الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يذم، ومن غفل عن البحث في أحكام الزكاة وهو يحتاج لذلك نقول: إنه يذم، ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها فرض عين، وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية، ولهذا يحسن بهم أن يستحضروا هذا الأمر، وأننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: "ما تقرب إلى عبدي بشيء أحبَّ إلى مما افترضته عليه" (^١). وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة، لا في المجالس الذكر والعلم ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان يراجع الكتاب لكنه لا يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يفوت خيرًا كثيرًا، لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرأه أو نراجعه.
٤ - ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله ﴿لِتُنْذِرَ﴾.
* * *
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ اللام موطئة للقسم، أي: أنها تدل على أن هناك قسمًا محذوفًا تقديره: والله لقد حق. و"قد" للتحقيق، وعليه فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، وقد، وهذا التركيب يأتي في القرآن
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (٦٥٠٢).
[ ٢٤ ]
كثيرًا وطريقه ما أشرنا إليه. ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ أي وجب ﴿الْقَوْلُ﴾ هو القول بالعذاب كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ (^١). في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ (^٢) فمن حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن أن يهتدي مهما أوتي من آية، ولكن لا تحق كلمة العذاب إلا على من استحقها حتى لا يقال: إن الله تعالى قد أجبره على العمل، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (^٣) والله ﷿ ينظر في قلوب العباد فمن كان أهلًا للهداية هداه، ومن لم يكن أهلًا لها لم يهده، فمن حقت عليه الكلمة لما في قلبه من الزيغ -والعياذ بالله- فإنه لا يؤمن، وقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ يعني على أكثر الذين بعث إليهم الرسول ﵊ من العرب، وليس على كلهم، ولذا فقد كذب النبي - ﷺ - من قريش أمم كثيرة وماتوا على الكفر، ولاسيما الصناديد منهم والأشراف، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هم) الضمير يعود على أكثر، لا على "الهاء" في ﴿فَهُمْ﴾ ﴿فهم﴾ أي: الأكثر لا يؤمنون؛ حتى وإن جئت بالآيات العظيمة البينة فهم لا يؤمنون، لأنهم حقت عليهم كلمة العذاب.
* الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: تأكيد الخبر الهام وإن لم يكن
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٣٣.
(٢) سورة غافر، الآية: ٦.
(٣) سورة الصف، الآية: ٥.
[ ٢٥ ]