تحت الشمس؛ لأنه يحجبها، فإذا كسف القمر شيئًا من النجوم عرفنا أن القمر تحتها، ولهذا القمر يكسف كل النجوم، والشمس، ولا شيء يكسفه منهما إلَّا الأرض، لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، فحينئذ ينكسف القمر، وقد شاهدت أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم تجري يسير حولها، ثم يغطيها، وهذا يدل على أن القمر نازل عن علو هذه الكواكب.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على قول من يقول: (إن الشمس ثابتة وأنها لا تدور)، والعجب أنهم يقولون: إنها ثابتة، وأن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط، لأن الله ﷾ جعل الحكم واحدًا، قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ فإذا فسرنا السبح بالدوران، وأثبتنا ذلك للقمر فلنثبته أيضًا للشمس.
* * *
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ قال المؤلف - ﵀ -: [﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ على قدرتنا ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وفي قراءة ﴿ذرياتهم﴾ أي آباءهم الأصول في ﴿الْفُلْكِ﴾ أي سفينة نوح ﵇ ﴿الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ المملوء].
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ أي: للناس جميعًا، يقول المؤلف: آية على قدرتنا، ونحن نسلم بذلك، لكن فيه أيضًا آية على شيء آخر، وهو رحمة الله ﷿ بالخلق ونعمته علينا، فالآية لنا دالة على قدرة الله ورحمته وفضله علينا بهذا الفلك، الذي سخره الله ﷿ يجري في البحر يحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، ويحمل الناس، ويحمل المواشي، ويحمل كل ما فيه
[ ١٥٠ ]
مصلحتنا، فهو من الآيات الدالة على قدرة الله ﷿، وعلى رحمته، وقوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] هذه الجملة في تأويل مصدر هي المبتدأ يعني (وآية لهم حملنا ذريتهم) قال المؤلف: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [أي: آباءهم الأصول]، فجعل المراد بالذرية هنا الأصول، يعني الآباء، مع أن المعروف في اللغة العربية، أن الذرية هم الفروع وليسوا الآباء، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ (^١) والمؤلف -﵀- ومن ذهب مذهبه في تفسير الآية يقول: إن الذرية لفظ مشترك بين الأصول والفروع؛ لأنها مأخوذة من ذرا، والذر كائن للأصول والفروع، ثم يقولون أيضًا: إن سياق الآية يدل على ذلك ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لأن ذريتهم الصغار الموجودون معهم إذا حملوا هم، فسيحملون معهم في الفلك، وإن كان المراد بالذرية من يأتي فيما بعد، فكيف يكون ذلك آية وهي غير مشهودة لهم؟ إذن يتعين أن يكون المراد بالذرية الأصول، لأن الصغار المشهودون حملهم حمل لآبائهم؛ لأن الغالب أنهم لا يحملون إلا مع آبائهم، والصغار غير المشهودين، الذين يأتون فيما بعد، لا يكونون آية لمن لم يشاهدها، فتعين أن يكون المراد بالذرية الآباء.
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف -رحمه الله تعالى- يوافق ظاهر الآية، لكنه يخالف ما كان معهودًا في اللغة العربية من أن الذرية هم الفروع، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن المراد
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٢٦.
[ ١٥١ ]
بالضمير هنا الجنس لا العين، والمعنى ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم، كنوح ﵊، من جنسنا آدمي بشر، فحمل الله ذريته في الفلك المشحون، قالوا: وهذا لا يمتنع في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ (^١) ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: جنس الإنسان وليس عينه؛ لأن الذي جعل نطفة ليس آدم الذي خلق من سلالة من طين، ولا يمكن أن يكون نطفة في قرار مكين، بل غيره بلا شك، فالضمير عاد إلى آدم باعتبار الجنس، فليعد الضمير في قوله: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلى الموجودين باعتبار الجنس، فمن هو الجنس؟ قالوا: هو نوح؛ لأنه بشر وآدمي، وذريته هي المحمولة، فيكون المعنى: أن خلقنا ذريتهم، أي: ذرية جنسهم، وهو نوح ﵊ حملت ذريته في الفلك المشحون، وخلق لهم من مثله ما يركبون، وهذا قريب جدًّا ولا يخالف ظاهر الآية، ويشير إلى أن هذه السفينة جعلت آية لمن بعد نوح ﵊ يعتبرون بها ويصنعون مثلها قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ (^٢). فالمراد بالذرية هنا ذرية نوح ﵊، وأضيفت إلى هؤلاء باعتبار الجنس يعني (حملنا الذرية من جنسهم في الفلك المشحون).
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ولا يأباه السياق.
﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ أي: سفينة نوح فـ (ال) هنا للعهد
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ١٢، ١٣.
(٢) سورة القمر، الآية: ١٥.
[ ١٥٢ ]
الذهني؛ لأنه لم يسبق لها ذكر، وليست للاستغراق؛ لأن المراد بها الفلك واحد، فتكون (ال) هنا للعهد الذهني، يعني: في الفلك المعهود في أذهانكم، وهو الذي قال الله تعالى لنوح: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (^١) والفلك يطلق على الجمع، ويطلق على المفرد، فمن إطلاقه على المفرد هذه الآية، وعلى الجمع مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (^٢) أي: الفلك، وهذا الضمير ضمير جمع، ولا يعود للمفرد، ولهذا قال بعض الفقهاء -﵏- (إن الأحدب الذي حدبته كالركوع ينوي الركوع، وهذا كفلك في العربية) لا يدري هل هو جمع، أو مفرد إلا بالنية، فالأحدب المقوس الظهر يركع بالنية ينوي الركوع، لأنه ما زال راكعًا أحدب، ﴿الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء بأناس من البشر الذي آمنوا مع نوح وما آمن معه إلا قليل، مملوء ببقية الحيوانات؛ لأن الله قال فيه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٣).
الفوائد:
في الآية الكريمة من الفوائد:
١ - بيان ما في إنقاذ البشرية من الغرق في زمن نوح ﵊، فإنه لولا أن الله أبقى هؤلاء لزالت البشرية من الأرض، لكن الله تعالى أبقى نوحًا ﵊ ومن
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية: ٢٧.
(٢) سورة يونس، الآية: ٢٢.
(٣) سورة هود، الآية: ٤٠.
[ ١٥٣ ]