٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإنكار على من ذكر فأعرض، لقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾.
٧ - ومن فوائدها: جواز حذف ما علم بالسياق، ولا يعد هذا نقصًا في الكلام وبلاغته؛ لأن جواب الشرط محذوف لدلالته عليه، وربما يكون الحذف أبلغ.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم كانوا مسرفين على أنفسهم متجاوزين للحد لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾. وسبق بيان وجه إسراف هؤلاء وتجاوزهم للحد.
* * *
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ قال المؤلف: [هو حبيب النجار كان قد آمن بالرسل ومنزله بأقصى البلد]. قوله ﷿: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ أي من أبعدها إلى المكان الذي فيه الرسل والمكذبون لهم، وهو وسط المدينة، لأن الغالب أن العلم والحضارة وكثرة السكان تكون في الوسط. وهذا الرجل كان في أبعد المدينة فسمع أن هؤلاء كذبوا الرسل - وكان ﵀- قد آمن فجاء ينصح قومه، والله ﷿ يقول ﴿رَجُلٌ﴾ وهو نكرة غير معرف، والمؤلف يقول [حبيب النجار] وهذا الاسم والتعيين لم يصح عن النبي - ﷺ - ولعله متلقى عن بني إسرائيل، وموقفنا في مثل هذا ألا ننكر وألا نثبت، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ وهنا بدء بيان مكانه قبل ذكره، وفي قصة موسى حين قتل القبطي ذكر
[ ٧١ ]
الرجل قبل مكانه فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ (^١) وهنا ذكر المكان قبل ذكر الرجل ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ وذلك لأن هذا الرجل كان مؤمنًا فسهل عليه أن يأتي من المكان البعيد، فذكر مكانه لبعده ليستدل به على قوة محبة هذا الرجل للخير ودفع الشر. أما ذلك فالمقصود به العلم أن يأتي أحد بالعلم، فبدأ بالآتي وهو الرجل قبل ذكر مكانه.
وهنا قال الله ﷿: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ وفي أول الآية قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهذا يدل على أن القرية تسمى مدينة، والمدينة أيضًا تسمى قرية، فمكة سماها الله تعالى قرية وهي أم القرى، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ (^٢) فالقرية ليست هي البلد الصغير كما يظن كثير من الناس، بل القرية تكون مدينة، ولذلك لأن أصل القرية معناه مأخوذ من القِرى، وهو التجمع فإن الناس يجتمعون فيها، فإن كانت بلدة كبيرة سميت في عرف الناس مدينة، وإن كانت دون ذلك سميت في عرف الناس قرية. فالتفريق بين القرية والمدينة ما هو إلَّا اصطلاح عرفي فقط.
قوله: ﴿يَسْعَى﴾ أي يشتد يركض لئلا تفوته الفرصة حين سمع بتكذيبهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ﴿قَالَ﴾ هذا جملة مفصولة عما قبلها، أي أنَّها أتت بدون حرف العطف كأنها
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٢٠.
(٢) سورة محمد، الآية: ١٣.
[ ٧٢ ]