الصلاة والسلام أن يعامل الناس بمثل هذا الأسلوب بقوله: "نعم ويدخلك النار" فالأثر هذا يحتاج إلى نظر في سنده، وفي صحته.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن المجادل بالباطل يأتي بالشبهات التي ينصر بها باطلة؛ لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ فإن هذه شبهة تلبس على العامة؛ لأنه لم يقل: (من يحيي العظام) فقط، بل قال: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ فكيف تحيا بعد أن رمّت؟ فأهل الباطل يأتون بالشبهات ليلبسوا على الناس.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان استهان بربه حيث ضرب له الأمثال للتعجيز، لقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ يعني قال: أنا أضرب لكم مثلًا بهذا الشيء الذي يعجز: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعارض للحق قد يصرح بالإنكار بدون مراوغة لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ وأحيانًا "يراوغ". فأيهما أهون؟
الذي يصرح ويبين أهون؛ لأن هذا يمكن أن يتقى شره، أما المراوغ فإنه في الواقع خطر، ولهذا كان خطر المنافقين على الإسلام أشد من خطر الكافرين الذين يصرحون بالعداوة؛ لأن المنافقين يغرون الناس ولا يمكن التحرز منهم.
* * *
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ يقول الله تعالى مبينًا قدرته على إحياء العظام وهي رميم: ﴿قُلْ﴾
[ ٢٩٤ ]
الخطاب للرسول - ﷺ - ﴿قُلْ﴾ لهذا الذي أنكر أن يحيي الله العظام وهي رميم ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ واعلم أن الله ﷿ إذا قال للرسول ﵊ "قل" فهو أمر له بالإبلاغ. ومن المعلوم أن النبي - ﷺ - مأمور بإبلاع القرآن عمومًا لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (^١). فإذا خص شيئًا من الأحكام، أو من الأخبار بـ (قل) كان في ذلك عناية خاصة بهذا الذي أمر أن يقوله؛ لأنه أمر أن يبلغه على وجه الخصوصية، ومعلوم أن ما كان على وجه الخصوصية فهو أوكد مما دخل في العموم، وخلاصة هذه القاعدة: أن الله إذا أمر نبيه - ﷺ - بقوله: (قل) فهذا أمر خاص بتبليغ هذه المسألة، سواء كانت خبرًا، أو كانت حكمًا. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لم يقل: (يحيها الله) ليكون الجواب متضمنًا للدليل، لأنه لو قال: (يحيها الله) فهم الإنسان أن الله هو الذي يحييها، لكن إذا قال: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كان هذا الجواب متضمنًا للدليل ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والذي أنشأها أول مرة هو الله ﷿، ولم يخلق أحد من الخلق هذه العظام ولم ينشأها أول مرة، فإذا كان الله ﷿ أنشأها أول مرة، فهو قادر على إعادتها، لأن الإعادة أهون من الابتداء. وهذا هو الدليل الأول على إمكان إحياء هذه العظام وهي رميم، ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ووجه الاستدلال بهذا: أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى.
ثانيًا: قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ قال المؤلف:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦٧.
[ ٢٩٥ ]
[﴿خَلْقٍ﴾ بمعنى مخلوق] فجعل المصدر بمعنى اسم المفعول، والذي يظهر أن المراد بالمصدر نفس المصدر، ومن المعلوم أنه لا مخلوق إلا بخلق، لكن إذا قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ صار في هذا نصن على علمه بالخلق أي: كيف يخلق، وكيف ينشأ الخلق، فيكون أدل على قدرته على إحياء الموتى مما إذا قلنا وهو بكل مخلوق، لأنك إذا قلت بكل مخلوق صار علمه بالمخلوق بعد خلقه، لكن إذا كانت الآية على ظاهرها ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ يعني: أنه يعلم كيف يخلق، والعالم بكيفية الخلق إذا أراده لم يستعصِ عليه، لأنه إذا كان عالمًا لم يبق إلا الإرادة، وإذا أراده وهو بكل خلق عليم، صنع ما علم ﷿، فكونه بكل خلق عليم دليل على أنه قادر على أن يعيده، لأن الذي يعجز إما أن يكون لعجزه، وإما يكون لجهله، هنا لما قال: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذه القدرة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ هذا انتفاء الجهل، فإذا انتفى العجز المستفاد من قوله: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وانتفى الجهل المستفاد من قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ صار الخلق ممكنًا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الإقناع في إقامة الحجة من كلام الله ﷿: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فأقوى ما يسوق الحجج ويبينها هو كلام الله، لأن كلام الله ﷿ أبلغ الكلام وأحسنه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ
[ ٢٩٦ ]
حَدِيثًا﴾ (^١)، فحديث الله ﷿ لا شك أنه أصدق الحديث وأتمه، وأحسنه في الإقناع، وإقامة الحجة.
٢ - من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأشد على إمكان الأخف؛ لقوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فقد استدل بالأشد على إمكان الأخف، فالأشد إحياؤها أَول مرة، والأخف الإعادة.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمستدل المناظر أن يأتي بالشيء الذي يقر به خصمه، من أجل أن تقوم عليه الحجة؟ لأنه قال: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والخصم هنا لا ينكر أن الله تعالى أنشأها أول مرة.
فينبغي أن تأتي بالشيء الذي يُقر به خصمك لتقيم الحجة عليه بإقراره، وهذا أدب من أدب المناظرة، لأنه أقرب إلى الإقناع، وله نظائر منها:
- أن إبراهيم ﵊ لما ناظر الذي حاجه في ربه فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (^٢). فعدل إبراهيم عن ذلك، وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ (^٣) وهذا يقر به الخصم، ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، وهذا لا يمكن للخصم أن يقوم به.
فالحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٨٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٨.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٨.
[ ٢٩٧ ]
والمحاجة، وأن يأتي خصمه من الوجهة التي يقر بها حتى يقيم عليه الحجة؛ لأن المناظرة والمحاجة وسيلة لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله ﷾ بإنشاء هذه العظام لأول مرة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق هذه العظام ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (^١) مع أن الذباب ليس فيه العظام القوية الصلبة، فإذا كانوا لا يقدرون على ذلك فهم على ما هو أعظم أعجز.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: علم الله ﷾ بكل خلق، وسبق لنا في التفسير هل الخلق هنا بمعنى المخلوق، أو بمعنى الفعل؟ وذكرنا أنه يحتمل الأمرين، لكن احتمال الفعل أكثر، يعني كل خلق فالله عليم به، ومن المعلوم أن العالم بالخلق عالم بالمخلوق كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٢) إذًا يستفاد من ذلك عموم علم الله ﷾ بكل خلق، أي: بكل صنع يصنعه مما نتصور، ومما لا نتصور، وبكل مخلوق؛ لأن العالم بالخلق عالم بالمخلوق.
* * *