للأبوين حين جاء إليهما الشيطان ووسوس إليهما، ولم يكتفِ بمجرد الوسواس بل قاسمهما وصار يحلف لهما بشتي الأيمان أنه ناصح، فهكذا الشيطان يأتي الإنسان حتى يغويه.
٣ - ومن فوائد الآيتين الكريمتين: أن هؤلاء قد حجب عنهم الهدي، لا يتقدمون إليه ولا يتأخرون عنه.
٤ - ومن فوائدها أيضًا: أن أبصارهم قد أغشيت وجعل عليها الغشاوة فلا تنظر.
٥ - ومن فوائد الآيتين: تحذير الإنسان إذا لم ينفتح له باب الهدى أن يكون من جنس أولئك، فإذا رأيت نفسك لا تعلم الهدي ولا تعرفه وحيل بينك وبينه فاعلم أنك على خطر، وإذا رأيت من نفسك أن الهدى ينفتح لك ويتبين، وينشرح به صدرك فاعلم أنك على خير، نحن نقيس هذا بحال هؤلاء جعل السد من بين أيديهم ومن خلفهم وصاروا لا يبصرون الحق، فإذا رأيت من نفسك هذه الحال فاعلم أنك على خطر فتداركها.
٦ - إن من بلاغة القرآن الكريم تمثيل المعقول بالمحسوس.
* * *
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ ﴿وَسَوَاءٌ﴾ خبر مقدم بمعنى مستوٍ، و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر مسبوك بمصدر، وإن لم تكن الهمزة من الحروف المصدرية لكن في مثل هذا التركيب قال العلماء: إنها تسبك وما بعدها بمصدر، وتقدير الكلام: "وإنذارك وعدمه سواء عليهم" ﴿وَسَوَاءٌ﴾ هنا لم يقل
[ ٢٩ ]
فيها: "سواءان" لأنها مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. قال المؤلف في بيان القراءة في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [بتحقيق الهمزتين، وإبدال الثانية ألفًا وتسهيلها، وأدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه]، إدخال ألف بين المسهلة والأخرى، يعني على قراءة التسهيل تجعل فيها ألفًا أو تحذف الألف إدخال الألف بين الهمزة المحققة والمسهلة ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ تمد الأولى وتسهل الثانية فيكون عندنا ثلاثة حروف: الهمزة الأولى محققة، والألف، والهمزة الثانية مسهلة، وتركه كما قلناه في الأول بدون ألف ستحقق الأولى وتسهل الثانية بدون ألف. هذه القراءة سبعية؛ لأن المؤلف من عادته إذا جاءت قراءة شاذة غير سبعية يقول: (وقُرِئت)، وعلى كل حال هذا لا يختلف فيه المعنى، إنما هو في كيفية الأداء أما المعنى فلا يختلف.
والمعنى أن إنذارك وعدمه لهؤلاء سواء، ثم بين وجه التسوية فقال: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ هذا معنى التسوية، يعني معناه: أنذرت أم لم تنذر فإنهم لا يؤمنون، ولهذا فالجملة هنا استئنافية بيان للجملة الأولى، يعني أنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تنذر، وهذا أمر مشاهد أن الإنسان الذي قد قضي عليه بالضلالة -والعياذ بالله- تأتي وتنصحه مرة بعد أخرى وتبين له وتحذره ولكن لا يزداد إلا نفورًا -والعياذ بالله- حتى إن بعض الناس يسخر ويستهزيء، فعلى كل حال هذا الذي ينذر ولا يتأثر بالإنذار يخشى عليه، كما أسلفنا من أن يكون قد طبع على قلبه وأنه لا يؤمن أبدًا.
[ ٣٠ ]
* في الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ لا يبالون ولا تتغير حالهم، سواء أنذرهم أم لم ينذرهم.
٢ - ومن فوائدها: تسلية النبي - ﷺ - حيث إنه يتأثر بعدم الإيمان فسلاه ﷾ بأن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم لا يؤمنون، سواء أأنذرت أم لم تنذر. والرسول - ﷺ - إذا لم يهتد الناس فإنه يشق عليه ذلك ويضيق به صدره، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (^١) أي لعلك مهلكها إذ لم يؤمنوا، وهذا ليس عليه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسول - ﷺ - كان ينذرهم مع أنه قد أيس منهم، فيستفاد منه الإنذار حتى وإن يئست، وهذا أحد القولين في المسألة، فإن من أهل العلم من يقول: إذا أيست فلا تنذر ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ (^٢) وإن لم تنفع فلا تذكر.
وقال بعض العلماء: بل تذكر وتنذر، سواء أم لم ينفع، بل يقولون: إنه لا يخلو من النفع مهما كان؛ لأن قل ما فيها من النفع أن يتبين للناس أن العمل الذي عليه هذا الرجل منكر، ولأنه ربما يهديه الله ﷿، فكم من أناس كانوا أئمة في الكفر ثم هداهم الله ﷿ فكانوا أئمة في الدين.
٤ - من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: ٣.
(٢) سورة الأعلى، الآية: ٩.
[ ٣١ ]
العذاب، ومن حقت عليه الكلمة فلا يمكن أن يؤمن، سواء أنذر أم لم ينذر.
٥ - أن الأمر كله بيد الله ﷿، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ولكن هذا مقرون بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله ﷿ أن يهتدي هداه الله، ومن اقتضت حكمته أن يضل أضله الله، وهذا مبني على قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (^١) وحينئذ يكون حرمان الله الهداية للشخص، يكون الشخص هو السبب في حرمان نفسه الهداية؛ لأنه ليس أهلًا لها، فالله ﷿ ينظر في قلوب العباد من وجد في قلبه صلاحية للهدي هداه، ومن وجد في قلبه عدم الصلاحية لم يهده، فأصل بلائك من نفسك.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضال -والعياذ بالله- الذي كتبت عليه الضلالة لا يبصر الحق وإن كان الحق بينًا واضحًا فإنه لا يبصره، يكودن على بصره غشاوة، كما أنه لا يعقله أيضًا لقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (^٢) الذي يعتقد أن القرآن أساطير الأولين وأنه لا يفيد، وأنه بمنزلة سواليف العجائز، يري هذه الرؤية في كتاب الله ﷿، لأنه فاسد القلب، قلبه قد ران عليه ما كان يكسبه من الأعمال السيئة فلم ير الحق حقًّا.
ومن يكُ ذا فم مر مريض يجد مرًّا به الماء الزلالا
_________________
(١) سورة الصف، الآية: ٥.
(٢) سورة المطففين، الآيتان: ١٣، ١٤.
[ ٣٢ ]