٢ - ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بين تمام قدرة الله، لقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ فهذه الأعين مبصرة لو شاء الله لطمسها وصارت كأن لم تكن.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: ضرب المثل عن الأشياء المعقولة بالأشياء المحسوسة، فإن هؤلاء لو طمست أعينهم ما استطاعوا أن يهتدوا إلى السبيل، فكذلك إذا طمس الله بصيرة القلب -والعياذ بالله- لم يستطع الوصول إلى الحق، ولم يعرف الحق.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: كمال بلاغة القرآن؛ لأن الله لو شاء لقال: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فما استطاعوا أن يذهبوا ولا يرجعوا)، لكن أتى به على هذا السياق الذي فيه توسع؛ لأنه أبلغ في التأثير، ولأنه يكون له نسق جيد تهفو إليه الأسماع وتلتذ بسماعه.
* * *
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ في الآية السابقة ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ انتفاء الدلالة، وفي الآية انتفاء السير. ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ قيل: المراد بالمسخ -كما قال المؤلف-[قردة وخنازير، أو حجارة].
وقيل: المراد بالمسخ الإبقاء على ما هم عليه، يعني يمسخون على مكانتهم فلا يستطيعون التحرك وهو آدمي، لكنه ممسوخ لا يستطيع الحراك، وأيًّا كان فالله على كل شيء قدير، فقد قلب الله تعالى بني إسرائيل قردة وخنازير، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ
[ ٢٣٧ ]
اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ (^١) ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (^٢) والله ﷾ على كل شيء قدير، والنبي ﵊ قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار" (^٣)، والأمر هين على الله ﷾ يقول: (كن) فيكون، فيقول: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: حولنا صورهم إلى صور أخرى من القردة والخنازير، أو جعلناهم حجارة، أو أننا أبقيناهم ماكثين كالجماد. المهم أن الله ﷾ لو شاء لمسخهم وأبقاهم في مكانهم لا يتحركون، ولهذا قال: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ أي فما استطاعوا أن يمضوا؛ لأنهم مسخوا على مكانتهم وبقوا ثابتين، ولا يستطيعون أن يرجعوا، والذي لا يستطيع أن يمضي ولا يرجع ثابت، كالعمود لا يتقدم أمامًا ولا يتأخر خلفًا، لو شاء الله ﷿ لمسخهم على هذا حتى ظهر أمرهم محسوسًا، أما بالنسبة للخير والتقدم إليه فهم لم يتقدموا للخير، ولكن تأخروا عنه إلى الشر، ولهذا كان سيرهم الذي يسيرون عليه في العمل عكس الاتجاه الصحيح، بل مضاد له تمامًا.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٦٥.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٠.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إثم من رفع رأسه قيل الإمام (٦٩١) ومسلم، كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما ١١٤ (٤٢٧).
[ ٢٣٨ ]
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله ﷿ لقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ وقد سبق الكلام عن المشيئة وأنها مقرونة بالحكمة في فوائد الآية السابقة.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله ﷿.
٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن الله ﷾ لو شاء لأثبتهم في مكانهم بحيث لا يستطيعون الذهاب ولا الرجوع ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾.
* * *