اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾.
٢ - ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ كمال النعيم؛ لأنه كل ما كمل النعيم كمل التفكه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان.
* * *
﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ ﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتطلق على الذكر والأنثى، فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان، لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإن كان لغة ضعيفة- في باب الفرائض فيقال: زوجة للأنثى، ويقال: زوج للرجل، لئلا يشبه على المتعلم كون المسألة المتوفى فيه زوج ذكر أو زوج أنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذف التاء من زوج، سواء كان للأنثى أو الذكر ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظلة، خبر للمبتدأ هم، أو جمع ظل، والمعنى لا يختلف كثيرًا، فهم في ظلال ليس عندهم شمس تصهرهم، أو تسخن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، فهو نور ساطع ولكنه لطيف، لأن ألطف ما يكون هو مثل ذلك الوقت فهو ظل ظليل ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ قال المؤلف: [جمع أريكة، وهو السرير في الحَجَلَة، أو الفرش فيها] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع الأريكة هي السرير في الحجلة، أو الفراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجلة عبارة عن بيت صغير في وسط البيت الكبير، أي أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا
[ ٢٠٠ ]
تشمل حجرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجلة، خيمة صغيرة تكون خاصة بالرجل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها ﴿مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ قال المؤلف: [خبر ثانٍ متعلق على] أي: على الأرائك متعلقة بمتكئون، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ (هم) وفي (ظلال) خبر و(متكئون) خبر ثان، فالجملة على كلامه واحدة لكنها متعددة الخبر: (هم في ظلال متكئون) و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بمتكئون، ومناسبة تقديمها على عاملها: مراعاة فواصل الآيات، والقرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى كان أدى إلى تقديم المفضول على الفاضل في سورة (طه) في قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ (^١) فقدم هارون على موسى، مع أن موسى أفضل، مراعاة للفواصل، لأن الفواصل إذا كانت متفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء والقرآن أبلغ الكلام، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولنا رأي ثان في الإعراب أن تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدم ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، وعلى هذا فتكون لدينا جملتان، جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ والثانية: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وما ذكرناه أعم؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكون متكئين على الأرائك مع الزوجات، أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف -﵀- يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات.
_________________
(١) سورة طه، الآية: ٧٠.
[ ٢٠١ ]
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة زوجات لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة، فقال ﷿ في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (^١) وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ (^٢) فقاصرات الطرف يعني أنها تقصر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرات لطرف زوجها عليها، فزوجها لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راضٍ بصاحبه، وهن أيضًا ﴿خيرات حسان﴾ خيرات الطباع، حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس لقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾.
٣ - ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾، فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمأن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها الفاكهة وهي كل ما يتفكه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون بها.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة كل ما
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية: ٥٦.
(٢) سورة الرحمن، الآية: ٧٠.
[ ٢٠٢ ]