٢ - ومن فوائدها: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يقسم إلا بشيء معظم. والقرآن الكريم عظيم في نفسه.
٣ - ومن فوائدها: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة التي ذكرناها عند قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾.
٤ - من فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي - ﷺ -؛ لأن الله تعالى أقسم عليها، وأكدها زيادة على القسم بإن واللام.
٥ - ثبوت رسالة النبي - ﷺ - فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مكذب لله، ورسوله، وإجماع المسلمين.
٦ - من فوائدها: إثبات الرسل وأن ثمة رسلًا غير محمد - ﷺ - لقوله هنا: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (^١) يعني لست أول رسول فإنه - ﷺ - قد سبقه رسل من قبله.
٧ - من فوائدها: أن ما جاء به النبي - ﷺ - من الشرع فهو الصراط المستقيم، لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ والصراط المخالف للشرع فيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي - ﷺ -.
* * *
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ ﴿تَنْزِيلَ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو. أي: القرآن تنزيل العزيز الرحيم، وتنزيل مصدر نزل ينزل، والقرآن منزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية: ٩.
[ ١٦ ]
فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ (^١) فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أنزل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريِج في تنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القران نزول المطر، أحيانا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (^٢) وأحيانًا يقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^٣) فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: "نزلنا" وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: "أنزلنا" وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ قال المؤلف: [في ملكه] يعني الغالب في ملكه الذي لا يغلب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العزة لها ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
فعزة القدر بمعنى أنه ذو قدر عظيم رفيع، وعزة القهر بمعنى أنه قاهر غالب، وعزة الامتناع أي أنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم -﵀-:
وهو العزيز فلن يرام جنابه أني يرام جناب ذي السلطان
فالله ﷿ عزيز ممتنع أن يناله السوء، ومنه (الأرض العزاز) لقوتها وشدتها فقول المؤلف: [العزيز: في ملكه] فيه قصور، قال المؤلف: [الرحيم: بخلقه] وهنا نقول: إن الرحيم عامة، لأنها لم تقيد، فالمراد به الرحمة العامة، فالله سبحانه
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١٠٦.
(٢) سورة ق، الآية: ٩.
(٣) سورة الرعد، الآية: ١٧.
[ ١٧ ]
وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^١) حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل، والصحة، والأولاد، والمال، والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ (^٢) وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين، ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر، والرحيم إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته -﷾- بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رحم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة القلبية والبدنية، والفردية والاجتماعية، ففيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه. ورحيم: إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته ﷾، قال المؤلف ﵀: [خبر مبتدأ مقدر، أي: القرآن] يعني بخبر مبتدأ مقدر ﴿تَنْزِيلَ﴾ بالرفع أي: القرآن، والتقدير: القرآن تنزيلُ العزيز الرحيم، وفي قراءة سبعية ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف، يعني نزل تنزيل العزيز الرحيم.
* الفوائد:
١ - أن القرآن منزل من عند الله لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٦.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.
[ ١٨ ]
الرَّحِيمِ (٥)﴾.
٢ - يستفاد منها أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
٣ - إثبات علو الله لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله ﷿ دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة دلت على علو الله ﷿.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر وهو الحكم، والعزيز في بعض معانيه وهو الغالب.
٥ - ومن فوائد الآية: إنذار المخالفين لهذا القرآن وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى العزيز؛ لأنه إذا قيل: جاء هذا من عزيز، دل على إنذار من خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنِزل؛ لأنه نزل من عزيز.
٦ - أن القرآن بل أن الشرع كله من آثار رحمة الله لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾.
فإن قلت: أين الرحمة في قطع يد السارق؟ وفي رجم الزاني المحصن؟ وفي قتل القاتل؟ وما أشبه ذلك.
فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًا، فقطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة، يكفر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من
[ ١٩ ]