معه، ومع هذا لم يبق من نسل الذين معه أحد، وإنما الذين بقوا هم نسل نوح ﵊ فقط، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ (^١) أما غيرهم فلم يبق منهم أحد، ولهذا يسمى نوحًا أبا البشر الثاني.
٢ - من فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله ﷿ بما أنعم على هؤلاء بتعليم السفن التي يركبونها في البحر، لولا هذه السفن ما استطاع أحد أن يعبر من يابسة إلى أخرى بينهما ماء، ولكن الله تعالى أعلمهم بصناعة هذه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفينة التي كان فيها نوح ﵊ كانت مملوءة من البشر وغيرهم لقوله: ﴿الْمَشْحُونِ (٤١)﴾.
* * *
وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ قال المؤلف -﵀-: [أي: مثل فلك نوح، وهو ما عملوه على شكله من السفن الصغار والكبار بتعليم الله تعالى ﴿يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ فيه] يذكرهم الله ﷿:
أولًا: بحمل آبائهم السابقين الذين هم ذرية نوح ﵊.
وثانيًا: بأن الله تعالى خلق لهم من مثل هذه الفلك ما يركبون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ (^٢)
_________________
(١) سورة الصافات، الآية: ٧٧.
(٢) سورة القمر، الآية: ١٥.
[ ١٥٤ ]
فالناس تعلموا كيف يصنعون السفن، وصاروا يصنعون مثل هذه السفن، ولعل قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ (^١) فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة، أو الفلك لأجل أن يتعلم الناس، لأنه لم يقل (حملناه على فلك) بل قال: ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ كأنه يقول: إن هذه الفلك مصنوعة من الألواح والمسامير، حتى يتعلم الناس مواد هذه الفلك. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ المراد بمثله هنا الجنس، وليس المراد المماثلة من كل وجه، وذلك لأن المماثلة من كل وجه قد تكون متعذرة، لكن يكفي الجنس، أما النوع فيختلف باختلاف الأعصار، فلكل عصر نوع سفنه، وما زالت ترتقي السفن في البحار إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في عهدنا الحاضر، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: [بتعليم الله تعالى] إشارة إلى سؤال مقدر كأنه قال: كيف قال الله ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾؟ وهذه السفن مصنوعة بأيدي البشر وليست بخلق الله كخلق البعير التي نركب والفرس وما شابهها؟ فأجاب المؤلف: بأن الله تعالى أضاف خلقها إليه لأنها كانت بتعليمه ﷾.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجه، لقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ وليست السفن الموجودة والتي كانت في عهد نزول القرآن ليست كمثل سفينة نوح من كل وجه، ويدل على أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة
_________________
(١) سورة القمر، الآية: ١٣.
[ ١٥٥ ]