٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قسوة قلوب هؤلاء، فإنهم لم يقبلوا آية من الآيات ودليله ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. فأثبت الله تعالى أنه رب هؤلاء، وهو ﷾ رب كل شيء ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ (^١) فكل شيء فالله ربه، حتى الكفار، وقد تكون الربوبية خاصة، أي: أنه يراد بها ربوبية خاصة، فيها مزيد عناية واعتناء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ (^٢) فإن هذه الربوبية غير الربوبية العامة.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: تقبيح حال هؤلاء والتحذير من فعلهم لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ مع أنها جاءت من ربهم الذي هو مالكهم، وخالقهم، وأمرهم إليه، ومع ذلك يعرضون.
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ قال المؤلف: [أي قال فقراء الصحابة: أنفقوا علينا مما رزقكم الله من الأموال]، هكذا سار المؤلف في
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ٩١.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٢٢.
[ ١٦٥ ]
تفسير الآية فجعل القائل هم الفقراء، وعلى هذا فتكون الآية في سؤال الفقراء من الأغنياء أن ينفقوا، أي: إذا جاء الفقراء يسألون الأغنياء أن ينفقوا تهكموا بهم، وقالوا: كيف نطعمكم، والله تعالى لم يشأ أن نطعمكم، ولو شاء أن نطعمكم لأعطيناكم بدون سؤال، هذا توجيه الآية على ما مشى عليه المؤلف -﵀-.
لكن الذي ينبغي أن نجعل الآية عامة؛ لأنه أبهم فيها الفاعل، وإبهام الفاعل يراد به في بعض الأحيان التعميم، فـ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: إذا قال لهم أحد من الناس، سواء كان الفقراء يسألونهم الإنفاق، أو كانوا الأغنياء يحثونهم على الإنفاق، لأن الأغنياء من الصحابة -﵃- مثلًا ينفقون فيحثون الأغنياء من الكفار على أن ينفقوا أيضًا، فالصواب أن نبقي الآية على إبهامها ليكون أعم، وقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ الإنفاق بمعنى البذل والإعطاء وقوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ أي مما أعطاكم الله، وفي قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ دون قول: (أنفقوا من أموالكم) فيه تنبيه على أن هذا الذي بين أيديكم ليس من كسبكم في الواقع، ولكنه من رزق الله تعالى، فكان عليكم أن تنفقوا من هذا الذي رزقكم الله، لأن الله يأمركم به، فالذي أمركم بالإنفاق هو الذي أعطاكم هذا المال، فكيف تنكرون فضله وتستكبرون عن أمره فلا تنفقون؟ ! هذه هي الفائدة من قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فما كان الجواب: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اللام هذا الأصح أن المراد بها الصلة، يعني قالوا قولًا يصل للذين آمنوا، والذين آمنوا هم
[ ١٦٦ ]
الذين قالوا لهم أنفقوا مما رزقكم الله ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال المؤلف [استهزاء بهم] يحتمل ما ذكره المؤلف أنه استهزاء، ويحتمل أنه من باب الاحتجاج بالقدر عنادًا وتبجحًا يقولون: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ و﴿مَنْ﴾ هنا بمعنى الذي، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة، أي: نطعم أحدًا لو يشاء الله أطعمه من دوننا، أو أنطعم الذي لو يشاء الله أطعمهم، و﴿لَوْ﴾ هنا حرف امتناع الامتناع، وشرطها قوله: ﴿يَشَاءُ﴾ وجوابها: ﴿أَطْعَمَهُ﴾ وقد أتت على خلاف الأكثر حيث حذفت اللام من الجواب، والأصل (من لو يشاء الله لأطعمه) فإن جواب (لو) إذا كان مثبتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وقد تحذف اللام، وقد اجتمِع الأمران في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ (^١) فأتت اللام في جواب (لو) في الآية السابقة، وحذفت من الآية الثانية، وهذه الآية من سورة يس من باب محذوف اللام ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ قال المؤلف: إنهم يقولون ذلك [استهزاء بهم] يعني: أنطعم قومًا لو شاء الله أطعمهم، فإطعامهم إلى الله، هذا الوجه الأول.
الوجه الثاني: يحتمل أنه من باب الاحتجاج بالقدر فرارًا من اللوم، يعني: أنطعم قومًا أن لو يشاء الله أطعمهم فأطعمناهم، ولكن الله تعالى لم يشاء أن نطعمهم فلا نطعمهم.
_________________
(١) سورة الواقعة، الآيات: ٦٨ - ٧٠.
[ ١٦٧ ]
الوجه الثالث: يحتمل أنهم قالوا هذا اعتراضًا على القدر، كما يقوله الاشتراكيون والشيوعيون، أي: لماذا يجعل الله هذا فقيرًا، ولا يعطه، فكأنهم في جوابهم هذا يعترضون على الله، ويقولون: الذي يطعمهم، والمسؤول عنهم هو الله، وكان على الله أن يطعمهم، لكن لم يشأ ذلك، فيكون في هذا نوع من الاعتراض على القدر.
فهذه ثلاثة أوجه:
الأول: الاستهزاء.
الثاني: الاحتجاج بالقدر.
الثالث: الاعتراض على القدر.
ثم قالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ قال المؤلف: [أي: في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ بين] يعني هؤلاء الكفار الذين أمروا أن ينفقوا على الفقراء، يقولون للذي أمرهم: أنت تعتقد أن الله لو شاء أطعمهم فيقول: نعم أعتقد ذلك، فيقولون: إذن كيف تأمرنا أن نطعمهم، والأمر بمشيئة الله ما أنت إلا في ضلال مبين وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، لوجود (إلا) بعدها، وإذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي دليل على (إن) نافية و(إن) ترد في اللغة العربية على أربعة أوجه هي:
الأول: تأتي زائدة، ومثاله قول الشاعر:
بني غدانة ما إن أنتم ذهب ولا صريف ولكن أنتم الخزف
الثاني: تأتي شرطية، مثاله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ
[ ١٦٨ ]
أَوْلَى بِهِمَا﴾ (^١).
الثالث: تأتي نافية، مثاله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾.
الرابع: مخففة من الثقيلة، مثاله قول الشاعر:
وإن مالك كانت كرام المعادن.
وقال المؤلف: [مبين أي: بيّن] فهي من أبان القاصر، وأبان تأتي متعدية، ولازمة، فيقال: أبان الشيء، أي: أظهره، ويقال: أبان الصبح، أي: ظهر، إذن ﴿مُبِينٍ﴾ من الرباعي من أبان، يبين، فهو مبين ويحتمل أن تكون بمعنى (بين) على أنها من القاصر.
ويحتمل في غير هذا السياق أن تكون بمعنى (أبان) مثل ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ (^٢) ليس المعنى: وقرآن بين، بل وقرآن مبين للحق.
قال المؤلف: [وللتصريح بكفرهم موقع عظيم] أي في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يقل: (قالوا) بل قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فله موقع عظيم لأنه:
أولًا: التصريح بكفر هؤلاء، لو قال (قالوا) لقلنا لعلهم قالوا ذلك ليس بسبب الكفر، ولكن بسبب البخل، هذه فائدة، أن الإظهار في موضع الإضمار في هذه الآية للتصريح بكفرهم.
الفائدة الثانية: أن مثل هذه المقالة لا تصدر إلا من كافر،
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٣٥.
(٢) سورة الحجر، الآية: ١.
[ ١٦٩ ]
فيكون الكفر عامًّا لكل من قال هذه المقالة.
وقد مر علينا فيما سبق أن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التصريح بالحكم على هؤلاء الذين يرجع إليهم الضمير.
الفائدة الثانية: أن من قال بمثل هذا فهو كافر، أو ظالم حسب السياق.
الفائدة الثالثة: العلة، وأن هذا القول سببه كذا وكذا حسب ما يوصف.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام بمعنى (عن) يعني: قال الذين كفروا عن الذين آمنوا: يعني قالوا في حق الذين أمروا بالإنفاق عليهم وهم المؤمنون ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾.
الفوائد:
١ - يستفاد من هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الذين كفروا يوعظون وينبهون ولكنهم يستكبرون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فالحجة قائمة عليهم.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أنفق بأمر الله تعالى فلا منة له على الله ﷿، لأن الله تعالى هو الذي أعطاه لقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمتكلم الواعظ أن يبين الأسباب التي تحث على فعل ما وعظ به لقوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه﴾.
[ ١٧٠ ]
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة أن هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه أنهم كفار لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
٥ - ومن فوائدها: أن البخل من صفات الكافرين، لقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإذا كان من صفات الكافرين فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتصف به، فكل ما كان من صفات الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم، فإن اللائق بالمسلم أن لا يفعله، لأنه إذا فعله صار متشبهًا بالكافرين في هذه الخصلة.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول كلمة الحق يريد بها الباطل ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ فنحن نؤمن بأنه لو شاء الله لأطعم هؤلاء، لكن حكمته ﷿ اقتضت أن يجعل هؤلاء فقراء، وهؤلاء أغنياء.
٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشركين يقرون بمشيئة الله وأنها نافذة في كل شيء، لقولهم: ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ والمشركون أو الكافرون لا ينكرون ربوبية الله ﷿، بل يقرون بها حتى الذين تظاهروا بإنكْارها إنما ينكرونها بألسنتهم لقوله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (^١) ولقول موسى ﵊، لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ (^٢) لكن ينكرون الربوبية استكبارًا ومكابرة، وإلا فإن قرارة نفوسهم تشهد بها.
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ١٤.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٠٢.
[ ١٧١ ]
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: الأساليب الدعائية التي يستعملها المشركون من قديم الزمان، حيث قالوا لهؤلاء المؤمنين، أو لهؤلاء القائلين: أنفقوا مما رزقكم الله. قالوا لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ وهذا الوصف المشين للمؤمنين من الكافرين هذا لم يزل ولا يزال موجودًا إلى يومنا هذا، فهم يصفون أهل الخير بالأوصاف العديدة المنفرة منهم، أو التي يقصدون بها استعداء الحكام على هؤلاء المؤمنين، يقولون: هؤلاء رجعيون، وهؤلاء متخلفون، هؤلاء متشددون، هؤلاء متزمتون، وما أشبه ذلك من الكلمات التي يصفون بها أولياء الله ﷿، ونحن لا ننكر أنه يوجد من أهل الخير وأهل الدين من يغلو ويبالغ في عمله، أو في وصفه لغيره من التكفير والتفسيق، حتى يكفر من لم يكفره الله، ويفسق من لم يفسقه الله، نحن لا ننكر أن هذا موجود، ولكن يبدو لي -والله أعلم- أن وجود مثل هؤلاء المتشددين إنما جاء نتيجة لتطرف الآخرين في المعاصي والفسوق، فيريدون أن يحدثوا ردة فعل بالنسبة لهؤلاء، ولو استقام الناس كلهم على الدين ما حصل هذا التطرف، لكن إذا رأوا جانبًا متطرفًا في الفسوق والعصيان، وأنه مستمر على ذلك ومقر على ذلك من بعض ولاة الأمور، حصل رد فعل مقابل لهؤلاء، فتشدد هؤلاء في مقابل تراخي هؤلاء، ولكن التوسط هو الخير، ومع هذا فإن المتوسطين المعتدلين لا يسلمون من ألسنة المتطرفين الضالين، ولا من ألسنة المتطرفين الغالين، فالغالون مثلًا يقولون لهؤلاء المتوسطين: أنتم مفرطون، أنتم مداهنون، أنتم تقرون أهل
[ ١٧٢ ]
الشر، وأهل الشر يقولون: هؤلاء متشددون، هؤلاء يريدون من الناس أن يكونوا على شاكلتهم، وإلا فهم كافرون وما أشبه ذلك، والمهم أن ألقاب السوء التي يلقب بها أعداء الله أولياء الله لم تزل موجودة ولا تزال موجودة إلى يومنا هذا، حتى أهل البدع يلقبون أهل السنة بألقاب السوء يقولون: هؤلاء مشبهة. إذا أثبتوا الصفات على الحقيقة، وهؤلاء حشوية، هؤلاء نوابت وما أشبه ذلك من الكلمات التي تستوجب النفور منهم، والنيل من قدرهم، ولكن هذا لا يضر أهل الخير، ولكن يؤذيهم، والأذية غير الضرر، فقد يتأذى الإنسان بالشيء ولكن لا يتضرر به، فها هو الإنسان يتأذى من رائحة البصل والكراث، والشيء المستقذر، ومع ذلك لا يتضرر به، وقد أثبت الله لنفسه أنه يؤذى من المنافقين وغيرهم، ونفى عن نفسه التضرر، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (^١) وقال في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" (^٢)، وقال في الحديث القدسي: "يا عباد إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (^٣)، المهم أن مثل هذه الألقاب لا شك أنها تؤذي المؤمنين، ويتأذون منهم، وتضيق بها صدورهم، لكنها لا تضرهم، بل هي نافعة لهم؛ لأنهم إذا صبروا عليها أجروا على الصبر، وإذا تأذوا بدون صبر صارت كفارة لهم؛ لأنه لا يصيب المؤمن من هم ولا أذى ولا غم إلا كفر
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٧.
(٢) أخرجه البخاري، كثاب التفسير، تفسير سورة الجاثية (٤٨٢٦) ومسلم، كتاب الأدب، باب النهي عن سب الدهر (٢٢٤٦).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر، باب تحريم الظلم ٥٥ (٢٥٧٧).
[ ١٧٣ ]
الله به عنه حتى الشوكة يشاكها، لاسيما وأنه يؤذى هنا في ذات الله ﷿، فيكون هذا منقبة لهم، ويكون هذا الإنسان الذي أوذي في الله قد ناله ما نال أولياء الله من الأنبياء والصديقين والشهداء، وقد أخبر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه يبتلى الصالحون الأمثل فالأمثل (^١)، فإذا كان فيه قوة في دينه فإنه يؤذى أكثر؛ ليكون أبلغ في الامتحان، وإذا كان دينه أقل، فإن الله قد يرحمه فلا يحصل له من الأذية ما يحصل للآخر، وقد يبتليه الله ﷿، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (^٢) نسأل الله السلامة.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة من أعداء الله بما يسمون به أولياء الله لقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ كأنهم حصروا حالهم من كل وجه في الضلال المبين، كَأنه لا هداية فيهم إطلاقًا (ما أنتم إلا في ضلال) وهذا غاية ما يكون من العدوان من هؤلاء.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله، وهي كثيرة في القرآن، ولكن كل ما ذكر الله تعالى من المشيئة فهي مقرونة أو مقيدة بالحكمة، إذ ليست مشيئة الله مجرد مشيئة بل هي مقرونة بالحكمة.
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء (٢٣٩٨) وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) سورة الحج، الآية: ١١.
[ ١٧٤ ]