ولكن الهوى غطى الهدى كما قال ﷿: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ (^١).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان عداوة الشيطان لبني آدم، حيث أضل منهم جبلًا كثيرًا، أي: خلقًا كثيرًا عظيمًا.
٢ - ومنها: التحذير من الشيطان وإغوائه؛ لأنه لا يمكن أن يسعى لهداية بني آدم، ولكنه يسعى لإضلالهم.
٣ - ومنها: أن من اتبع الشيطان في إغوائه وإضلاله فهو غير عاقل لقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.
٤ - ومنها: أن من ساء تصرفه صح أن ينفى عنه العقل، وإن كان عاقلًا عقلًا ظاهرًا، لقوله هنا: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾. وقد مر علينا أن العقل عقلان: عقل هو مناط التكليف وهو عقل الإدراك، وعقل هو مناط المدح والذم، وهو عقل التصرف الذي يكون به الرشد.
٥ - ومنها: توبيخ ولوم من تبع الشيطان في إضلاله لكونه غير عاقل، لقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ قال المؤلف في تقدير الكلام: [ويقال لهم في الآخرة ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ ﴿هَذِهِ﴾ الإشارة هنا إلى قريب؛ لأن إشارة البعيد (تلك) وهنا يقول: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ إشارة إلى قربها منهم، لأنه
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ١٧.
[ ٢٢٤ ]
يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، تقاد ويؤتى بها ويشاهدها الناس ويلحقهم من الرعب العظيم ما لا يقدر الواصفون على وصفه، ويقال لهؤلاء المجرمين: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ وفي آية أخرى قال الله فيها: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ (^١) كانوا قبل أن يدعوا إليها يقال لهم: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ فإذا دعوا إليها، والدع يدل على أنهم يتراجعون على أعقابهم خوفًا منها، ولكنهم يدفعون دفعًا بقوة -والعياذ بالله- إليها ويقال: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾. والتكذيب عنف في رد الحق، والدع عنف، فصار الجزاء من جنس العمل، أما حين عرضت عليهم وقربت منهم قيل لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾. أي: توعدون بها ولكنهم يكذبون كما قال الله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ فهم توعدوا بها لكنهم كذبوا -والعياذ بالله- ويوم القيامة يوبخون على هذا التكذيب ويقال: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.
وهنا إشكال وهو: أنه قيل: إن الوعد في الخير والإيعاد في الشر، وعليه قول الشاعر:
_________________
(١) سورة الطور، الآيات: ١٣ - ١٦.
[ ٢٢٥ ]
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهنا قال: ﴿تُوعَدُونَ﴾؟
فنقول: الأمر -كما قال المفسر- على حذف معلوم وهو قوله: (بها) أي توعدون بها، لا توعدونها. لو قال: (توعدونها) لصار للإشكال محل؛ لأن الجنة قال الله فيها: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ (^١) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ (^٢) لكن هؤلاء وعدوا بها، يعني أنه قيل لهم: إنكم سوف تلاقونها، وهذا هو الواقع.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات نار جهنم، وأنها تشاهد عينًا يوم القيامة، لقوله: ﴿هَذِهِ﴾ والإشارة تكون إلى مشار إليه محسوس.
٢ - ومنها: بيان صفة النار وأنها -والعياذ بالله- كلها ظلمة، وكلها سواد لقوله ﴿جَهَنَّمُ﴾ لأنها من الجهمة، أي: الظلمة والسواد.
٣ - ومنها أيضًا: تقريع هؤلاء، وإظهار خطأهم في تكذيبهم لقوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾.
٤ - ومن فوائد الآية: صدق وعد الله ﷾ حيث صدق وعده بما وعد به هؤلاء المكذبين حتى شاهدوا ما وعدوا به عيانًا.
* * *
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٦١.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٧٢.
[ ٢٢٦ ]