خيرًا من قولهم؛ لأن المعتزلة يقولون: إن ما بين دفتي المصحف كلام الله. فكلهم يقولون: إنه مخلوق، لكن المعتزلة يقولون: إنه كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، فإضافته إلى الله على رأي الأشعرية مجاز لا حقيقة، وعلى كل حال في الآية رد على الأشعرية في تفسيرهم لكلام الله ﷿، وحقيقة الأمر أنهم لا يثبتون الكلام؛ لأنهم إذا جعلوا الكلام هو المعنى القائم بالنفس فكأنما جعلوا الكلام هو العلم؛ لأن العلم هو المعنى القائم بالنفس، أما الكلام والقول فهو أمر زائد على ذلك.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله ﷿ إذا وجه لشيء فإن هذا الشيء يكون كما أمر؛ لقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ أي فيكون على ما أمر الله به، في العين، والوصف، فإذا أراد الله إيجاد شيء قال: ﴿كُنْ﴾ فكان على حسب ما أراده الله ﷿.
* * *
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾. (سبحان) بمعنى تنزيهًا، وهي اسم مصدر، والمصدر: تسبيح، وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا، وملازمة أيضًا للإضافة حتى لو قطعت عن الإضافة لفظًا فهي مضافة تقديرًا. و(سبحان) معناها: التنزيه أي أن الله منزه عن النقص في صفاته، وعن مماثلة المخلوقين، فمثلًا ينزه أن يكون وجهه كوجه المخلوق، وينزه أن يعتري صفاته نقص بأي وجه، فمثلًا: العلم، علم البشر ناقص ابتداءً، وانتهاءً، وشمولًا، ابتداءً؛ لأنه مسبوق
[ ٣١٠ ]
بالجهل، وانتهاء؛ لأنه ملحوق بالنسيان، وشمولًا ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (^١) لكن علم الله ﷿ كامل من هذه الوجوه كلها ابتداء، وانتهاء، وشمولًا، فهو ﷾ عالم بعلمه الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وهو لا ينسى كما قال موسى ﵊، ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ (^٢) وعلمه شامل لكل شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ (^٣) ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (^٤).
فالله تعالى منزه عن النقص في صفاته الثابتة له، ومنزه عن مماثلة المخلوقين، وقلنا: مماثلة، ولم نقل مشابهة والفرق واضح:
أولًا: أن المماثلة هي التي جاء نفيها في القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٥) ولم يقل: "ليس كشبهه شيء" وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٦).
ثانيًا: أنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما نوع من التشابه، ولولا ذلك ما فهمنا من صفات الله شيئًا.
فمثلًا: الوجود للمخلوق وللخالق، بينهما تشابه من حيث
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٥.
(٢) سورة طه، الآية: ٥٢.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٥.
(٤) سورة الطلاق، الآية: ١٢.
(٥) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٦) سورة النحل، الآية: ٧٤.
[ ٣١١ ]
أصل المعنى، وإن كان هذا يختلف.
العلم: علم الخالق وعلم المخلوق، بينهما تشابه من حيث أصل المعنى لكنهما يختلفان.
فإذا نفيت المشابهة مطلقًا فهذا نفي للوجود في الواقع.
ثالثًا: أن المشابهة صار نفيها عند كثير من الناس نفيًا للصفات؛ لأن كثيرًا من أهل التعطيل يصفون من يثبت الصفات بالمشبهة، فإذا قلت: من غير تشبيه يعني من غير إثبات؛ لأن كل مثبت عندهم مشبه.
فلهذا كان التعبير بنفي التمثيل أولى من التعبير بنفي التشبه من ثلاثة أوجه.
فتنزيه الله عن منقص دليل على قدرته على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن عجزه عن إحياء العظام وهي رميم نقص ينافي التنزيه، فإذا ثبت أن الله ﷿ منزه عن كل نقص، لزم من ذلك تنزيهه عن العجز عن إعادة هذه العظام.
﴿بِيَدِهِ﴾ أي: بتصرفه مع إثبات اليد، فنحن نقول في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (^١) وما أشبهها ليس المعنى أن الملك في يد الله ﷿، لكن في تصرفه مع ثبوت اليد، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (^٢) بمرأى منا، مع ثبوت العين؛ لأن السفينة ليست في وسط عين الله ﷿ حاشا وكلا، فالمنكر أن تقول: بيده أي أمره بدون أن تثبت اليد، أما إذا قلت
_________________
(١) سورة الملك، الآية: ١.
(٢) سورة القمر، الآية: ١٤.
[ ٣١٢ ]
بيده بتصرفه وتدبيره مع ثبوت اليد فهذا هو المراد.
﴿مَلَكُوتُ﴾ كما قال المؤلف في أصل ﴿مَلَكُوتُ﴾ [ملك لكن زيدت الواو والتاء للمبالغة] أي: زيدت للمبالغة في ملك الله لكل شيء، لأن ملك الله لكل شيء ملك تام لم يسبق بعدم، ولا يلحق بزوال، بينما ملك غيره ملك ناقص بالأصل لم يملك هذا الشيء ثم ملكه بعد، ومع ملكه إياه فإن هذا الملك قابل للزوال، ثم إن ملكه إياه ليس ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء بل هو ملك مقيد، أما ملك الله فهو تام. ولهذا جاءت الواو والتاء للمبالغة ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي ملك كل شيء.
وقوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ دليل على قدرته على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن الذي يملك كل شيء ملكًا مطلقًا -مبالغًا فيه بالواو والتاء- قادر على أن يحول هذا المملوك إلى ما شاء، ولهذا فسر المؤلف -﵀- الملكية هنا بالقدرة، فقال: [أي: القدرة على كل شيء]، ولكن هذا الكلام فيه نظر، بل نقول: مالك لكل شيء، وإذا ملكه ملكًا مطلقًا فهو قادر على أن يتصرف فيه كما شاء.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ قال المؤلف: [تردون في الآخرة] أي: إليه لا إلى غيره ليجازيكم، ووجه الدلالة من هذه الجملة على القدرة على إحياء العظام وهي رميم أنه لا رجوع إلى الله في الآخرة إلا بعد إحياء هذه العظام الرميم، ولو قلنا: بعدم القدرة لانتفى الرجوع إلى الله ﷿، وإذا انتفى الرجوع إلى الله تعالى صار وجود الدنيا كلها عبثًا ولعبًا، وهذا لا شك أنه منافٍ لكمال الله عز
[ ٣١٣ ]
وجل، فمجرد رجوعنا إلى الله تعالى يلزم منه القدرة على الإحياء. ولا يمكن أن نقول بعدم الرجوع؛ لأنا إذا قلنا بعدم الرجوع لكان إيجاد الخلق عبثًا، وهذا ممتنع غاية الامتناع.
فهذه عشرة أدلة في هذه الآيات على قدرة الله ﷿ على إحياء العظام وهي رميم، والله على كل شيء قدير، ولو لم يكن عندنا إلا هذه الجملة العامة ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (^١) لكان كافيًا في بيان قدرته ﷾ على إحياء العظام وهي رميم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله ﷾ عن منقص وعيب، ويؤخذ من قوله: ﴿فَسُبْحَانَ﴾ ومر علينا في التفسير أن الذي ينزه الله عنه أمران:
الأول: النقص في صفاته.
الثاني: مماثلة المخلوقين.
فعلمه ﷿ لا يناله نقص، لا من حيثما الشمول، ولا من حيث السبق، ولا من حيث اللحوق، ولا يماثل علم المخلوقين، وهكذا بقية الصفات.
٢ - ومن فوائدها: أن ملكوت السماوات والأرض وكل شيء فهو بيد الله ﷿؛ لقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو مالك لكل شيء، ولا أحد يشركه في ملكه، كما قال ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١٧.
[ ٣١٤ ]
ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (^١).
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ وهذا الرجوع يشمل الرجوع إلى الله يوم القيامة، والرجوع إلى الله تعالى في أحكام الخلق الكونية، والشرعية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (^٣).
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله ﷾ وذلك بكون الرجوع إليه، وأنه لا بد من الرجوع إلى الله؛ لأنه لولا هذا الرجوع لكان خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، إذ إنه لولا هذا الرجوع والمجازاة على هذا العمل في هذا الرجوع لكانت الخليقة خلقت ليفسد في الأرض من يفسد، ويحصل الفتن والشرور والنهاية لا شيء.
٥ - في هذه الآيات كلها: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.
إثبات قدرة الله ﷾ على إحياء العظام وهي رميم وذلك من عشرة أوجه:
الأول: قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فإنه فيه استدلالًا بالأشد على الأخف.
_________________
(١) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢، ٢٣.
(٢) سورة الشورى، الآية: ١٠.
(٣) سورة النساء، الآية: ٥٩.
[ ٣١٥ ]
الثاني: قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وعلمه بكل خلق يقتضي أنه ﷾ قادر على إحياء العظام وهي رميم.
الثالث: قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ فإن من جعل من هذا الأخضر البارد الرطب نارًا وهي يابسة محرقة قادر على أن يعيد الخلق، لأن جعل النار من الشجر الأخضر أبلغ في القدرة.
الرابع: قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فقدرته على خلق السموات والأرض دليل على قدرته على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن خلق السموات والأرض أعظم ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾.
الخامس والسادس: قوله: ﴿الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ والخلاق صفة لازمة له، وكونه خلاقًا يشمل أن يخلق كل شيء، وكونه عليمًا يدل على أنه لا يخفى عليه شيء من الخلق حتى يعجز عنه.
السابع: أنه لا يستعصي عليه شيء، بل إذا أمر بشيء كان في الحال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
الثامن: تنزيه الله ﷿ عن كل نقص، ومن المعلوم أن العاجز عن إعادة الخلق ناقص، فإذا كان الله تعالى منزهًا عن كل نقص، كان ما وعد به من إحياء العظام وهي رميم واقعًا.
التاسع: قوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومن بيده ملكوت كل شيء فإنه مالك لكل شيء، والمالك لكل شيء قادر على أن يوجد المعدوم، ويعدم الموجود.
[ ٣١٦ ]
العاشر: قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ فإن هذا هو نتيجة الخلق أن يبعث الخلق ويرجعون إلى الله ليجازيهم بما عملوا.
وإلى هنا انتهى تفسير هذه السورة العظيمة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣١٧ ]