريح التأبيد ذكر عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون بأنها تفنى، ولكن هذا القول لا شك - مهما قاله من قاله - فإن قوله مردود عليه.
١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: منة الله ﷿ على من آمن بالمغفرة والإكرام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن الإيمان سبب المغفرة، وسبب لإكرام الله تعالى للعبد.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.
(٢) سورة النساء، الآيتان: ١٦٨، ١٦٩.
(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٦٤، ٦٥.
(٤) سورة الجن، الآية: ٢٣.
[ ٩٧ ]