بل في يوم القيامة، وهنا يقولون: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾. الجواب: ذكر الله تعالى هذا في القرآن: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^١) فالوعد لم يحن وقته بعد، انتظروا وسوف يأتي هذا الوعد.
الفوائد: من فوائد الآية الكريمة:
١ - يستفاد منها: أن بني آدم يصل إلى حد التحدي لرب العالمين، ولمن بلغ رسالته لقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
٢ - ومن فوائدها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بلغوا البلاغ المبين، وبينوا للناس أنهم سيبعثون ويجازون، وأنهم وعدوا بذلك لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول تحديًا واستبعادًا لم يصدقوا الرسل، بل كذبوهم، وليتهم نظروا في الأمر وفكروا لقوله هنا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾.
* * *
قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ قال المؤلف: [﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة إسرافيل الأولى] (نظر) تستعمل متعدية بنفسها، بمعنى الانتظار مثل: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ (^٢) ولها أمثلة كثيرة، وأن تعدت بـ (في) صار المراد بها نظر الفكر تقول: (نظر في كذا) أي: فكر فيه
_________________
(١) سورة الجاثية، الآية: ٢٦.
(٢) سورة فاطر، الآية: ٤٣.
[ ١٧٦ ]
وتأمله، وإذا تعدت بـ (إلى) فهي النظم بالعين تقول: (نظرت إليه)، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^١) ﴿صَيْحَةً﴾ يعني يصاح بهم، وذلك بالنفخة الأولى في الصور؛ لأن هذه النفخة يكون لها صوت عظيم مزعج يفزع الخلائق، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٢) فكل الخلائق تفزع إلا ما شاء الله ﷿، فيفزعون فزعًا شديدًا يؤدي إلى صعق إلى الموت وحينئذ تكون نفخة واحدة فيها فزع، وفيها صعقة ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ أي: تأخذهم كما يأخذ العدو عدوه بحيث لا تمهلهم ولا تنظرهم ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قال المؤلف -﵀-: [بالتشديد، أصله يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء، وأدغمت في الصاد، أي: وهم غفلة عنها بتخاصم وتبايع، وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة (يَخْصِمون) كيضربون أي: يخصم بعضهم بعضًا].
القراءات التي ذكر المؤلف قراءتان فقط، يقول: بالتشديد أصله يختصمون، نقلت حركة التاء إلى الخاء، وحركة التاء هي الفتحة، وأدغمت التاء بالصاد فصارت على هذه القراءة (يَخْصِمُونَ)، والقراءة التي في المصحف ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ بكسر الخاء، والقراءة الثالثة (يَخْصِمُونَ)، كيضربون، والقراءة الرابعة التي أشار إليها المحشي (^٣) هو أن تجعل الخاء لا مفتوحة
_________________
(١) سورة القيامة، الآية: ٢٢ - ٢٣.
(٢) سورة النمل، الآية: ٨٧.
(٣) المحشي هو: الشيخ سليمان بن عمر العجيلي الشافعي الشهير بالجمل المتوفى سنة ١٢٠٤ هـ رحمه الله تعالى وحاشيته هي: (الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين =
[ ١٧٧ ]
خالصة، ولا مكسورة خالصة وإنما تختلس الفتحة، فتكون بين الفتحة والكسرة، هذه القراءة الرابعة، والثالثة التي في المصحف لم يشر إليها المفسر، ووجه المحشي القراءة الموجودة في المصحف ﴿يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ بأن الحركة أزيلت من التاء، فصارت ساكنة، فلما صارت ساكنة حركت الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين على الأصل، فالمهم يقول المؤلف -﵀- أي: وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك.
فالصيحة إذن أخذتهم على غرة، وهم غافلون عنها، لاهون بأمورهم ودنياهم، يتخاصم بعضهم مع بعض، وهذا يدل على عدم ائتلاف قلوبهم في تلك الساعة، وأنهم من جنس البهائم، ولهذا لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولم يذكر الله ﷿ سوى التخاصم كأن أكثر ما هم عليه في ذلك الوقت هو التخاصم والتباغض والتدابر، لأنهم ليس عندهم إيمان، فهم شرار الخلق في معاملة الله، وشرار الخلق في التعامل فيما بينهم، وفي قراءة (يَخْصِمُونَ) كيضربون، أي يخصم بعضهًا بعضًا، فيكون الظهور للغالب في الخصومة لا للحق، لأنهم في هرج ومرج، وليس عندهم إيمان، ولا مروة، ولا خلق، هم شرار الخلق، فكانت هذه -والعياذ بالله- حالهم عند قيام الساعة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله ﷿ وسمعه؛ لأن قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ جواب قولهم: ﴿مَتَى هَذَا
_________________
(١) = للدقائق الخفية).
[ ١٧٨ ]