أولًا: أن الرحمة قد تقع من إنسان قوي، وذي سلطان ويوصف بالرحمة.
ثانيًا: ادعاؤهم أن العقل لا يدل عليها باطل، فإن العقل يدل عليها أكثر دلالة وأوضح دلالة من دلالة التخصيص على الإرادة، وقد مر علينا هذا كثيرًا.
* * *
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ الضمير يعود هنا على المكذبين للرسل، ﴿مِنْ﴾، مهو هنا زائدة لفظًا، وزائدة في المعنى، أي: تعطيه معنى جديدًا، والمعنى الجديد تأكيد النفي والتنصيص على عمومه، أي: أي آية تأتيهم فإنهم لا يقبلونها، بل يعرضون عنها ويستكبرون، والآيات التي تأتي من الله ﷿ تنقسم إلى قسمين:
الأول: آيات كونية.
الثاني: آيات شرعية.
فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، والإعراض عنها يكون بالتكذيب بالأخبار، والاستكبار عن الأحكام.
وأما الآيات الكونية فالإعراض عنها أنه لا يهتم بها، وأن لا تحرك منه ساكنًا، وأن لا يوجل منها قلبه، وأن يقول كالذين رأوا العذاب ينزل من السماء ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ (^١) أو كالذين يقولون: إن الكسوف ليس أمرًا مخيفًا،
_________________
(١) سورة الطور، الآية: ٤٤.
[ ١٦٣ ]
لأنه شيئًا طبيعيًّا، ولا ينبغي أن يخيف -نسأل الله العافية-، أو كالذين يرون الزلازل، والغرق، والدمار من الرياح العاتية وغيرها، ثم يقولون: هذا أمر طبيعي، ولا يحرك له ساكنًا، ولا ريب أن هذا يدل على قسوة القلوب وموتها، وإلا فإن الواجب على الإنسان أن يتعظ بهذه الآيات، فالإعراض عن الآيات الكونية معناه عدم المبالاة بها، وعدم الاكتراث بها، وأن لا تحرك من الإنسان ساكنًا، ولا تهز له عاطفة ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ أي: إلا قابلوها بالإعراض، ولا يتأملونها، ولا يفكرون فيها، فإذا جاءت الآيات الشرعية في خبر كذبوها، وقالوا: هذا كذب، هذا سحر، هذا شعر، وإذا جاءت الأحكام الشرعية استكبروا عنها، ولم يذعنوا لها ولم ينقادوا لها بدون أن يتأملوا فيها وما فيها من المصالح، وكذلك في الآيات الكونية لا يكترثون بها ولا يهتمون بها.
الفوائد:
١ - في هذه الآية دليل على أن الله ﷿ يذكر، أو يبين لعباده من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، ووجه ذلك أنه لولا هذا لم يكن في الآيات فائدة.
٢ - من فوائدها: أن بني آدم قد يعتون عن الآيات فيعرضون عنها بدون نظر، والواجب على الإنسان أن ينظر أولًا، ثم يحكم ثانيًا، ولهذا يقال: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، فانظر أولًا في الآيات هل هي آيات مقنعة، موجبة للصلاح، فلتكن صالحًا بها، هل هي لا تنفع، فحينئذ تعذر بالإعراض عنها.
[ ١٦٤ ]