الشاة، وهذا يدل على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا.
٢ - من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الأصل هو الظلام لقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، فهذا يدل على أن الأصل هو الظلام، وأن النهار طارئ عليه، ولهذا يسلخ منه وهو كذلك، فإن أصل الضوء من الشمس، والشمس حادثة وواردة على الليل، فيكون الأصل الظلام ويأتي النور بعده.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلق بهذه النعمة لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ وأنه لولا نعمة الله علينا بهذا النهار الذي يسلخ من الليل لكنا دائمًا في ظلمة، وهذا بلا شك متعب للناس وضار بهم، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ (^١).
* * *
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ الواو حرف عطف و(الشمس) أيضًا معطوفة على الليل، يعني: وآية لهم الشمس أيضًا ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ويجوز أن تكون الواو استئنافية، الشمس مبتدأ، لكن المعنى الأول أقوى قال المؤلف: [والشمس تجري إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى، والقمر كذلك] أي سواء قلنا الجملة استئنافية وأن هذه الآية الأخرى جديدة، أو قلنا إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله تعالى آية من آيات الله. فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، فهذا الجرم
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٧١.
[ ١٣٥ ]
الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله، من يستطيع أن يوجد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها وشعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟ ! الجواب: لا أحد يستطيع، إذًا فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمر، وتدفئة الأرض، والنور العظيم، كم طاقة يستفيدها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء، طاقة عظيمة سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يستغني بالشمس عند تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة فإذا هذا أمر لا يقدر له ثمن، أما إنضاج الثمر، وإيباس الرطب وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلق فحدث ولا حرج، فهي آية عظيمة من آيات الله ﷿.
وهي آية في مسيرها قال: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ يعني تسير جريًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس تسير بسرعة عظيمة جدًّا لا يعلم قدرها إلَّا الله ﷿، أو قد يعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الطائرة تسير في سرعة عظيمة وهي قريبة منا، ومع ذلك نراها تمشي ببطء؛ لبعدها عنا فما بالك بالشمس؟ ! نحن نراها تسير لا شك في هذا، حتَّى إنك نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا يدل على أنَّها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا وهي بعيدة جدًّا ونشاهدها تسير هذا السير إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد علم تقديره عند الفلكيين الآن وقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال المؤلف:
[ ١٣٦ ]
[إليه لا تتجاوزه]، والمستقر موضع القرار، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (^١) وقال ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٢). فالمستقر موضع القرار، وقال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (^٣) فما هذا القرار الذي تجري الشمس إليه؟ هل هو قرار زمني؟ أو قرار مكاني؟ أو هما جميعًا؟
ثبت في الحديث الصحيح عن أبي ذر - ﵁ - أنَّه كان مع النبي - ﷺ - في المسجد حين غربت الشمس فقال النبي - ﷺ -: "أتدري أين تذهب؟ " فقال أَبو ذرٍّ: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب وتسجد تحت العرش، وتستأذن فذلك مستقرها" (^٤)، ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ وهذا الحديث يدل على أن مستقرها مكاني؛ لأنها تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيته؛ لأن الشمس ليست كالبشر حتَّى يقاس سجودها بسجود البشر، بل هي مخلوق أعظم، ولا ندري كيف تسجد؟ فإذًا لا يرد علينا السؤال: هل هي تسجد وهي سائرة أو تقف؟ وكيف يصح أن نقول: إنها تسجد وتستأذن وهي لا تزال مستمرة في الأفق؟ كل هذه الأسئلة إيرادات نجيب عليها عند ذكر الفوائد.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٣٦.
(٢) سورة النمل، الآية: ٦١.
(٣) سورة هود، الآية: ٦.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر (٣١٩٩).
[ ١٣٧ ]
وقيل: إن المستقر مستقر زمني، وذلك عند تكويرها يوم القيامة، أي: عند منتهى سيرها في يوم القيامة، أي: تجري إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني.
وقيل: إن المراد بالمستقر منتهى تنقلها في البروج الشمالية واليمانية، فلها حد تنتهي إليها من الشمال لا تتجاوزه، ولها حد تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناء على هذا يكون المستقر زمانيًّا ومكانيًّا، لأن غاية سيرها في الشمال يكون به ابتداء فصل الصيف، وغاية سيرها في الجنوب ابتداء فصل الشتاء، فهذا مستقر زمني مكاني، فهذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قدرها إلَّا الذي خلقها ﷾ لما فيها من المصالح العظيمة ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ كل شيء له غاية، وكل شيء له منتهى إلى الله ﷿. قال المؤلف: [﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ بخلقه] [﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريانها لمستقرها ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ وأضاف التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم ﴿الْعَزِيزِ﴾ لأن هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قوة وسلطان قاهر، فلهذا أتى باسم ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأن العزيز يشمل ثلاثة معانٍ:
أولًا: العزيز في قدره.
ثانيًا: العزيز في قهره.
ثالثًا: العزيز في امتناعه.
أما في قدره فمعناها: أن الله ذو شأن عظيم لا يماثله أحد، وأما في قهره فمعناه أن الله له الغلبة والسلطان المطلق، يقول
[ ١٣٨ ]
الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
وأما في امتناعه فالمعنى: أنَّه ممتنع عن كل نقص وعيب.
أما ﴿الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ فمعناه ذو العلم الكامل الشامل، فإن علم الله تعالى علم كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، وشامل لكل ضغير وكبير، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (^١) وما كتب في كتاب مبين إلَّا بعد أن كان معلومًا عند الله ﷿، إذ المجهول لا يكتب، فهذا يدل على سعة علم الله ﷿، وأنه محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا.
فذكر الله هذين الاسمين ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ لمناسبة المقام، لأن الشمس ليست بالشيء الهين الذي يسهل قياده، بل هي شيء عظيم يحتاج إلى عزة وعلم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الشمس تجري أي تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أن سيرها ذاتي، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين، وأن الذي يدور هو الأرض، والواجب إجراء القرآن الكريم على ظاهره حتَّى يقوم دليل صريح يكون لنا حجة أمام الله ﷿ إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلم بالقرآن هو الله الخالق ﷿ وهو العليم بخلقه، فإذا
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.
[ ١٣٩ ]
قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ وجب أن نقول: إن الشمس تجري، ولا يجوز أن نقول: إننا نحن الذين نجري، ولكن هي التي تجري بتقدير العزيز العليم.
٢ - ومن فوائدها: أن هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبة لابد لها من منتهى لقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ويتفرع على هذا:
٣ - أن جميع الخلائق لها منتهى، فكل ما في الدنيا من خلائق له منتهى، وسوف يزول ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ (^١).
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الشمس مقدرة تقديرًا بالغًا منظمًا لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ ويشهد لهذا الواقع، فإن هذه الشمس منذ خلقها الله إلى أن تزول وهي في فلكها لا تتقدم ولا تتأخر عن السنة التي أمرها ﷿ أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتَّى قيل: إنها لو تنخفض مقدار شعرة لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرة لجمدت الأرض، ولكن الله ﷿ جعلها على هذا التقدير البديع المحكم الذي لا يتغير ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العزيز العليم، ويؤخذ منهما: إثبات صفتين تتضمنهما وهما العزة والعلم، ويؤخذ منهما أيضًا: إثبات الأثر، أو الحكم وهو أنَّه غالب لكل أحد، وعليم بكل شيء.
* * *
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٤٨.
[ ١٤٠ ]