مسرعين.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث وأنه حياة حقيقية؛ لقوله: ﴿يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ لأن الإسراع لا يكون إلا بحياة حقيقية.
٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يسرعون إلى مكان معين ينزل الله تعالى فيه للفصل بين عباده؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾.
٨ - ومن فوائدها: الإشارة إلى الأجداث التي جعلها الله تعالى منازل للأموات، امتن الله بها على عباده، كما امتن عليهم بالقصور في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ (^١). فكما أن الله ﷿ منَّ علينا بهذه القصور فستتر بها ونقضي بها حوائجنا ونكون مع أهلنا فكذلك منَّ علينا ﷾ بالقبور التي يستتر بها الإنسان عن الرؤية، ويحتمي بها عن الوحوش إلى غير ذلك مما تتضمنه هذه النعمة.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة، لقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فهذه عامة لكل من يخرج من الأجداث، وقد مرَّ علينا أن الربوبية تنقسم إلى قسمين عامة وخاصة.
* * *
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [يا للتنبيه ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ هلاكنا، وهو مصدر لا فعل له من لفظه ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾
_________________
(١) سورة المرسلات، الآيتان: ٢٥، ٢٦.
[ ١٨٤ ]
لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا].
قوله -﵀- يا للتنبيه. بناءً على أن الويل ليس له عقل وإرادة، وإذا وجه النداء إلى من ليس له عقل ولا إرادة كان للتنبيه.
ولكن لو قيل: إن (ياء) للنداء بدليل أنها عملت فيما بعدها، لأن ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ منصوب بياء النداء، كأنه قال: يا ويلنا أحضر، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (^١) ونظير قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾.
والويل هو الهلاك، وهو مصدر ليس له فعل من لفظه، كما تكون بعض أسماء الأجناس ليس لها مفرد من لفظها، كإبل ليس لها مفرد من لفظها، وتكون بعض الأفعال ليس له مصدر مثل (يذروا) فإن أكثر النحويين يقولون: إنه ليس لها مصدر. وبعضهم يقول: لها مصدر وهو الوذر. ﴿مِنْ﴾ للاستفهام التعجبي أي ما الذي أخرجنا ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ والمرقد مكان الرقادة، والمراد بها القبور، أي: من بعثنا من هذه الأمكنة التي كنا راقدين فيها. واختلف العلماء في هذا: هل إنهم يرقدون ثم يستيقظون عند النفخة الثانية، أو أن وجودهم في القبور بالنسبة إلى ما يشاهدونه في القيامة كأنه رقود، لأن الشيء إذا نسب إلى ما هو أعظم منه صار هينًا؟
القول الأخير هو الأصح، وهو الذي مشى عليه ابن كثير -﵀- في تفسيره، لأنه ليس هناك دليل على أنهم ينامون
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٥٦.
[ ١٨٥ ]
بين النفختين كما ذكره المؤلف بقوله: [لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا] وهذا يحتاج إلى نقل صحيح؛ لأنه من أمور الغيب، والمرقد قد يكون للإنسان وإن كان يتألم بعض التألم، فها هو الإنسان ينام ويرى في منامه أحلامًا مزعجة مروعة حتى إنه من شدتها في بعض الأحيان يستيقظ، ومع ذلك فإنه إذا قام يقال: قام من مرقده.
فالصواب أن المرقد هنا مكان الرقاد، وأن عذابهم في قبورهم بالنسبة لعذاب الآخرة كالرقاد كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ (^١).
﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال المؤلف: [﴿هَذَا﴾ أي: البعث ﴿مَا﴾ أي: الذي ﴿وَعَدَ﴾ به ﴿الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ أقروا حين لا ينفعهم الإقرار وقيل: يقال لهم ذلك].
هذه الآية فيها سكتة ينبغي الوقوف إن لم يجب على قوله: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ عند بعض القراء، لأجل أن يستأنف، فيقال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وهذا الجملة قيل: إنها تقال جوابًا لهم حين قالوا: من بعثنا من مرقدنا؟
وقيل: إنها منهم يقرون إذا شاهدوا أقروا فقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾. والآية محتملة: يحتمل أنهم يقولون ذلك، ويحتمل أنه يقال لهم، وفي سورة الصافات قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
_________________
(١) سورة طه، الآية: ١٢٧.
[ ١٨٦ ]
تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ (^١) فظاهر هذه الآية أن القائل هم هؤلاء وأن بعضهم يقول لبعض: هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون. فآية الصافات أظهر من هذه الآية من سورة يس، ولو قال قائل: هل يمكن أن يكون القول صادرًا منهم وإليهم؟ فالجواب: أن هذا ليس ببعيد، وإن كان الإنسان لا يكاد يجزم به. ﴿هَذَا﴾ المشار إليه البعث ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ما اسم موصول والصلة قوله: ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ وقدر المؤلف العائد بقوله: [به] والمعروف أن العائد المجرور لا يحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنى، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذف العائد، سواء كان عامله من جنس عامل الموصول، أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: (وحذف ما يعلم جائز) عامة لكل شيء ليست خاصة بالمبتدأ والخبر بل لكل شيء، وقوله: ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسم من أسماء الله ﷿ المختصة به، التي لا تطلق على غيره فلا يسمى أحد ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أما رحيم فيوصف به الخلق، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (^٢) لكن رحمن لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بين الرحمن والرحيم: أن الرحيم باعتبار الفعل، والرحمن باعتبار الوصف، فإذا قال "الرحمن"
_________________
(١) سورة الصافات، الآيتان: ٢٠، ٢١.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.
[ ١٨٧ ]
يعني ذو الرحمة الواسعة، والرحيم الذي تصل رحمته إلى من يشاء من عباده، وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقل: (ما وعد الله)، لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلى تجليًا أكثر منها في الدنيا، فإن لله تعالى مائة رحمة جعل منها رحمة في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مائة رحمة، التسعة والتسعون الباقية، والرحمة الأولى، وهذا يدل على تجلي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ والرحمن مشتق يدل على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، وما دل عليه من الصفة، والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول والحكم، فهنا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمه، والرحمة صفته، ويرحم من يشاء فعله ﷾، وهو أثر الرحمة قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وعد الرحمن بأنه سيكون يوم يبعث فيه الناس، فيجزي فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أخبر بالصدق (وصدق القائل) بمعنى التصديق من المخاطب، فالصدق من المتكلم، يقال: صدق، ويقال: صدق بمعنى أخبر بالصدق. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (^١) وصدق القائل، أي: أقر بقوله واعترف به، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (^٢) فهو صادق وصدق والله أعلم.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٢.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٣٣.
[ ١٨٨ ]
الفوائد:
من فوائد الآية الكريمة:
١ - في هذه الآية دليل على شدة حسرة المكذبين الذين يكذبون بالبعث إذا بعثوا يقولون ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ودليل ذلك قولهم: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ وهذه الكلمة دعاء بالثبور والحسرة على من نطق بها.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة إلى عذاب الآخرة هين، حتى إنه مثل النوم عند النائم.
٣ - ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم، ثم يستيقظ ويغادر المكان لقوله: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذبين حين يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادق الوعد لا يخلفه، وذلك لأن إخلاف الموعد يكون لأحد أمرين: إما الكذب، وإما العجز، وكلاهما منتفيان عن الله ﷿ فلا كذب في وعده، ولا عجز عن تنفيذه، ولهذا فهو ﷿ لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يخبرون به عن الله ﷾ وعن غيره، لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾.
[ ١٨٩ ]
٧ - ومن فوائد الآية: أن المشركين يقرون إذا شاهدوا الحق، بأن ما وعد الله تعالى به فسيقع بناءً على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ من كلامهم، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسان مؤمنًا بالغيب، بل يكون مؤمنًا بالشهادة.
فإن قلت: قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (^١) فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل أنهم يقرون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (^٢) فكيف الجمع؟
الجمع بينهما أنه يقال: إن يوم القيامة ليس لحظة ولا ساعة قليلة بل هو خمسون ألف سنة، فهم يتقلبون أحيانًا يقرون بكل ما عملوا، وأحيانًا ينكرون، إذا رأوا نجاة المؤمن قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم، وحينئذ يقرون ولا يكتمون الله حديثًا والله أعلم.
* * *
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٢٣.
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٢.
[ ١٩٠ ]